ثم يأتي الله بما أعده للمنافقين فيقول :
وعد الله المنافقين والمنافقات والكفار نار جهنم خالدين فيها هي حسبهم ولعنهم الله ولهم عذاب مقيم( ٦٨ ) .
والوعد للخير والوعيد للشر، ويقال : أوعد " في الشر، وفي بعض الأحيان تستخدم كلمة " وعد " بدلا من " أوعد " حتى إذا استمع السامع لها يتوقع خيرا. فإذا جاء بالعذاب كان ذلك أليما على النفس. وهذا استهزاء بالمنافقين والكفار، مثل قوله تعالى : وإن يستغيثوا يغاثوا بماء كالمهل يشوي الوجوه... ( ٢٩ ) ( الكهف ).
كأن الله أعطاهم وعدا أنهم إن يستغيثوا سيأتيهم الغوث ثم يقبله عليهم ويجعله ماء يغلي ويشوي وجوههم-والعياذ بالله- ونلحظ أيضا أن الحق سبحانه قد قدم المنافقين على الكفار، وهذا يؤيده قول الحق سبحانه وتعالى : إن المنافقين في الدرك الأسفل من النار ولن تجد لهم نصيرا( ١٤٥ ) .
وهنا يقول الحق سبحانه : وعد الله المنافقين والمنافقات والكفار نار جهنم خالدين فيها هي حسبهم ولعنهم الله ولهم عذاب مقيم .
وهكذا نرى أن المنافقين موقعهم الدرك الأسفل من النار. والكفار موقعهم الدرك الأعلى، وقد يسأل سائل : كيف يكون ذلك ؟.
ونقول : إن الكافر بكفره قد أعطانا مناعة، فلأنه أعلن الكفر فنحن نأخذ حذرنا دائما منه، فلا يلحق بنا ضرر محدودا، أما المنافق فهو قد تظاهر بالإيمان، فآمناه، ويستطيع أن يلحق بنا شرا رهيبا، لأنه بحكم ما أخذه من أمان منا، يعرف أسرارنا ومواطن الضعف فينا، وقد تكون طعنته قاتلة.
والعدو الخفي –كما نعلم- شر من العدو الظاهر، لأننا نكون على حذر من العدو الظاهر، لكننا نأخذ الحذر من العدو الخفي، وهو يعرف ما في نفسي، ويعرف كل تحركات، ويستطيع أن يغدر بي في أي وقت دون أن أكون منتبها لهذا الغدر.
ولذلك إذا أراد قوم أن يكيدوا للإسلام دون أن أسلموا، فكيدهم يفشل، لأنهم على الكفر سيجدون مناعة عند المسلمين من الاستماع إليهم. أما إن احتالوا ودخلوا على الإسلام من داخل المسلمين أنفسهم، فهم يجندون عددا من ضعاف الإيمان ليطعنوا في هذا الدين، وتكون طعنات هؤلاء المسلمين بالاسم، هي القاتلة وهي المؤثرة.
هنا نلاحظ أن قول الحق سبحانه وتعالى : نار جهنم خالدين فيها ولم يقل الحق بالخلود في النار إلا ثلاث مرات فقط في القرآن الكريم. في قوله تعالى : إلا طريق جهنم خالدين فيها أبدا وكان ذلك على الله يسيرا( ١٦٩ ) ( النساء ).
وقوله عز وجل :{ إن الله لعن الكافرين وأعد لهم سعيرا ( ٦٤ ) خالدين فيها أبدا لا يجدون وليا ولا نصيرا( ٦٥ ) ( الأحزاب ).
وقوله جل جلاله : ومن يعص الله ورسوله فإن له نار جهنم خالدين فيه أبدا( ٢٣ ) ( الجن )
ولكنه ذكر الخلود في الجنة أبدا مرات كثيرة١.
ونقول : إن الجنة هي بشرى النعيم للمؤمنين. ويريد الحق سبحانه وتعالى أن يؤنس خلقه بالنعيم الذي ينتظرهم، ولكن بالنسبة للنار فهي دار عذاب، وتأبى رحمة الله وهو الخالق الرحيم بعباده ألا يذكر الخلود في النار متبوعا بكلمة أبدا إلا في ثلاث آيات، حتى لا يظن الكفار أن الله سبحانه وتعالى بقوله : خالدين دون ذكر الأبدية أنه خلود مؤقت في النار، لذلك يذكرهم بأنه خلود أبدي. وفي نفس الوقت تأبى رحمته سبحانه وتعالى أن يكون ذلك في كل آية تذكر فيها النار، حتى يفتح طريق التوبة والرحمة لكل عاص، عله يتوب ويرجع إلى الله.
والحق سبحانه يقول : فأما الذين شقوا ففي النار لهم فيها زفير وشهيق( ١٠٦ ) خالدين فيها مادامتا السماوات والأرض إلا ما شاء ربك إن ربك فعال لما يريد( ١٠٧ ) وأما الذين سعدوا ففي الجنة خالدين فيها مادامت السماوات والأرض إلا ما شاء ربك عطاء غير مجذوذ( ١٠٨ ) ( هود ).
وثار الحديث بين المستشرقين : كيف يقول الحق سبحانه وتعالى عن النار والجنة خالدين فيها أبدا ؟ ثم يأتي في هذه الآيات ويستثنى ويقول : إلا ما شاء ربك والاستثناء وارد على المؤمن والكافر ؟
ونقول : إن الذين يثيرون هذا الاعتراض لم يفهموا القرآن ولا المنهج، فالذين سيدخلون النار قسمان : قسم آمن ولكنه عصى ارتكب سيئات، فيعذب في النار على قدر سيئاته، ثم يخرجه الله من النار إلى الجنة لأنه مؤمن، وقسم آخر كافر أو منافق، الاثنان يدخلان النار، ولكن أولهما-وهو المؤمن- يعذب على قدر سيئاته. والثاني يبقى خالدا فيها لأنه كفر أو نافق.
إذن : فالمؤمن العاصي لا يخلد في النار، ولذلك قال الحق سبحانه وتعالى : إلا ما شاء ربك لأنه لن يبقى في النار إلا بقدر سيئاته، فكأن خلوده في النار من البداية مؤقت وهو لا يبقى خالدا فيها، لأن مشيئة الله سبحانه وتعالى تدركه، فتخرج من النار إلى الجنة.
أما الكافر والمنافق فهما خالدان في النار لا يخرجان منها، فكأن هناك من يدخل النار ولا يكون خلوده فيها أبديا، وهذا هو المؤمن العاصي. وهناك من يدخل النار ويخلد فيها أبدا، وهذا هو الكافر أو المنافق.
وإذا جئنا الجنة، فهناك من سيدخل فيها خالدا أبدا، أي منذ انتهاء الحساب إلى ما لا نهاية. وهذا هو المؤمن الذي غلبت حسناته سيئاته وأدخله الحق الجنة. ولكنه هناك من سيدخل الجنة، ولكن خلوده فيها يكون ناقصا وهو المؤمن العاصي، لأنه سيدخل النار أولا ليجازي بمعاصيه.
إذن : فالمؤمن العاصي خلوده في النار ناقص، لأنه لن يبقى فيها أبدا. وكذلك يفتقد الخلود في الجنة فور انتهاء لحظة الحساب، لأنه لن يدخل فيها بعد الحساب مباشرة، بل سيدخل النار أولا بقدر معاصيه فقول الحق سبحانه وتعالى : إلا ما شاء ربك ينطبق على عصاة المؤمنين الذين سيأخذون حظهم من العذاب أولا على قدر سيئاتهم، ثم بعد ذلك يدخلون الجنة٢.
وقول الحق عن خلود المنافقين في النار : هي حسبهم أي تكفيهم، كأن يكون هناك إنسان شرير وأنت تريد أن تؤدبه، فتقول : هذا حسبه، أي يكفيه هذا، ليتم التأديب المطلوب. كذلك النار، فسبحانه وتعالى يريد أن يلفتنا إلى أنها تكفيهم، أي : أن ما سيعانونه فيها من ألم وعذاب كاف جدا لمجازاتهم على ما فعلوه من سيئات.
ثم يقول الحق : ولعنهم الله أي : طردهم من رحمته ومن طاعته فلا يقبل لهم توبة ولا عودة، لأن مكان التوبة هو الدنيا. وأما ما بعد الموت والآخرة، فلا محل فيهما لتوبة ولا رجوع عن معصية، لأن زمان ذلك قد انتهى. لذلك فالعذاب لمن لم يتب في الدنيا هو عذاب مقيم في الآخرة.
ولهم عذاب مقيم وقد وصف الحق عذاب جهنم مرة بأنه عذاب أليم، ومرة بأنه عذاب مهين، ومرة بأنه عذاب مقيم يريدنا أن نعلم أن كل أنواع العذاب ستصيب أهل جهنم، فإن كان الإنسان متجلدا له كبرياء يتحمل الألم الشديد ولا يظهر ما يعاني، فالعذاب لن يكون أليما فقط، ولكنه مهين أيضا، والهوان هو إيلام النفس، وإن كان ذا كبرياء متجلد فإنه يجر على وجهه ويهان. وبعض الناس قد يتحمل الألم، ولكن لا يتحمل الإهانة التي تصيبه بعذاب نفسي أكثر من العذاب البدني، فقد تأتي لكبير قوم أمام أتباعه، أو لأب وتهينه أمام أولاده، فيكون هذا أكثر إيلاما لنفسه من أن تضربه.
وقول الحق سبحانه وتعالى : عذاب مقيم أي : عذاب دائم، فإن كان أليما يبقى الألم على شدته ولا يخفف أبدا، وإن كان منهيا تبقى الإهانة مستمرة ولا تزول أبدا. وفي كلتا الحالتين هو عذاب فيه إقامة وفيه دوام واستمرار.
٢ قال ابن كثير في تفسيره(٢/٤٦٠):" ذا الذي عليه كثير من العلماء قديما وحديثا في تفسير هذه الآية الكريمة" وقد أضاف الإمام أبو يحيى الأنصاري معنى جميلا في كتابه:"فتح الرحمان بكشف ما يلتبس في القرآن" ص١٩٥ فقال:"هو استثناء من الخلود من عذاب أهل النار، ومن الخلود في نعيم أهل الجنة، لأن أهل النار لا يخلدون في عذابها وحده، بل يعذبون بالزمهرير، وبأنواع أخر من العذاب، وبما هو أشد من ذلك، وهو سخط الله عليهم وأهل الجنة لا يخلدون في نعيمها وحده. بل ينعمون بالرضوان، والنظر إلى وجهه الكريم وغير ذلك"..
تفسير الشعراوي
الشعراوي