ﮋﮌﮍﮎﮏﮐﮑﮒ

فرح المخلفون بمقعدهم خلاف رسول الله وكرهوا أن يجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله وقالوا لا تنفروا في الحر قل نار جهنم أشد حرا لو كانوا يفقهون( ٨١ ) فليضحكوا قليلا وليبكوا كثيرا جزاء بما كانوا يكسبون ( ٨٢ ) فإن رجعك الله إلى طائفة منهم فاستأذنوك للخروج فقل لن تخرجوا معي أبدا ولن تقاتلوا معي عدوا إنكم رضيتم بالقعود أول مرة فاقعدوا مع الخالفين( ٨٣ )
كانت الآيات من أول هذه السورة إلى الآية ٢٨ منها في شأن المؤمنين مع المشركين في القتال بعد فتح مكة واضمحلال دولة الشرك، وجاءت بضع آيات بعدها في شأن المؤمنين مع أهل الكتاب في القتال والجزية مع بيان حالهم في الخروج عن هداية دين أنبيائهم، يتلوها ما كان من إعلان النفير العام لقتال الروم في تبوك من أرض الشام المعروف. وفي الكلام عليها بيان أحوال المنافقين مع المؤمنين من استثقالهم للجهاد، واستئذانهم في التخلف عنه، وظهور أمارات نفاقهم في الأقوال والأفعال، وفضيحتهم فيها، ووعيدهم عليها، وعلى نفاقهم الصادرة عنه، وما كان من ذلك في أثناء السفر والعودة منه. وانتهى ذلك بالآية الثمانين.
وعاد الكلام في هذه الآيات إلى بيان حال الذين تخلفوا عن القتال وظلوا في المدينة، وما يجب من معاملتهم بعد الرجوع إليها، وكل هذا قد نزل في أثناء السفر.
فليضحكوا قليلا وليبكوا كثيرا في هذا الأمر بقلة الضحك وكثرة البكاء وجوه :
أحدها : وهو المختار عندنا أن هذا هو الأجدر بهم، بل الواجب عليهم بحسب ما تقتضيه حالهم، وتستوجبه جريمتهم، لو كانوا يفقهون ما فاتهم بالتخلف والخلاف من أجر، وما سيحملون في الآخرة من وزر، وما يلاقون في الدنيا من خزي وضر، فهو خبر في صيغة أمر، نكتته أنه أمر مبني على واجب مقرر.
ثانيها : أن هذا ما يكون من أمرهم في الدنيا، فلن يطيب لهم فيها عيش بعد أن هتك الوحي أستارهم، وكشف عوارهم، وأمر الرسول والمؤمنون بمعاملتهم بما يقتضيه نفاقهم، وعدم الاعتداد بما يظهرون من إسلامهم.
ثالثها : أن المراد بالضحك القليل ما سيكون منهم في الدنيا بعد الفضيحة، وهو قليل بالنسبة إلى ما كان من ماضيهم مع المؤمنين، وبالنسبة إلى حياتهم في هذه الدنيا، وبالبكاء الكثير ما سيكون منهم في الآخرة، وهو على كل حال إنذار مقابل لما ذكر من فرحهم بالتخلف مثبت أنه فرح عاقبته الحزن والكآبة، والخيبة والندامة، في الدنيا ويوم القيامة.
وفي معنى الآية قوله صلى الله عليه وسلم :( لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلا ولبكيتم كثيرا )(١) متفق عليه ؛ بل رواه الجماعة إلا أبو داود من حديث أنس، ورواه الحاكم من حديث أبي هريرة بلفظ :( لبكيتم كثيراً ولضحكتم قليلا : يظهر النفاق، وترتفع الأمانة، وتقبض الرحمة، ويتهم الأمين، ويؤتمن غير الأمين، أناخ بكم الشُّرُف الجون، الفتن كأمثال الليل المظلم )، الشرف بضمتين جمع شارف وهي الناقة العالية السن، والجون السوداء، أي الفتن الكبيرة المظلمة، فهو تشبيه، وروي بالقاف أي التي تأتي من قبل مشرق المدينة.
وإنما كان الأمر في الآية بمعنى الخبر لأنه إنذار بالجزاء لا تكليف، وقد قيل في فائدة هذا التعبير عن الخبر بالإنشاء أنه يدل على أنه حتم لا يحتمل الصدق والكذب كما هو شأن الخبر لذاته في احتمالهما، لأن الأصل في الأمر أن يكون للإيجاب وهو حتم. ويمكن أن يقال : إن الأمر بما ذكر يتضمن الإخبار بسببه، فيكون مؤكداً للخبر ببناء الحكم عليه، ويقابله التعبير عن الأمر بصيغة الخبر للتفاؤل بمضمونه كأنه وقع بالفعل.
وقال بعضهم : إن الأمر هنا للتكوين، كقوله تعالى : اقرأ باسم ربك [ العلق : ١ ]، أي كن قارئاً بعد إذ كنت أمياً باسم الله مبلغاً عنه، ثم وصف ربه بما يدل على قدرته على جعل الأمي قارئا بأنه خلق كل شيء وخلق الإنسان من علق، فجعله بعد ذلك سميعاً بصيراً وعلم الإنسان بالقلم، علمه ما لم يعلم، فكما فعل ذلك كله يجعلك قارئاً باسمه عز وجل. والمعنى على هذا : فليكونوا بقدرتنا وتقديرنا قليلي الضحك كثيري البكاء، لأن سبب سرورهم وفرحهم بتخلفهم ونفاقهم قد زال، وأعقبهم الفضيحة والنكال، ويؤيد كونه تكويناً قدريا، لا تكليفاً شرعياً، جعله عقاباً جزائياً لهم على عملهم بقوله : جزاء بما كانوا يكسبون فإن جزاء كل عمل من جنسه، وكما يدين المرء يدان.

١ - روي الحديث بطرق وأسانيد متعددة، أخرجه البخاري في الكسوف باب٢، وتفسير سورة ٥، باب ١٢، والنكاح باب ١٠٧، والرقاق باب٢٧، والأيمان باب ٣، ومسلم في الصلاة حديث ١١٢، والكسوف حديث ١، والفضائل حديث ١٣٤، والنسائي في السهو باب ١٠٢، والكسوف باب١١، ٢٣، والترمذي في الزهد باب ٩، وابن ماجه في الزهد باب ١٩، والدارمي في الرقاق باب ٢٦، ومالك في الكسوف حديث ١، وأحمد في المسند ٢/ ٢٥٧، ٣١٣، ٤١٨، ٤٣٢، ٤٥٣، ٤٦٧، ٤٧٧، ٥٠٢، ٣/ ١٠٢، ١٢٦، ١٥٤، ١٨٠، ١٩٣، ٢١٠، ٢١٧، ٢٤٠، ٢٤٥، ٢٥١، ٢٦٨، ٢٩٠، ٥/ ١٧٣، ٦/ ٨١، ١٦٤..

تفسير المنار

عرض الكتاب
المؤلف

رشيد رضا

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير