ﮋﮌﮍﮎﮏﮐﮑﮒ

والضحك هو انفعال(١) غريزي فطري، يحدث للإنسان عندما يقابل شيئا يسره، أو أحداثا يجد فيها مفارقة لم يكن يتوقعها. أما البكاء فهو انفعال غريزي أيضا تجاه تدخل الحزن أو الشجن، وهو تذكر ما يحزن بالنسبة للإنسان كلتاهما ظاهرتان فطريتان، أي أنهما تحدثان بفطرة بشرية واحدة بالنسبة للناس جميعا، ولا دخل فيها للجنس أو اللون أو البيئة، فلا يوجد بكاء روسي وبكاء أمريكي، أو ضحك روسي وضحك إنجليزي، أو ضحك شرقي وضحك غربي. ذلك أن الضحك والبكاء انفعال طبيعي موحد لا تؤثر فيه البيئة ولا الثقافة ولا الجنس وقد أسنده الحق تبارك وتعالى وحده هو الذي يحيي، وهو سبحانه وحده الذي يميت. فهو سبحانه وحده الذي يضحك، وهو سبحانه وحده الذي يبكي. مصداقا لقوله تعالى :
وأنه هو أضحك وأبكى( ٤٣ ) وأنه هو أمات وأحيا( ٤٤ ) وأنه خلق الزوجين الذكر والأنثى( ٤٥ ) ( النجم ).
ولذلك فالضحك والبكاء يأتيان بلا مقدمات، لا أقول لنفسي : سأضحك الآن فأضحك، ولا أقولك سأبكي الآن فأبكي، لأن هذا انفعال غريزي لا دخل للإرادة ولا للاختيار في. ولكننا أحيانا نلجأ إلى التضاحك أو إلى التباكي وهو مجرد ادعاء بلا حقيقة. ويكون ظاهرا فيه الافتعال. فحين يروي لك إنسان نكتة سخيفة، والمفروض أنه قالها لتضحك، لكنها لا تضحك، وفي نفس الوقت أنت تريد أن تجامله فتفتعل الضحك، أي تضحك بافتعال. وكذلك البكاء فيه افتعال أيضا مثل بكاء النادبة التي تجلس وسط أهل الميت وتبكي. وقد تضع بعض نقط الجلسرين في عينيها لتفتعل الدموع، وهذا كله افتعال. وأما الضحك والبكاء الحقيقي، فأمران بالفطرة يملكها الله سبحانه وتعالى وحده.
وقول الحق سبحانه وتعالى : فليضحكوا قليلا وليبكوا كثيرا جاء بعد قوله : فرح المخلفون بمقعدهم خلاف رسول الله أي : أنهم فرحوا عندما بقوا هم في المدينة، وخرج المؤمنون للجهاد. جلسوا في حدائق المدينة وهم فرحون في راحة وسرور يضحكون، لأنهم يعتقدون أنهم قد فازوا بعدم اشتراكهم في الجهاد. ولكن هذا الضحك هو لفترة قليلة. وسيأتي بعدها بكاء وندم لفترة طويلة وأبدية، عندما يدخلون جهنم والعياذ بالله.
ونلحظ أن الحق سبحانه وتعالى قال : فليضحكوا قليلا وليبكوا كثيرا ولم يقل : سيضحكون قليلا وسيبكون كثيرا، لماذا ؟.
ونقول : عندما يسند الفعل إلى المخلوق الذي يعيش في عالم الأغيار، والمختار في عدد من أفعاله، يحتمل أن يحدث أو يجوز ألا يحدث. ولكن الحق سبحانه وتعالى حين يقول : فليضحكوا أي : أمر بالضحك، ثم يجيء في البكاء ويقول : وليبكوا أي : ابكوا، والأمر بالضحك والبكاء هو أمر اختياري من الله سبحانه وتعالى، تجوز فيه الطاعة وتجوز فيه المعصية ؟.
إذا كان كذلك، فهل سيطيع المنافقون أمرا اختياريا لله ؟ ونقول : إن ذلك أمر غير اختياري، لأن الحق سبحانه هو وحده الذي يضع في النفس البشرية انفعال الضحك أو انفعال البكاء للأحداث. وكما بينا فإن الإنسان لا يستطيع الانفعال بالضحك أو البكاء.
والحق سبحانه يقول : فليضحكوا قليلا معناها : أن انفعال الضحك قضاء عليم لا بد أن يحدث. وإذا قال الحق سبحانه وتعالى : وليبكوا كثيرا فلا بد أن يبكوا، لأن انفعال البكاء مكتوب عليهم من الله، وكما يقولون : إن الذي يضحك أخيرا يضحك كثيرا، وكذلك الذي يبكي أخيرا يبكي كثيرا.
إذن : فالأمور كلها مرهونة بالخاتمة. فقد يأتي الإنسان حادث يسرهن ثم تأتيه ساعة بؤس تمحوا هذا السرور كله، والعكس صحيح. وإذا كان هؤلاء المنافقون قد ضحكوا قليلا في الدنيا. فعمر كل منهم في الدنيا قليل، لأنه حتى وإن عاش في الدنيا ضاحكا طوال عمره فكم سيضحك ؟ أربعين ؟ خمسين سنة ؟.
إن كلا منا له في الدنيا مدة محدودة، فأنت إذا نسيت الحدث إلى الدنيا على إطلاقها فهو قليل. وإذا نسبته إلى عمرك في الدنيا فهو أقل القليل، ثم تأتي الآخرة بالخلود الطويل الذي لا ينتهي، ويكون بكاء المنافق فيه طويلا طويلا.
ولذلك فلا بد لكل إنسان أن يضع مع المعصية عقوبتها، ومع الطاعة ثوابها ؛ لأن الإنسان قد يرتكب المعصية لإرضاء شهوات نفسه، وساعة ارتكاب المعصية فهو لا يستحضر العقوبة عليها، ولو أنه استحضر العقوبة لامتنع عن المعصية. فالسارق لو استحضر ساعة قيامه بالسرقة، أنه قد يضبط، وقد يحاكم وتقطع يده، لو تأكد من هذا فلن يسرق أبدا. ولكنه يقوم بالسرقة لأنه يعتقد أنه سيفلت من العقاب. وما من لص خطط لسرقة وفي باله أنه سيضبط، بل يكون متأكدا أنه سيسرق ويفلت.
ولذلك قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :{ لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن، ولا يسرق السارق وهو مؤمن " (٢).
لأنه ساعة يزني لو تخيل أو تأكد أنه سيلقى في النار جزاء ما فعل، فلن يقدم على الزنا أبدا، وكذلك شارب الخمر لا يمكن أن يضع الكأس في فمه. إذا تخيل النار وهو يعذب فيها. ولكن الغفلة عن الإيمان تحدث لحظة ارتكاب المعصية ؛ لأن الإيمان يقتضي أن تستحضر العقوبة ساعة تقدم على المعصية، وأن تعلم يقينا أن كل ما تفعله ستحاسب عليه في الآخرة، وسيكون هناك جزاء.
فإذا ضحكت من مطلوبات الإيمان فلا بد أن تبكي في الآخرة. فإن فرحت -مثلا- بترك الصلاة أو الزكاة واعتقدت أنك قد غنمت في الدنيا، فلا بد أن تندم ويصيبك الغم في الآخرة. وإذا تنعمت بمال حرام فلا بد أن تعذب به في الآخرة. والحق سبحانه يقول :
إن الذين أجرموا كانوا من الذين آمنوا يضحكون( ٢٩ ) وإذا مروا بهم يتغامزون( ٣٠ ) وإذا انقلبوا إلى أهلهم انقلبوا فكهين( ٣١ ) ( المطففين ).
هكذا يعطينا الله عدة صور من السخرية التي يتعرض لها المؤمنين في الدنيا، وأولى هذه الصور هي ضحك المنافقين والكفار من المؤمنين، كأن يقول أحدهم لإنسان مؤمن يقوم الصلاة : خذنا على جناحك في الآخرة. ثم بعد ذلك يأتي الغمز واللمز، ثم ذهب المنافق إلى أهله أخذ يسخر من الطائعين ويقول :
لقد فعلت كذا وكذا لإنسان متدين. وسخرت منه ولم يستطع أن يرد. ويشعر بالسرور وهو يحكي القصة فرحا بما عمل. وينسى أنه قد ارتكب ثلاثة جرائم : جريمة العمل، وجريمة الفرح بالعمل، وجريمة الإخبار بالعمل، فلو أنه سخر من المؤمن، ثم ندم بعد ذلك، ربما كانت عقوبته هينة. ولكن ما دام قد فرح بذلك تكون له عقوبة أكبر، فإذا انقلب إلى أهله يروي لهم ما حدث، وهو فخور ومسرور تكون عقوبته ثالثة.
وليتهم توقفوا عند ذلك بل اتهموا المؤمنين بالضلال، مصداقا لقوله تعالى :
{ وإذا رأوهم قالوا إن هؤلاء لضالون( ٣٢ ) وما أرسلوا عليهم حافظين( ٣٣ ) ( المطففين )
أي : أنهم زادوا على كل هذا باتهام المؤمنين بالضلال. هذا ما صنعوه في الدنيا. وهي فانية وعمرها قليل. ثم يأتي سبحانه وتعالى بالمقابل في الآخرة، فيقول :{ فاليوم الذين آمنوا من الكفار يضحكون( ٣٤ ) على الأرائك ينظرون( ٣٥ ) هل ثوب الكفار ما كانوا يفعلون( ٣٦ ) ( المطففين ).
فكما ضحك الكفار من المؤمنين في الدنيا ؛ سيضحك المؤمنون من الكفار في الآخرة، وسيجلس المؤمنون على الأرائك في الجنة وهو ينظرون إلى الكفار وهم يعذبون في النار، أي : أن الله جزاهم بمثل عملهم مع الفارق بين قدراتهم المحدودة وقدرات -سبحانه-التي لا حدود لها.
ولم يقول الحق سبحانه وتعالى : " سيضحكون " ككلام خبري، يجوز أن يحدث أو لا يحدث، بل جاء به مؤكدا. وقوله هنا في المنافقين فليضحكوا . يعني : أن الضحك لا بد أن يحدث ؛ لأن هذا الكلام من الله سبحانه وتعالى. فقول الحق سبحانه وتعالى : فليضحكوا قليلا وليبكوا كثيرا جزاء بما كانوا يكسبون يعطينا العلة أو السبب في أن ضحكهم سيكون قليلا، وبكاءهم سيكون كثيرا ؛ لأن هذا جزاء ما فعلوه في الدنيا. لقد فرحوا بالفرار من الجهاد. وسرّوا بالراحة في المدينة، فلا بد أن يلاقوا في الآخرة جزاءهم عن هذا العمل، كمال سيثاب المؤمنون على ذهابهم للجهاد في الحرّ.
إذن : فالحق سبحانه لم يظلمهم، بل أعطاهم جزاء ما عملوه. كما قال : جزاء بما كانوا يكسبون وكلمة يكسبون هنا لها ملحظ لا بد أن نبينه، فقد كان من الممكن أن يقال " جزاء ما كانوا يعملون " أو " جزاء ما كانوا يفعلون " فلماذا جاء الحق ب يكسبون ، وما الفرق بينها وبين " ما يفعلون " و " ما يعملون " ؟.
نعلم أن لكل جارحة من جوارح الإنسان مجال عمل، فالأذن تسمع، والعين ترى، واليد تمسك، والقدم تمشي، والأنف يشم، والأنامل تلمس. إذن : فكل عضو له مهمة. فإن كانت المهمة هي النطق باللسان نسميها القول. وإن كانت مهمة من مهام باقي الجوارح عدى اللسان نسميها الفعل. فاللسان وحده أخذ القول، وكل الجوارح أخذت الفعل. والقول والفعل معا نسميهما عملا.
فإذا قال الحق سبحانه وتعالى :" يفعلون " يكون ذلك مقابل يقولون ؛ لأن الإنسان قد يقول بلسانه ولا يفعل بجوارحه. وتوضح ذلك للآية الكريمة : يا أيها الذين آمنوا لم تقولون ما لا تفعلون( ٢ ) كبر مقتا عند الله أن تقولوا ما لا تفعلون( ٣ ) ( الصف }، ولكن إذا اتحد القول والفعل يكون هناك عمل. وكل شيء لا يتسق منطقيا مع قيم المنهج يكون فيه افتعال، فالكسب عمل، والاكتساب افتعال الكسب، لأن الكسب عمل طبيعي، الاكتساب افتعال الكسب، وسبحانه يقول :{ لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت... ( ٢٨٦ ) ( البقرة )لأن الاكتساب بالحرام فيه افتعال يتعب النفس، ولا يجعلها منسجمة مع جوارحها، فالرجل مع زوجته في البيت مستقر الجوارح لا يخشى شيئا. لكنه مع زوجة غيره يهيج جوارحه ؛ فيقفل النوافذ ويطفئ الأنوار. وإن دق جرس الباب يصاب بالذعر والهلع ؛ لأن ملكات النفس ليست منسجمة مع العمل.
أما إذا اعتادت النفس الإثم مثل من اعتاد الإجرام، فلا يهيجها الحرام. وفي هذه الحالة تنقلب عملية الاكتساب إلى كسب، وتعتاد النفس على المعصية وعلى الإثم، ويصبح جزاؤها عند الله أليما وعذابها عظيما.
ويقول الحق سبحانه في هذه الآية : جزاء بما كانوا يكسبون وكان مقتضى الكلام أن يقال :" جزاء بما كانوا يكتسبون " لأن هذه العملية فيها إثم وفيها معصية، فلا بد أن يكون افتعال، ولكن الحق سبحانه وتعالى يلفتنا إلى أن هؤلاء المنافقين قد اعتادوا المعصية، وعاشوا في الكفر، فأصبحت العملية سهلة بالنسبة لهم، ولا تحتاج منهم أي افتعال.
واقرأ قول الحق : والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهم جزاء بما كسبا نكالا من الله... ( ٣٨ ) ( المائدة )، والسرقة ليست أمرا طبيعيا، لذلك يقوم بها السارق خفية ويبيت لها ويفتعل ؛ ولذلك كان من المنطقي أن يقال " اكتسبوا " لكن شاء الحق أن نعرف أن السرقة قد أصبحت في دم هؤلاء، ومن كثرة ما ارتكبوا فهي بالنسبة لهم عملية آلية سهلة. وقد وضع التشريع لها نطاقا وهو ربع دينار مثلا(٣). والذي يسرق دون هذا النطاق لا يطبق عليه حد قطع اليد. لماذا ؟ لأن ربع الدينار في ذلك الوقت كان يكفي لقوت أسرة متوسطة العدد لمدة يوم واحد. فإذا سرق أي إنسان ما يكفي قوت أسرة لمدة يوم واحد، يقال : ربما فعلها لأن أسرته لا تجد ما تأكله، فإذا أخذ أكثر من الضرورة، يكون قد أخذ أكثر مما يحتاج إليه، وتكون السرقة قد حدثت ويقام عليه الحد(٤).
ونحن نعلم أن العقل البشري وظيفته الاختيا

١ هناك فرق بين الانفعال والافتعال، لأن الانفعال فطرة والافتعال صنعة، فالانفعال الذي يظهر على وجه الإنسان سواء كان سرورا أو حزنا أو اهتماما بشيء هو أمر غريزي فطره الله عليه استجابة لمؤثرات خارجية، أما الافتعال فهو اصطناع الانفعال كأن يتكلف السرور في مقام لا يقتضي هذا..
٢ متفق عليه. أخرجه البخاري في صحيحه(٢٤٧٥) ومسلم في صحيحه (٥٧)..
٣ عن عائشة رضي الله عنها قالت:"كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقطع السارق في ربع دينار فصاعدا" أخرجه مسلم(١٦٨٤) وأحمد(٦/٣٦) والترمذي (١٤٤٠) وقال: حسن صحيح..
٤ السرقة نوعان: نوع يوجب التعزير، ونوع يوجب الحد. فالذي يوجب التعزير هي التي لم تتوفر فيها شروط إقامة الحد، مثل سارق الثمار على الشجر، أما التي يجب فيها الحد فهي التي توفر فيها ثلاثة شروط:
١- أخذ مال الغير لا يقل عن ربع دينار.
٢- أن يكون هذا المال في حرز كخزينة أو بيت أو مسجد.
٣- أن تتم السرقة على هيئة الاختفاء والاستتار. وبهذا لا يعتبر المتنهب أو المختلس أو الخائن (أي: النصاب) سارقا يجب فيه قطع اليد. وإذا ثبتت جريمة السرقة بكل هذه الشروط فتقطع يد السارق اليمنى من مفصل الكفن فإذا سرق ثانيا تقطع رجله. انظر تفاصيل إقامة هذا الحد في فقه السنة للشيخ سيد سابق (٢/٤٦١-٤٧٦)..

تفسير الشعراوي

عرض الكتاب
المؤلف

الشعراوي

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير