والليلِ إِذا يغشاها أي : يستر الشمس ويُظْلِمُ الآفاق، والواو الأولى في هذه الأشياء للقسم باتفاق، وكذا الثانية عند البعض، وعند الخليل : الثانية للعطف ؛ لأنَّ إدخال القسم على القسم قبل تمام الأول لا يجوز، ألا ترى : أنك لو جعلت موضعها كلمة الفاء أو " ثم " لكان المعنى على حاله، وهما حرفا عطف، وكذا الواو، ومَن قال : إنها للقسَمَ احتجّ بأنها لو كانت للعطف لكان عطفاً على عاملين، لأنَّ قوله : وَالْلَّيْلِ [ الليل : ١ ] مثلاً مجرور بواو القسم، إِذا يغشى منصوب بالفعل المقدّر الذي هو أقسم، فلو جعلت الواو التي في وَالنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّى [ الليل : ٢ ] للعطف لكان النهار معطوفاً على الليل جرًّا، و إذا تجلى معطوفاً على " يغشى " نصباً، وكان كقولك : إنَّ في الدار زيداً، والحُجرة عَمْراً، وأجيب بأنّ واو القسم تنزّلت منزلة الباء والفعل، حتى لم يجز إبراز الفعل معها، فصار كأنها العاملة جرًّا ونصباً، وصارت كعاملٍ واحد له معمولان، وكلُّ عامل له عملان يجوز أن يعطف على معموليه بعاطف واحدٍ بالاتفاق، نحو : ضرب زيدٌ عمراً وأبو بكر خالداً، فترفع بالواو وتنصب لقيامها مقام العامل.
قال القشيري : فألهمها فجورها وتقواها : بأن خَذَلَها ووَفَّقَها، ويقال : فجورها : حركتها في طلب الرزق، وتقواها : سكونها لحُكْم التقدير. ثم قال : ويُقال : أفلح مَن طهَّرها من الذنوب والعيوب، ثم عن الأطماع في الأَعواض، ثم العبد نفسه عن الاعتراض على الأنام، وعن ارتكاب الحرام، وقد خاب مَن خان نفسه وأهملها عن المراعاة، ودسَّها بالمخالفات، وفي نوادر الأصول ما حاصله : أنَّ دسّاها بمنزلة مَن دسّ شيئاً في كوة، يمنع من دخول الضوء، كذلك الهوى والشهوة سدّ وغلّق على القلب من حصول ضوء القربة والوصلة. هـ.
البحر المديد في تفسير القرآن المجيد
أبو العباس أحمد بن محمد بن المهدي بن عجيبة الحسني الأنجري الفاسي الصوفي