قد أعذر من أنذر
[سورة الليل (٩٢) : الآيات ١٢ الى ٢١]
إِنَّ عَلَيْنا لَلْهُدى (١٢) وَإِنَّ لَنا لَلْآخِرَةَ وَالْأُولى (١٣) فَأَنْذَرْتُكُمْ ناراً تَلَظَّى (١٤) لا يَصْلاها إِلاَّ الْأَشْقَى (١٥) الَّذِي كَذَّبَ وَتَوَلَّى (١٦)
وَسَيُجَنَّبُهَا الْأَتْقَى (١٧) الَّذِي يُؤْتِي مالَهُ يَتَزَكَّى (١٨) وَما لِأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزى (١٩) إِلاَّ ابْتِغاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الْأَعْلى (٢٠) وَلَسَوْفَ يَرْضى (٢١)
الإعراب:
يَتَزَكَّى بدل من يُؤْتِي أو حال من فاعله.
إِلَّا ابْتِغاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الْأَعْلى ابْتِغاءَ منصوب لأنه استثناء منقطع، وهو قول أكثر النحويين لأن الابتغاء ليس من جنس النعمة، أي لكن ابتغاء.
البلاغة:
الْأَشْقَى والْأَتْقَى بينهما طباق.
لا يَصْلاها إِلَّا الْأَشْقَى وَسَيُجَنَّبُهَا الْأَتْقَى سجع رصين غير متكلف.
المفردات اللغوية:
إِنَّ عَلَيْنا لَلْهُدى علينا الإرشاد إلى الحق، بموجب قضائنا، أو بمقتضى حكمتنا. وَإِنَّ لَنا لَلْآخِرَةَ وَالْأُولى أي للَّه الآخرة والدنيا، نعطي ما نشاء لمن نشاء، فمن طلبهما من غيرنا فقد أخطأ، ولا يضرنا ترك الاهتداء. فَأَنْذَرْتُكُمْ خوفتكم. تَلَظَّى تتلظى أي تتوقد وتتلهب. لا يَصْلاها لا يدخلها ولا يحترق بها إلى الأبد. إِلَّا الْأَشْقَى الشقي الكافر كأبي جهل وأمية بن خلف، أما الفاسق وإن دخلها فلا يلزمها.
كَذَّبَ كذب النبي فيما جاء به. وَتَوَلَّى أعرض عن الإيمان والطاعة لربه.
وَسَيُجَنَّبُهَا يبعد عنها. الْأَتْقَى التقي الذي اتقى الكفر والمعاصي. يَتَزَكَّى يتطهر بأن يخرجه للَّه تعالى، لا رياء ولا سمعة، فيكون زاكيا عند اللَّه. تُجْزى تكافأ وتجازى.
إِلَّا لكن فعل ذلك. ابْتِغاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الْأَعْلى أي طلب ثواب اللَّه. وَلَسَوْفَ يَرْضى بما يعطاه من الثواب في الجنة. والآية تشمل كل من فعل مثل هذا، فيبعد عن النار ويثاب.
سبب النزول:
نزول الآية (١٧) :
وَسَيُجَنَّبُهَا..: أخرج ابن أبي حاتم عن عروة: أن أبا بكر الصديق أعتق سبعة، كلهم يعذب في اللَّه، وفيه نزلت: وَسَيُجَنَّبُهَا الْأَتْقَى إلى آخر السورة.
نزول الآية (١٩) :
وَما لِأَحَدٍ..:
روى عطاء عن ابن عباس قال: إن بلالا لما أسلّم، ذهب إلى الأصنام فسلح عليها، وكان عبدا لعبد اللَّه بن جدعان، فشكا إليه المشركون ما فعل، فوهبه لهم، ومائة من الإبل ينحرونها لآلهتهم، فأخذوه وجعلوا يعذبونه في الرمضاء، وهو يقول: أحد فمرّ به رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلّم فقال: ينجيك أحد أحد. ثم أخبر رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلّم أبا بكر: أن بلالا يعذّب في اللَّه، فحمل أبو بكر رطلا من ذهب، فابتاعه به.
فقال المشركون: ما فعل أبو بكر ذلك إلا ليد كانت لبلال عنده، فأنزل اللَّه تعالى: وَما لِأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزى إِلَّا ابْتِغاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الْأَعْلى «١».
وأخرج البزار عن ابن الزبير قال: نزلت هذه الآية: وَما لِأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزى.. إلى آخرها، في أبي بكر الصديق.
المناسبة:
بعد أن عرّف اللَّه تعالى أن سعي الناس شتى في العواقب، وبيّن ما للمحسن من اليسرى وما للمسيء من العسرى، أخبر أنه قد قام بما عليه من البيان والدلالة، والترغيب والترهيب، والإرشاد والهداية، وأعلم أنه مالك الدنيا
والآخرة، ولا يزيد في ملكه اهتداء الناس، ولا يضره ترك اهتداءهم بهداه، ويعطي ما يشاء لمن يشاء، فتطلب سعادة الدارين منه.
ثم أنذر الناس جميعا بعذاب النار، وأبان من يصلاها ويحترق بها، ومن يبعد عنها ويسلّم من عذابها، وقد أعذر من أنذر.
التفسير والبيان:
إِنَّ عَلَيْنا لَلْهُدى أي علينا أن نبين طريق الهدى من طريق الضلال، والحلال من الحرام، والحق من الباطل، والخير من الشر، من طريق الأنبياء وإنزال الكتب التي فيها تشريع الأحكام، وتبيان العقائد والعبادات والأخلاق وأنظمة المعاملات.
وَإِنَّ لَنا لَلْآخِرَةَ وَالْأُولى أي لنا كل ما في الآخرة، وكل ما في الدنيا، نتصرف به كيف نشاء، فمن أراد شيئا من الدارين، فليطلبه منا، نهب ونعطي ما نشاء لمن نشاء، ولا يضرنا ترك الاهتداء بهدانا، ولا يزيد في ملكنا اهتداؤهم، بل نفع ذلك وضره عائدان عليكم أيها الناس. ومن ملك الدنيا والآخرة وكان هو المتصرف فيهما، كان هديه وشرعه هو الذي يجب اتباعه.
ثم حذر من سلوك طريق النار، فقال:
فَأَنْذَرْتُكُمْ ناراً تَلَظَّى، لا يَصْلاها إِلَّا الْأَشْقَى، الَّذِي كَذَّبَ وَتَوَلَّى أي لقد خوفتكم نارا عظيمة شديدة تتوهج وتتلهب، لا يدخلها ويذوق حرها إلا الكافر الذي كذب الحق الذي جاءت به الرسل، وكذب رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلّم فيما جاء به عن ربه، وأعرض عن الإيمان باللَّه واتباع شرائعه وأحكامه، وطاعة أوامره.
وأبان سبيل النجاة من النار، فقال:
وَسَيُجَنَّبُهَا الْأَتْقَى، الَّذِي يُؤْتِي مالَهُ يَتَزَكَّى أي وسيباعد عن النار
المتقي للكفر والمعاصي اتقاء بالغا، قال الواحدي كما مر: الأتقى أبو بكر الصديق في قول جميع المفسرين، أي إنها نزلت فيه، وإلا فحكمها عام.
وهذا الأتقى هو الذي ينفق ماله ويعطيه في وجوه الخير، طالبا أن يكون عند اللَّه زكيا متطهرا نقيا من الذنوب، لا يريد بذلك رياء ولا سمعة، ولا مديحا وثناء من الناس.
روى الإمام أحمد والبخاري عن النعمان بن بشير قال: سمعت رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يقول: «إن أهون أهل النار عذابا يوم القيامة: رجل توضع في أخمص قدميه جمرتان يغلي منهما دماغه».
وروى مسلم الحديث بلفظ آخر: «إن أهون أهل النار عذابا: من له نعلان وشراكان من نار يغلي منهما دماغه، كما يغلي المرجل، ما يريد أن أحدا أشد منه عذابا، وإنه لأهونهم عذابا».
وروى أحمد عن أبي هريرة قال: قال رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلّم: «لا يدخل النار إلا شقي، قيل: ومن الشقي؟ قال: الذي لا يعمل بطاعة ولا يترك للَّه معصية».
وروى أحمد أيضا والبخاري عن أبي هريرة قال: قال رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلّم: «كل أمتي تدخل الجنة يوم القيامة إلا من أبى، قالوا: ومن يأبى يا رسول اللَّه؟
قال: من أطاعني دخل الجنة، ومن عصاني فقد أبى».
ثم ذكر صفة الإخلاص في العمل، فقال:
وَما لِأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزى إِلَّا ابْتِغاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الْأَعْلى، وَلَسَوْفَ يَرْضى» أي لا يتصدق بماله مقابل نعمة لأحد من الناس عليه، يكافئه عليها، وإنما يريد بذلك طلب رضوان اللَّه ومثوبته، لا لمكافأة نعمة، وتاللَّه لسوف يرضى بما نعطيه من الكرامة والجزاء العظيم.
جاء في الصحيحين أن رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلّم قال: «من أنفق زوجين في سبيل اللَّه، دعته خزنة الجنة: يا عبد اللَّه هذا خير، فقال أبو بكر: يا رسول اللَّه، ما على من يدعى منها ضرورة، فهل يدعى منها كلها أحد؟ قال: نعم وأرجو أن تكون منهم».
فقه الحياة أو الأحكام:
دلت الآيات على ما يأتي:
١- اقتضت حكمة اللَّه تعالى ورحمته بعباده أن يبين لهم كل ما هو رشاد وهداية موصلة إلى جنته ورضاه، وقد تعهد اللَّه عز وجل بذلك لبيان أحكام الحلال والحرام، والطاعة والمعصية.
٢- للَّه تعالى ملك الدنيا والآخرة، وهو المتصرف فيهما، ومانح ثوابهما، يعطي ما يشاء لمن يشاء، فمن طلبهما من غير مالكهما ومن غير المتصرف فيهما، فقد أخطأ الطريق. ولا يضره عصيان العاصين، ولا ينفعه طاعة المطيعين، وإنما يعود ضره أو نفعه إليهم.
٣- حذر اللَّه تعالى بعد هذه البيانات الوافية من نار جهنم التي تتوهج وتتوقد، ولا يجد صلاها وهو حرها على الدوام إلا الشقي الكافر الذي كذّب نبي اللَّه محمدا صلّى اللَّه عليه وسلّم، وأعرض عن الإيمان.
٤- سيكون بعيدا من النار المتقي المعاصي، الخائف من عذاب اللَّه، وصفة الأتقى أو المتقي: هو الذي يعطي ماله طالبا أن يكون عند اللَّه زاكيا طاهرا متطهرا من الآثام والذنوب، لا يطلب بذلك رياء ولا سمعة، ولا مكافأة لأحد، بل يتصدق به مبتغيا به وجه اللَّه تعالى، قاصدا ثوابه ورضاه، ولسوف يرضى عن اللَّه، ويرضى اللَّه عنه، فيكون راضيا مرضيا. وهو وعد كريم من رب رحيم.
والخلاصة: أن كلا من الأتقى والأشقى يشمل قسمين، فالأتقى: يشمل المؤمن البار الذي ابتعد عن الفواحش كلها، والمؤمن الذي يذنب أحيانا فيتوب ويندم، وثواب كل منهما الجنة.
والأشقى: يشمل الكافر الجاحد باللَّه وبرسله وبما أنزل عليه، والمسلم الذي آمن في قلبه باللَّه ورسله، ولكنه يصر على بعض المعاصي والسيئات ولا يتوب منها، وهذا دليل على نقص تصديقه، بدليل
قوله صلّى اللَّه عليه وسلّم فيما أخرجه ابن ماجه: «لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن، ولا يسرق السارق حين يسرق وهو مؤمن».
والأول مخلّد في النار، والثاني معذب فيها على وفق مشيئة اللَّه، ثم يخرج إلى الجنة. وأما صفة الأتقى والأشقى فهو كلام وارد على سبيل المبالغة.
قال الزمخشري: الآية واردة في الموازنة بين حالتي عظيم من المشركين، وعظيم من المؤمنين، فأريد أن يبالغ في صفتيهما المتناقضتين، فقيل:
الْأَشْقَى وجعل مختصا بالصلي، كأن النار لم تخلق إلا له، وقيل:
الْأَتْقَى وجعل مختصا بالنجاة، كأن الجنة لم تخلق إلا له. وقيل: هما أبو جهل أو أمية بن خلف، وأبو بكر رضي اللَّه عنه «١».
أخرج الإمام أحمد وابن ماجه وابن مردويه عن أبي هريرة قال: قال رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلّم: «لا يدخل النار إلا من شقي، قيل: ومن الشقي؟ قال:
الذي لا يعمل للَّه تعالى طاعة، ولا يترك للَّه تعالى معصية».
بسم الله الرحمن الرحيم
سورة الضحىمكيّة، وهي إحدى عشرة آية.
تسميتها:
سميت سورة الضحى تسمية لها باسم فاتحتها، حيث أقسم اللَّه بالضحى:
وهو صدر النهار حين ترتفع الشمس، تنويها بهذا الوقت المهم الذي هو نور، ولأنها نزلت في شأن النبي صلّى اللَّه عليه وسلّم، فافتتحت بالضحى. ولما كانت سورة الليل نازلة في بخيل، افتتحت بالليل.
مناسبتها لما قبلها:
هذه السورة متصلة بسورة الليل من وجهين:
١- ختمت سورة الليل بوعد كريم من اللَّه تعالى بإرضاء الأتقى في الآخرة، وقال تعالى في سورة الضحى مؤكدا وعده لنبيه صلّى اللَّه عليه وسلّم بقوله: وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضى.
٢- ذكر تعالى في السورة السابقة: وَسَيُجَنَّبُهَا الْأَتْقَى ثم عدد اللَّه تعالى نعمه على سيد الأتقياء في هذه السورة وهو محمد صلّى اللَّه عليه وسلّم.
ما اشتملت عليه السورة:
موضوع سورة الضحى المكية الحديث عن شخصية النبي صلّى اللَّه عليه وسلّم. وقد تضمنت أربعة مقاصد: صفحة رقم 279
١- ابتدأت بالقسم الإلهي العظيم على أن اللَّه عز وجل ما قلا رسوله ولا أبغضه، ولا هجره ولا تركه، وإنما هو محل العناية الربانية، وهو عظيم القدر عند اللَّه تعالى: وَالضُّحى وَاللَّيْلِ إِذا سَجى... [الآيات: ١- ٤].
٢- بشّره ربه بالعطاء الجمّ في الآخرة ومنه الشفاعة العظمى: وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضى [٥].
٣- عددت نعم اللَّه على نبيه منذ صغره: أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيماً فَآوى...
[الآيات: ٦- ٨].
٤- ختمت بإيصائه بفضائل ثلاث: العطف على اليتيم، وصلة المسكين، وشكر النعمة العظمى وهي النبوة وغيرها من هذه النعم المذكورة: فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلا تَقْهَرْ، وَأَمَّا السَّائِلَ فَلا تَنْهَرْ، وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ [٩- ١١].
فضلها:
ثبت عن الإمام الشافعي أنه يسن التكبير بأن يقول «اللَّه أكبر» أو «اللَّه أكبر، لا إله إلا اللَّه، واللَّه أكبر» عقب قراءة سورة والضحى وخاتمة كل سورة بعدها.
وذكر القراء في مناسبة التكبير: أنه لما تأخر الوحي عن رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلّم وفتر مدة، ثم جاء الملك، فأوحى إليه: وَالضُّحى، وَاللَّيْلِ إِذا سَجى السورة بتمامها، كبّر فرحا وسرورا.
قال ابن كثير: ولم يرو ذلك بإسناد يحكم عليه بصحة ولا ضعف.
التفسير المنير
وهبة بن مصطفى الزحيلي الدمشقي