ﮨﮩﮪﮫﮬ

علَّم الإنسان ما لم يعلم ٥ بخلق العقل والقوى، ونصب الدلائل والوحي والإلهام، وخلق العلم الضروري في الأذهان، وإنزال الكتب، وإرسال الرسل، وتواتر الأخبار، وغير ذلك، هذه الجملة خبر للمبتدأ إن كان ما سبق صفات، وبدل اشتمال من ( علم بالقلم ) إن كان الموصول خبر المبتدأ، تقييد العلم أولاً بالقلم مع حذف المفعول الأول على التعميم، وعدم تقييده به ثانيا مع تقييده بالإنسان دليل على أن علوم العالمين بعض علم الإنسان وأخض ولو من وجه، فإن علوم الملائكة مثلا بتوسط القلم، وقد أحاط بها اللوح المحفوظ الذي لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها، ولا رطب ولا يابس إلا فيه، وأما علم الإنسان فمنها ما هو اللوح مكتوب بالقلم، ومنها ما لا يحيط به الكتاب، ولا يتصد به القلم، يدل عليه قوله تعالى : وعلًّم آدم الأسماء كلُّها ١ الآية، وذلك لأن العلم بكنه ذات الله تعالى ليس من قبيل العلم الحصولي حتى يتسعه اللوح ويكتبه القلم ؛ بل هو من قبيل العلم الحضوري ؛ بل وراء العالمين يحصل للإنسان بعد ماهية الله تعالى ذاتاً موهوماً، ومن ها هنا قال قائل :
فإن من جودك الدنيا وخرتها ومن علومك علم اللوح والقلم
وجملة ( وربك الأكرم ) حال من فاعل ( اقرأ ) فإنه لما قيل للنبي صلى الله عليه وسلم : اقرأ، فقال : ما أنا بقارئ، قيل له :( اقرأ وربك الأكرم الذي علَّم بالقلم علَّم الإنسان ) يعني آدم عليه السلام، أو جنس الإنسان الشامل لجميع الأنبياء ما لم يعلم، فيعلمك القرآن وإن لم يكن قارئا، ويحتمل أن يكون المراد بالإنسان محمد صلى الله عليه وسلم، فلعله قال النبي صلى الله عليه وسلم : ما أنا بقارئ، فأخذه جبرائيل فغطه ثلاثا حتى بلغ منه الجهد، وأفعال العباد كلها مخلوقة لله تعالى، فالله سبحانه علَّم نبيه صلى الله عليه وسلم بتلك اللفظات الثلاث علوم الأولين والآخرين، ثم عد نعمه عليه فقال :( علَّم الإنسان ما لم يعلم ) وقال في موضع آخر " وعلَّمك ما لم تكن تعلم ٢ فإن قيل : أي فائدة في إيراد قوله : ما لم يعلم مع أن التعليم لا يتصور إلا فيما لا يعلم ؟ قلنا : فائدته التصريح بعجز الإنسان التعرف بجهله من قبل العلم، ويشكر على تلك النعمة العظمى، وذكر في المواهب اللدنية : روي أن جبرائيل بدا له صلى الله عليه وسلم في أحسن صورة وأطيب رائحة فقال : يا محمد إن الله يقرئك السلام، ويقول لك : أنت رسول إلى الجن والإنس، فادعهم إلى قول لا إله إلا الله، ثم ضرب برجله الأرض فنبعت عين ماء فتوضأ منها جبرائيل، ثم أمره أن يتوضأ، وقام جبرائيل يصلي، وأمره أن يصلي معه، فعلَّمه الوضوء والصلاة، ثم عرج إلى السماء، ورجع رسول الله صلى الله عليه وسلم، لا يمر بحجر ولا مدر ولا شجر إلا وهو يقول السلام عليكم يا رسول الله، حتى أتى خديجة فأخبرها فغشي عليها من الفرح، ثم أمرها فتوضأ وصلى بها كما صلى له جبرائيل، فكان ذلك أول فرضها ركعتين، ثم إن الله أمرها في السفر كذلك وأتمها في الحضر، وقال ابن حجر في فتح الباري : كان صلى الله عليه وسلم قبل الإسراء يصلي قطعا، وكذلك أصحابه، ولكن اختلف : هل فرض قبل الخمس شيء من الصلاة ؟ فقيل : إن الفرض كان صلاة قبل طلوع الشمس وغروبها انتهى. وقال : أول ما وجب الإنذار والدعاء إلى التوحيد، ثم فرض من قيام الليل ما ذكره في أول سورة المزمل، ثم نسخه بما في آخرها، ثم نسخه بإيجاب الصلاة الخمس ليلة الإسراء بمكة، وأما ذكره في هذه الرواية من أن جبرائيل علَّمه الوضوء وأمره فيدل على فرضية الوضوء قبل الإسراء، والله تعالى أعلم.

١ سورة البقرة، الآية: ٣١..
٢ سورة النساء، الآية: ١١٣..

التفسير المظهري

عرض الكتاب
المؤلف

المظهري

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير