وقال ابن أبي حاتم : حدثنا أبو زُرْعَة، حدثنا إبراهيم بن موسى، أخبرنا مسلم - يعني ابن خالد - عن ابن أبي نَجِيح، عن مجاهد : أن النبي صلى الله عليه وسلم ذكر رجلا من بني إسرائيل لَبس السلاح في سبيل الله ألف شهر، قال : فَعَجب المسلمون من ذلك، قال : فأنزل الله عز وجل : إِنَّا أَنزلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ التي لبس ذلك الرجل السلاح في سبيل الله ألف شهر١.
وقال ابن جرير : حدثنا ابن حميد، حدثنا حَكَّام بن سلم، عن المثنى بن الصباح، عن مجاهد قال : كان في بني إسرائيل رجل يقوم الليل حتى يصبح، ثم يجاهد العدو بالنهار حتى يمسي، ففعل ذلك ألف شهر، فأنزل الله هذه الآية : لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ قيام تلك الليلة خير من عمل ذلك الرجل٢.
وقال ابن أبي حاتم : أخبرنا يونس، أخبرنا ابن وهب، حدثني مسلمة بن عُلَيّ، عن علي بن عروة قال : ذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم يوما أربعة من بني إسرائيل، عبدوا الله ثمانين عامًا، لم يَعْصوه طرفة عين : فذكر أيوب، وزكريا، وحزْقيل ابن العجوز، ويوشع بن نون، قال : فعجب٣ أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم من ذلك، فأتاه جبريل فقال : يا محمد، عَجِبَتْ أمتك من عبادة هؤلاء النفر ثمانين سنة، لم يَعْصُوه طرفة عين ؛ فقد أنزل الله خيرًا من ذلك. فقرأ عليه : إِنَّا أَنزلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ هذا أفضل مما عجبت أنت وأمتك. قال : فَسُرَّ بذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم والناس معه٤.
وقال سفيان الثوري : بَلَغني عن مجاهد : ليلةُ القدر خير من ألف شهر. قال : عَمَلها وصيامها وقيامها خير من ألف شهر. رواه ابن جرير.
وقال ابن أبي حاتم : حدثنا أبو زُرْعَة، حدثنا إبراهيم بن موسى، أخبرنا ابن أبي زائدة، عن ابن جُرَيج، عن مجاهد : ليلة القدر خير من ألف شهر، ليس في تلك الشهور ليلة القدر. وهكذا قال قتادة بن دعامة، والشافعي، وغير واحد.
وقال عمرو بن قيس الملائي : عمل فيها خير من عمل ألف شهر.
وهذا القول بأنها أفضل من عبادة ألف شهر - وليس فيها ليلة القدر - هو اختيارُ ابن جرير. وهو الصواب لا ما عداه، وهو كقوله صلى الله عليه وسلم :" رِباطُ ليلة في سبيل الله خَيْر من ألف ليلة فيما سواه من المنازل ". رواه أحمد٥ وكما جاء في قاصد الجمعة بهيئة حسنة، ونية صالحة :" أنه يُكتَبُ له عمل سنة، أجر صيامها وقيامها " إلى غير ذلك من المعاني المشابهة لذلك.
وقال الإمام أحمد : حدثنا إسماعيل بن إبراهيم، حدثنا أيوب، عن أبي قِلابَة، عن أبي هُريرة قال : لما حضر رمضان قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :" قد جاءكم شهر رمضان، شهر مبارك، افترض الله عليكم صيامه، تفتح فيه أبواب الجنة، وتغلق فيه أبواب الجحيم، وتغل فيه الشياطين، فيه ليلة خير من ألف شهر، من حُرم خَيرَها فقد حُرم ". ورواه النسائي، من حديث أيوب، به٦.
ولما كانت ليلة القدر تعدل عبادتها عبادة ألف شهر، ثبت في الصحيحين عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال :" من قام ليلة القدر إيمانا واحتسابا غفر له ما تَقَدَّم من ذنبه " ٧.
٢ - (٢) تفسير الطبري (٣٠/١٦٧)..
٣ - (٣) في أ: "فتعجب"..
٤ - (٤) وذكره السيوطي في الدر المنثور (٨/٥٦٩) وعزاه لابن أبي حاتم..
٥ - (٥) المسند (١/٦٢) من حديث عثمان، رضي الله عنه..
٦ - (١) المسند (٢/٢٣٠) وسنن النسائي (٤/١٢٩)..
٧ - (٢) صحيح البخاري برقم (١٩٠١) وصحيح مسلم برقم (٧٦٠)..
تفسير القرآن العظيم
أبو الفداء إسماعيل بن عمر بن كثير القرشي البصري ثم الدمشقي
سامي سلامة