ﮀﮁﮂﮃﮄﮅ

تقدمة تبين ميقات هذه الليلة :
أشار الكتاب الكريم إلى زمان نزول القرآن على رسوله صلى الله عليه وسلم في أربعة مواضع من كتابه الكريم، والقرآن يفسر بعضه بعضا :
( ١ ) في سورة القدر : إنا أنزلناه في ليلة القدر [ القدر : ١ ].
( ٢ ) في سورة الدخان : حم ( ١ ) والكتاب المبين ( ٢ ) إنا أنزلناه في ليلة مباركة إنا كنا منذرين ( ٣ ) فيها يفرق كل أمر حكيم ( ٤ ) أمرا من عندنا إنا كنا مرسلين ( ٥ ) رحمة من ربك إنه هو السميع العليم [ الدخان : ١-٦ ].
( ٣ ) في سورة البقرة : شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن هدى للناس وبينات من الهدى والفرقان [ البقرة : ١٨٥ ].
( ٤ ) في سورة الأنفال : *واعلموا أنما غنمتم من شيء فأن لله خمسه وللرسول ولذي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل إن كنتم آمنتم بالله وما أنزلنا على عبدنا يوم الفرقان يوم التقى الجمعان والله على كل شيء قدير [ الأنفال : ٤١ ].
فآية القدر صريحة في أن إنزال القرآن كان في ليلة القدر، وآية الدخان تؤكد ذلك، وتبين أن النزول كان في ليلة مباركة، وآية البقرة ترشد إلى أن نزول القرآن كان في شهر رمضان، وآية الأنفال تدل على أن إنزال القرآن على رسوله كان في ليلة اليوم المماثل ليوم التقاء الجمعين في غزوة بدر، التي فرق الله فيها بين الحق والباطل، ونصر حزب الرحمن على حزب الشيطان، ومن ذلك يتضح أن هذه الليلة هي ليلة الجمعة لسبع عشرة خلت من شهر رمضان.
شرح المفردات : القدر : العظمة والشرف، من قولهم لفلان قدر عند فلان، أي منزلة وشرف.
ثم أوضح مقدار فضلها فقال : ليلة القدر خير من ألف شهر لأن ليلة يسطع فيها نور الهدى وتكون فاتحة التشريع الجديد الذي أنزل لخير البشر، ويكون فيها وضع الحجر الأساسي لهذا الدين الذي هو آخر الأديان الصالح لهم في كل زمان ومكان، هي خير من ألف شهر من شهورهم التي كانوا يتخبطون فيها في ظلام الشرك وضلال الوثنية، حيارى لا يهتدون إلى غاية، ولا يقفون عند حد.
وقد يكون التحديد بالألف جاريا على ما يستعملونه في تخاطبهم من إرادة الكثرة منه، لا إرادة العدد المعين، كما جاء في قوله : يود أحدهم لو يعمر ألف سنة [ البقرة : ٩٦ ].
والله تعالى يفضل ما شاء من زمان ومكان لمعنى من المعاني التي تدعو إلى التفضيل، وله الحكمة البالغة.
وأي عظمة أعلى من عظمة ليلة يبتدئ فيها نزول هذا النور والهداية للناس بعد أن مضت على قومه صلى الله عليه وسلم حقب متتابعة وهم في ضلال الوثنية.
وأيّ شرف أرفع من شرف ليلة سطع فيها بدر المعارف الإلهية على قلب رسوله صلى الله عليه وسلم رحمة بعباده، يبشرهم وينذرهم، ويهديهم إلى الصراط المستقيم، ويجعل منهم أمة تحرر الناس من استعباد القياصرة، وجبروت الأكاسرة، ويجمعهم بعد الفرقة، ويلم شعثهم بعد الشتات.
فحق على المسلمين أن يتخذوا هذه الليلة عيدا لهم، إذ فيها بدأ نزول ذلك الدستور السماوي، الذي وجه المسلمين تلك الوجهة الصالحة النافعة، ويجددوا العهد أمام ربهم بحياطته بأنفسهم وأموالهم، شكرا له على نعمه، ورجاء مثوبته.

تفسير المراغي

عرض الكتاب
المؤلف

المراغي

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير