سورة الحجرات — الآية ١
قال عطاء الخُراسانيّ: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ ورَسُولِهِ﴾ نَزَلتْ في قصّة بِئر مَعُونة، وقتل الثلاثة الذين لقوا الرجلين السُلَمِيَّين اللذين اعتريا إلى بني عامر، وأخذهم مالهما، وكانا مِن أهل العهد، فلما أتوا رسول الله ﷺ وقد سبق الخبر إليه، فقال: «بئس ما صنعتم، هما مِن أهل ميثاقي، وهذا الذي معكم مِن كسوتي». قالا: يا رسول الله، إنهما زعما أنهما مِن بني عامر، فقلنا: هذان ممن قتل إخواننا، فقتلناهما لذلك. وأتاه السُلَمِيّون، فقال رسول الله ﷺ: «لا قوَد لهما؛ لأنهما اعتريا في عدوِّنا، ولكنّا نَدِيهما». فوداهما رسولُ الله ﷺ، وأنزل عز وجل في ذلك: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ ورَسُولِهِ﴾ حين قتلوا الرجلين
قراءة الأثر في موضعه
سورة الحجرات — الآية ٣
عن عطاء الخُراسانيّ، قال: قدمتُ المدينة، فلقيتُ رجلًا من الأنصار، فقلتُ: حدِّثني حديث ثابت بن قيس بن شَماّس. قال: قم معي. فانطلقتُ معه حتى دخلنا على امرأة، فقال الرجل: هذه ابنةُ ثابت بن قيس بن شَمّاس، فاسألها عمّا بدا لك. فقلتُ: حَدِّثيني. فقالت: سمعتُ أبي يقول: لَمّا أنزل الله على رسوله ﷺ: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا فَوْقَ تَرْفَعُوا أصْواتَكُمْ صَوْتِ النَّبِيِّ﴾ الآيةَ؛ دخل بيته، وأغلق عليه بابه، وطفق يبكي، فافتقده رسول الله ﷺ، فقال: «ما شأن ثابت؟». فقالوا: يا رسول الله، ما ندري ما شأنه، غير أنه قد أغلق عليه باب بيته، فهو يبكي فيه. فأرسل رسول الله ﷺ إليه، فسأله: «ما شأنك؟». قال: يا رسول الله، أنزل الله عليك هذه الآية، وأنا شديد الصوت، فأخاف أن أكون قد حبِط عملي. فقال: «لستَ منهم، بل تعيش بخير، وتموت بخير». قالت: ثم أنزل الله على نبيّه ﷺ: ﴿إنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتالٍ فَخُورٍ﴾ [لقمان:١٨]، فأغلق عليه بابه، وطفق يبكي فيه، فافتَقَده رسول الله ﷺ، وقال: «ثابت ما شأنه؟». قالوا: يا رسول الله، واللهِ، ما ندري ما شأنه، غير أنه قد أغلق عليه باب بيته، وطفق يبكي. فأرسل إليه رسول الله ﷺ، فقال: «ما شأنك؟». قال: يا رسول الله، أنزل الله عليك: ﴿إنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتالٍ فَخُورٍ﴾، واللهِ، إني لَأُحِبّ الجمال، وأُحِبّ أن أسُود قومي. قال: «لستَ منهم، بل تعيش حميدًا، وتُقتل شهيدًا، ويُدخلك الله الجنّة بسلام». قالت: فلما كان يوم اليمامة خرج مع خالد بن الوليد إلى مُسيْلمة الكذّاب، فلما لقي أصحابَ رسول الله ﷺ قد انكشفوا، فقال ثابت لسالم مولى أبي حُذيفة: ما هكذا كُنّا نقاتل مع رسول الله ﷺ. ثم حفر كل منهما لنفسه حُفرة، وحمل عليهم القوم، فثبتا حتى قُتلا، وكانت على ثابت يومئذ دِرْعٌ له نفيسة، فمرّ به رجل من المسلمين، فأخذها، فبَينا رجل من المسلمين نائم إذ أتاه ثابت بن قيس في منامه، فقال له: إني أوصيك بوصيّة؛ إياك أن تقول: هذا حُلْمٌ؛ فتُضيّعه، إني لما قُتلتُ أمس مرّ بي رجل من المسلمين، فأخذ درعي، ومَنزله في أقصى العسكر، وعند خِبائه فَرسٌ يَسْتَنُّ في طِوَلِهِ، وقد كَفَأ على الدِّرْع بُرْمة، وجعل فوق البُرْمة رَحلًا، فأْتِ خالد بن الوليد، فمُرْه أن يبعث إلى درعي فيأخذها، وإذا قدمتَ على خليفة رسول الله فأخْبِره أنّ عليَّ من الدَّيْن كذا وكذا، ولي مِن الدَّيْن كذا وكذا، وفلان مِن رقيقي عتيق وفلان، فإيّاك أن تقول هذا حُلْمٌ؛ فتضيّعه. فأتى الرجلُ خالدَ بن الوليد، فأخبَره، فبعث إلى الدِّرْع، فنظر إلى خِباءٍ في أقصى العسكر، فإذا عنده فَرسٌ يَسْتَنّ في طِوَله، فنظر في الخِباء فإذا ليس فيه أحد، فدخلوا، فدفعوا الرَّحل، فإذا تحته بُرْمة، ثم رفعوا البُرْمة، فإذا الدِّرْع تحتها، فأتَوا به خالد بن الوليد، فلما قدموا المدينة حدّث الرجلُ أبا بكر برؤياه، فأجاز وصيّته بعد موته، ولم نعلم أحدًا مِن المسلمين جُوِّز وصيتُه بعد موته غير ثابت بن قيس بن شَمّاس
قراءة الأثر في موضعه
سورة الحجرات — الآية ٥
عن عطاء الخُراسانيّ، قال: أدركت حُجَر أزواج رسول الله - ﷺ - مِن جَريد النَّخل، على أبوابها المُسُوح مِن شَعر أسود، فحضرتُ كتاب الوليد بن عبد الملك يُقرأ؛ يأمر بإدخال حُجَر أزواج رسول الله - ﷺ - في مسجد رسول الله - ﷺ -، فما رأيتُ يومًا أكثر باكيًا مِن ذلك اليوم، فسمعتُ سعيد بن المسيّب يقول يومئذ: واللهِ، لودِدتُ أنّهم تركوها على حالها، ينشأ ناسٌ مِن أهل المدينة، ويقدم القادم مِن أهل الأُفُق فيرى ما اكتفى به رسول الله في حياته، فيكون ذلك مما يُزَهِّد الناسَ في التكاثر والتفاخر فيها، وقال يومئذ أبو أُمامة بن سهل بن حنيف: لَيْتها تُرِكَتْ فلم تُهدم حتى يُقْصِر الناس عن البناء، ويرون ما رضي الله لنبيّه، ومفاتيح خزائن الدنيا بيده
قراءة الأثر في موضعه