قال مقاتل بن سليمان:... بلغ أمر الحارث الأحد عشر الذين بمكة، فقالوا: نقيم بمكة ما أقمنا، ونتربص بمحمد الموت، فإذا أردنا المدينة فسينزل فينا ما نزل فى الحارث، ويقبل منا ما يقبل منه. فأنزل الله عز وجل فيهم: ﴿إن الذين كفروا بعد إيمانهم ثم ازدادوا كفرا لن تقبل توبتهم وأولئك هم الضآلون﴾
قال مقاتل بن سليمان: ﴿إن الذين كفروا بعد إيمانهم ثم ازدادوا كفرا﴾ قالوا: نقيم بمكة كفارًا، فإذا أردنا المدينة فسينزل فينا كما نزل في الحارث، ﴿لن تقبل توبتهم وأولئك هم الضالون﴾. قال عبد الملك ابن جريج، ﴿لن تقبل توبتهم﴾، يقول: إيمانهم أول مرة لن ينفعهم
قال مقاتل بن سليمان: ثم أخبرهم عنهم وعن الكفار وما لهم فى الآخرة، فقال عز وجل: ﴿إن الذين كفروا وماتوا وهم كفار﴾ فيود أحدهم أن يكون له ملء الأرض ذهبًا، يقدر على أن يفتدي به نفسه من العذاب لافتدى به، ﴿فلن يقبل من أحدهم ملء الأرض ذهبا ولو افتدى به﴾ ما قُبِلَ منه، ﴿أولئك لهم عذاب أليم﴾، وله عذاب، [وجيع] نظيرها في المائدة، ﴿وما لهم من ناصرين﴾ يعني: من مانعين يمنعونهم من العذاب
قال مقاتل بن سليمان: قوله سبحانه: ﴿لن تنالوا البر حتى تنفقوا﴾ يقول: لن تستكملوا التقوى حتى تنفقوا فى الصدقة ﴿مما تحبون﴾ من الأموال، ﴿وما تنفقوا من شيء﴾ يعني: من صدقة، ﴿فإن الله به عليم﴾ يعني: عالم به، يعني: بنِيّاتِكم
قال مقاتل بن سليمان: في قوله: ﴿كل الطعام كان حلا لبني إسرائيل إلا ما حرم إسرائيل على نفسه من قبل أن تنزل التوراة﴾، وذلك أن يعقوب بن إسحاق خرج ذات ليلة ليرسل الماء في أرضه، فاستقبله مَلَك، فظن أنه لص يريد أن يقطع عليه الطريق، فعالجه في المكان الذي كان يقرب فيه القُرْبان، يدعى: شانير، فكان أول قربان قَرَّبه بأرض المقدس، فلما أراد الملك أن يفارقه غَمَز فَخِذ يعقوب برجليه؛ ليريه أنه لو شاء لصرعه، فهاج به عِرْق النَّساء، وصعد الملك إلى السماء ويعقوب ينظر إليه، فلقي منها البلاء، حتى لم ينم الليل من وجعه، ولا يؤذيه بالنهار، فجعل يعقوب لله عز وجل تحريم لحم الإبل وألبانها -وكان من أحب الطعام والشراب إليه- لئن شفاه الله. قالت اليهود: جاء هذا التحريم من الله عز وجل في التوراة. قالوا: حَرَّم الله على يعقوب وذريته لحوم الإبل وألبانها. قال الله عز وجل لنبيه ﷺ: قل لليهود: ﴿فأتوا بالتوراة فاتلوها﴾ فاقرءوها ﴿إن كنتم صادقين﴾ بِأَنَّ تحريم لحوم الإبل في التوراة. فلم يفعلوا
قال مقاتل بن سليمان: ﴿قل صدق الله﴾ وذلك حين قال الله -سبحانه-: ﴿ما كان إبراهيم يهوديا ولا نصرانيا... ﴾ إلى آخر الآية [آل عمران:٦٧]. وقالت اليهود والنصارى: كان إبراهيم والأنبياء على ديننا. فقال النبي ﷺ: «فقد كان إبراهيم يحجُّ البيت وأنتم تعلمون ذلك، فلِمَ تكفرون بآيات الله؟!». يعني: بالحج، فذلك قوله سبحانه: ﴿قل صدق الله فاتبعوا ملة إبراهيم حنيفًا﴾ يعني: حاجًّا، ﴿وما كان من المشركين﴾ يقول:لم يكن يهوديًّا ولا نصرانيًّا
قال مقاتل بن سليمان: ﴿إن أول بيت﴾ يعني: أول مسجد ﴿وضع للناس﴾ يعني: للمؤمنين، ... أنزل الله عز وجل: أنّ الكعبة أول مسجد كان في الأرض، والبيت قبلة لأهل المسجد الحرام، والحرم كله قبلة الأرض