قال مقاتل بن سليمان: ﴿حتى إذا جاءتهم رسلنا يتوفونهم﴾ يعني: مَلَك الموت وحده، ثم قالت لهم خزنة جهنم قبل دخول النار في الآخرة: ﴿قالوا أين ما كنتم تدعون﴾ يعني: تعبدون ﴿من دون الله﴾ من الآلهة، هل يمنعونكم من النار؟! ﴿قالوا ضلوا عنا﴾ يعني: ضلَّتِ الآلهةُ عنّا. يقول الله: ﴿وشهدوا على أنفسهم أنهم كانوا كافرين﴾. وذلك حين قالوا: ﴿والله ربنا ما كنا مشركين﴾ [الأنعام:٢٣]، فشهدت عليهم الجوارح بما كَتَمَتِ الألسن من الشرك والكفر. نظيرها في الأنعام
قال مقاتل بن سليمان: ﴿قال﴾ أي: قالت الخزنة: ﴿ادخلوا﴾ النار ﴿في أمم قد خلت من قبلكم من الجن والإنس في النار كلما دخلت أمة﴾ النارَ ﴿لعنت أختها﴾ لَعَنَتْ أهلَ مِلَّتِهم؛ يلعن المشركون المشركين، ويلعن اليهودُ اليهودَ، ويلعن النصارى النصارى، ويلعن المجوسُ المجوسَ، ويلعن الصابئون الصابئين، ويلعن الأتباعُ القادةَ، يقولون: لعنكم الله، أنتم ألقيتمونا في هذا الملقى حين أطعناكم
قال مقاتل بن سليمان: ﴿حتى إذا اداركوا فيها﴾ يعني: حتى إذا اجتمعوا في النار جميعًا؛ القادةُ والأتباعُ، وقد دخلتِ القادة والأتباع؛ ﴿قالت أخراهم﴾ دخولًا النارَ، وهم الأتباع ﴿لأولاهم﴾ دخولًا النارَ، وهم القادَة
قال مقاتل بن سليمان: ﴿وقالت أولاهم﴾ دخولًا النار، وهم القادة ﴿لأخراهم﴾ دخولًا النار، وهم الأتباع: ﴿فما كان لكم علينا من فضل﴾ في شيء، فقد ضللتم كما ضللنا، ﴿فذوقوا العذاب بما كنتم تكسبون﴾ يعني: تقولون من الشرك والتكذيب
قال مقاتل بن سليمان: ﴿إن الذين كذبوا بآياتنا﴾ يعني: القرآن، ﴿واستكبروا عنها﴾ يعني: وتكبَّروا عن الإيمان بآيات القرآن؛ ﴿لا تفتح لهم﴾ يعني: لأرواحهم، ولا لأعمالهم ﴿أبواب السماء﴾ كما تفتح أبواب السماء لأرواح المؤمنين ولأعمالهم إذا ماتوا
قال مقاتل بن سليمان: ﴿ولا يدخلون الجنة حتى يلج الجمل في سم الخياط﴾ يقول: حتى يدخل البعير في خرق الإبرة، ﴿وكذلك﴾ يعني: وهكذا ﴿نجزي المجرمين﴾ لا يدخلون الجنة
قال مقاتل بن سليمان: ثُمَّ ذَكَر ما أعد لهم في النار، فقال: ﴿لهم من جهنم مهاد﴾ يعني: فراش من نار، ﴿ومن فوقهم غواش﴾ يعني: لُحُفًا، يعني: ظُلُلًا من النار، وذلك قوله في الزمر [١٦]: ﴿لهم من فوقهم ظلل من النار ومن تحتهم ظلل﴾. يقول: ﴿وكذلك﴾ يعني: وهكذا ﴿نجزي الظالمين﴾ جهنم، وما فيها من العذاب
قال مقاتل بن سليمان: ثم ذكر المؤمنين، فقال: ﴿والذين آمنوا وعملوا الصالحات لا نكلف نفسا إلا وسعها﴾ يقول: لا نُكَلِّفها من العمل إلا ما تُطِيق، ﴿أولئك أصحاب الجنة هم فيها خالدون﴾ لا يموتون
قال مقاتل بن سليمان: ثم أخبر عنهم، فقال: ﴿ونزعنا ما في صدورهم من غل﴾، يعني: ما كان في الدنيا في قلوبهم من غِشٍّ، يعني: بعضهم لبعض. وذلك أنّ أهل الجنة إذا هُم بشجرة، يَنبُع مِن ساقها عينان، فيميلون إلى أحدهما، فيشربون منها، فيُخْرِج اللهُ ما كان في أجوافهم من غِلٍّ أو [قذر]، فيُطَهِّر اللهُ أجوافَهم، ﴿وسقاهم ربهم شرابا طهورا﴾ [الإنسان:٢١]. ثُمَّ يميلون إلى العين الأخرى، فيغتسلون فيها، فيُطَيِّب اللهُ أجسادَهم من كل دَرَن، وجرت عليهم [النَّضْرة]، فلا تشعث رءُوسُهم، ولا تَغْبَرُّ وجوههم، ولا تَشْحب أجسادُهم، ثم تتلقاهم خزنة الجنة قبل أن يدخلوا الجنة، فينادونهم، يعني: قالوا لهم: ﴿أن تلكم الجنة﴾ يقول: هاكم الجنة ﴿أورثتموها بما كنتم تعملون﴾