قال مقاتل بن سليمان: ﴿فَكُلُوا مِمّا غَنِمْتُمْ﴾ ببدر ﴿حَلالًا طَيِّبًا واتَّقُوا اللَّهَ﴾ ولا تعصوه ﴿إنَّ اللَّهَ غَفُورٌ﴾ ذو تجاوز لما أخذتم من الغنيمة قبل حلها ﴿رَحِيمٌ﴾ بكم إذ أحلها لكم
قال مقاتل بن سليمان: كان النبي ﷺ جعل عمر بن الخطاب وخَبّاب بن الأَرَتِّ أولياءَ القبض يوم بدر، وقسمها النبي ﷺ بالمدينة، وانطلق بالأسارى فيهم العباس بن عبد المطلب، ونوفل بن الحارث بن عبد المطلب، وذلك أنّ العباس بن عبد المطلب يوم أُسر أُخذ منه عشرين أُوقِيَّة من ذهب، فلم تُحْسَب له من الفِداء، وكان فِداءُ كل أسير من المشركين أربعين أُوقِيَّة من ذهب، وكان أول من فدى نفسه أبو وديعة ضَمْرَة بن صُبَيْرَةَ السهمي، وسهيل بن عمرو من بني عامر بن لؤي القُرَشِيّان. فقال النبي ﷺ: «أضْعِفُوا الفداءَ على العباس». وكُلِّف أن يفتدي ابنَيْ أخيه، فأَدّى عنهما ثمانين أُوقِيَّة من ذهب، وكان فداء العباس بثمانين أوقية، وأخذ منه عشرون أُوقِيَّة، فأخذ منه يومئذ مائة أوقية وثمانون أوقية، فقال العباس للنبي ﷺ: لقد تركتني ما حييت أسأل قريشًا بكَفِّي. وقال له ﷺ: «أين الذهب الذي تركته عند امرأتك أم الفضل». فقال العباس: أيُّ الذهب؟ فقال له رسول الله ﷺ: «إنك قلت لها: إني لا أدري ما يصيبني في وجهي هذا، فإن حدث بي ما حدث فهو لك ولولدك». فقال: يا ابن أخي، من أخبرك؟ قال: «الله أخبرني». قال العباس: أشهد أنك صادق، وما علمت أنك رسول قط قبل اليوم، قد علمت أنه لم يُطْلِعْك عليه إلا عالمُ السَّرائر، وأشهد ألا إله إلا الله، وأنك عبده ورسوله، وكفرت بما سواه. وأمر ابنَيْ أخيه فأسلما، ففيهما نزلت: ﴿يا أيُّها النَّبِيُّ قُلْ لِمَن فِي أيْدِيكُمْ مِنَ الأَسْرى﴾، ... فقال العباس بعد ذلك: لقد أعطاني الله خصلتين ما من شيء هو أفضل منهما؛ أما أحدهما فالذهب الذي أخذ مني فآتاني الله خيرًا منه عشرين عبدًا، وأما الثانية فتنجيز موعود الله الصادق وهو المغفرة، فليس أحد أفضل من هذا. ومن كان من أسارى بدر وليس له فدًى فإنه يُدْفَع إليه عشرة غلمان يعلمهم الكتاب، فإذا حَذَقُوا بَرِئَ الأسير من الفِداء، وكان أهل مكة يكتبون وأهل المدينة لا يكتبون
قال مقاتل بن سليمان: ﴿يا أيُّها النَّبِيُّ قُلْ لِمَن فِي أيْدِيكُمْ مِنَ الأَسْرى﴾ يعني: العباس وابنَيْ أخيه ﴿إنْ يَعْلَمِ اللَّهُ فِي قُلُوبِكُمْ خَيْرًا﴾ يعني: إيمانًا، كقوله: ﴿لَنْ يُؤْتِيَهُمُ اللَّهُ خَيْرًا﴾، يعني: إيمانًا، وهذا في هود [٣١]، ﴿يُؤْتِكُمْ خَيْرًا مِمّا أُخِذَ مِنكُمْ﴾ من الفداء، فوعدهم الله أن يُخْلِفَ لهم أفضلَ ما أُخِذَ منهم، ﴿ويَغْفِرْ لَكُمْ﴾ ذنوبكم، ﴿واللَّهُ غَفُورٌ﴾ لِما كان منهم من الشرك من ذنوبهم، ذو تجاوز، ﴿رَحِيمٌ﴾ بهم في الإسلام
قال مقاتل بن سليمان: ﴿وإنْ يُرِيدُوا خِيانَتَكَ﴾ يعني: الكفر بعد إسلامهم، واستحيائك إياهم ﴿فَقَدْ خانُوا اللَّهَ مِن قَبْلُ﴾ يقول: فقد كفروا بالله من قبل هذا الذي نزل بهم ببدر، ﴿فَأَمْكَنَ﴾ اللهُ ﴿مِنهُمْ﴾ النبيَّ عليه السلام، يقول: إن خانوا أمْكَنْتُكَ منهم، فقتلتَهم، وأَسَرْتَهم، كما فعلت بهم ببدر، ﴿واللَّهُ عَلِيمٌ﴾ بخلقه ﴿حَكِيمٌ﴾ في أمره، حَكَم أن يُمَكِّنَه منهم
قال مقاتل بن سليمان: ﴿إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ يعني: صدّقوا بتوحيد الله ﴿وهاجَرُوا﴾ إلى المدينة ﴿وجاهَدُوا﴾ العدوَّ ﴿بِأَمْوالِهِمْ وأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ فهؤلاء المهاجرون، ثم ذكر الأنصار، فقال: ﴿والَّذِينَ آوَوْا﴾ النبيَّ ﷺ ﴿ونَصَرُوا﴾ النبيَّ ﷺ، ثم جمع المهاجرين والأنصار، فقال: ﴿أُولَئِكَ بَعْضُهُمْ أوْلِياءُ بَعْضٍ﴾ في الميراث؛ لِيُرَغِّبَهم بذلك في الهجرة، فقال الزبير بن العوام ونفرٌ معه: كيف يَرِثُنا غيرُ أوليائنا وأولياؤنا على ديننا، فمن أجل أنهم لم يهاجروا لا ميراث بيننا، فقال الله بعد ذلك: ﴿والَّذِينَ آمَنُوا﴾ يعني: صدّقوا بتوحيد الله ﴿ولَمْ يُهاجِرُوا﴾ إلى المدينة ﴿ما لَكُمْ مِن ولايَتِهِمْ مِن شَيْءٍ﴾ في الميراث؛ ﴿حَتّى يُهاجِرُوا﴾ إلى المدينة
قال مقاتل بن سليمان: ﴿والَّذِينَ آمَنُوا﴾ يعني: صدّقوا بتوحيد الله ﴿ولَمْ يُهاجِرُوا﴾ إلى المدينة ﴿ما لَكُمْ مِن ولايَتِهِمْ مِن شَيْءٍ﴾ في الميراث؛ ﴿حَتّى يُهاجِرُوا﴾ إلى المدينة
قال مقاتل بن سليمان: ثم قال: ﴿وإنِ اسْتَنْصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ﴾ يا معشر المهاجرين، إخوانُكم الذين لم يهاجروا إليكم، فأتاهم عدوُّهم من المشركين فقاتلوهم لِيَرُدُّوهم عن الإسلام ﴿فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ﴾ فانصروهم، ثم استثنى، فقال: ﴿إلّا عَلى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وبَيْنَهُمْ مِيثاقٌ﴾، يقول: إن استنصر الذين لم يهاجروا إلى المدينة على أهل عهدكم فلا تنصروهم، ﴿واللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾