عن إسماعيل السُّدِّيِّ -من طريق أسباط- قال: كان ناسٌ مِن الصحابة لم يشهدوا بدرًا، فلمّا رَأَوْا فضيلةَ أهل بدر قالوا: اللَّهُمَّ، إنّا نسألُك أن تُرِيَنا يومًا كيوم بدر؛ نُبْلِيكَ فيه خيرًا. فرَأَوْا أُحُدًا، فقال لهم: ﴿ولقد كنتم تمنون الموت﴾ الآية
عن إسماعيل السُّدِّي -من طريق أسباط- قال: فشا في الناسِ يومَ أُحُدٍ أنّ رسولَ الله ﷺ قد قُتِل، فقال بعضُ أصحاب الصَّخْرَةِ: ليت لنا رسولًا إلى عبد الله بن أُبَيٍّ، فيأخذ لنا أمانًا من أبي سفيان، يا قوم، إنّ محمدًا قد قُتِل، فارجعوا إلى قومكم قبل أن يأتوكم فيقتلوكم. قال أنس بن النَّضْر: يا قوم، إن كان محمدٌ ﷺ قد قُتِل فإنّ ربَّ محمدٍ ﷺ لم يُقْتَلْ؛ فقاتِلوا على ما قاتَل عليه محمدٌ ﷺ، اللَّهُمَّ، إنِّي أعتذرُ إليك مما يقول هؤلاء، وأبرأ إليك مما جاء به هؤلاء. فشدَّ بسيفه، فقاتَل حتى قُتِل؛ فأنزل الله: ﴿وما محمد إلا رسول﴾ الآية
عن إسماعيل السُّدِّيِّ -من طريق أسباط- قال: لَمّا برز رسولُ الله ﷺ يوم أحد إليهم -يعني: إلى المشركين- أمر الرُّماةَ فقاموا بأصلِ الجبل في وجه خيل المشركين، وقال: «لا تبرحوا مكانَكم إن رأيتمونا قد هزمناهم، فإنّا لن نزالَ غالبين ما ثَبَتُّم مكانَكم». وأَمَّرَ عليهم عبدَ الله بنَ جبير أخا خَوّات بن جبير، ثم شدَّ الزبيرُ بنُ العوّامِ والمقدادُ بن الأسود على المشركين، فهزماهم، وحمل النبيُّ ﷺ وأصحابُه فهزموا أبا سفيان، فلمّا رأى ذلك خالدُ بن الوليد -وهو على خيل المشركين- حَمَلَ، فرَمَتْهُ الرُّماةُ فانقَمَع، فلمّا نظر الرُّماةُ إلى رسول الله ﷺ وأصحابِه في جوف عَسْكَرِ المشركين يَنتَهِبُونَه بادَرُوا إلى الغنيمة، فقال بعضُهم: لا نتركُ أمرَ رسول الله ﷺ. فانطلق عامَّتُهم، فلَحِقُوا بالعسكر، فلَمّا رأى خالدٌ قِلَّةَ الرُّماةِ صاح في خيله، ثُمَّ حَمَلَ، فقَتَلَ الرُّماةَ، وحمل على أصحاب النبي ﷺ، فلَمّا رأى المشركون أنّ خيلهم تُقاتِلُ تَنادَوْا، فشَدُّوا على المسلمين، فهزموهم، وقتلوهم. فأتى ابنُ قَمِئَةَ الحارثي -أحد بني الحارث بن عبد مناة بن كنانة- فرمى رسولَ الله ﷺ بحجرٍ، فكسر أنفَه ورَباعِيَتَه، وشجَّه في وجهه، فأثقَلَه، وتفرَّق عنه أصحابُه، ودخل بعضُهم المدينةَ، وانطلق بعضُهم فوق الجبل إلى الصخرة، فقاموا عليها، وجعل رسول الله ﷺ يدعو الناس: «إلَيَّ، عبادَ الله، إلَيَّ، عبادَ الله». فاجتمع إليه ثلاثون رجلًا، فجعلوا يسيرون بين يديه، فلم يقِفْ أحدٌ إلا طلحةُ وسهلُ بن حنيف، فحماه طلحةُ، فرُمِي بسهم في يدِه، فيَبِسَتْ يدُه. وأقبل أُبَيُّ بنُ خَلَفٍ الجمحي، وقد حَلَفَ لَيَقْتُلَنَّ النبيَّ ﷺ، فقال النبيُّ ﷺ: «بل أنا أقتلُه». فقال: يا كذابُ، أين تَفِرُّ مِنِّي؟ فحمل عليه، فطعنه النبيُّ ﷺ في جَنبِ الدِّرْع، فجُرِح جُرْحًا خفيفًا، فوقع يخُورُ خُوارَ الثَّوْرِ، فاحتملوه، وقالوا: ليس بك جِراحَةٌ، فما يُزْعِجُك؟ قال: أليس قال: لأقتلنك؟ والله، لو كانت لِجميعِ ربيعة ومُضَرَ لَقَتَلَتْهُم. ولم يلبث إلا يومًا أو بعضَ يوم حتى مات مِن ذلك الجُرْح. وفشا في الناسِ أنّ رسول الله ﷺ قد قُتِلَ، فقال بعضُ أصحاب الصخرة: ليت لنا رسولًا إلى عبد الله بن أُبَيٍّ، فنأخذ لنا أمَنَةً من أبي سفيان، يا قوم، إنّ محمدًا قد قُتِلَ؛ فارجعوا إلى قومكم قبل أن يأتوكم فيقتلوكم. فقال أنس بن النضر: يا قوم، إن كان محمدٌ قد قُتِل فإنّ ربَّ محمدٍ لم يُقْتَل؛ فقاتِلوا على ما قاتَل عليه محمدٌ ﷺ. اللَّهُمَّ، إنِّي أعتذرُ إليك مما يقول هؤلاء، وأبرأ إليك مما جاء به هؤلاء. ثم شدَّ بسيفه، فقاتَل حتى قُتِلَ رحمه الله، ورضي عنه-. وانطلق رسولُ الله ﷺ يدعو الناسَ، حتى انتهى إلى أصحاب الصخرة، فلمّا رأوه وضع رجلٌ سهمًا في قوسه، فأراد أن يرميه، فقال: «أنا رسولُ الله». ففرحوا حين وجدوا رسولَ الله ﷺ حيًّا، وفرح رسول الله ﷺ حين رأى أنّ في أصحابه مَن يمتنع به، فلما اجتمعوا وفيهم رسول الله ﷺ ذهب عنهم الحزن، فأقبلوا يذكرون الفتح وما فاتهم منه، ويذكرون أصحابَه الذين قتلوا، فقال الله عز وجل للذين قالوا: إنّ محمدًا قد قُتِلَ فارجعوا إلى قومكم: ﴿وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل أفإيْن مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم ومن ينقلب على عقبيه فلن يضر الله شيئا وسيجزي الله الشاكرين﴾
عن إسماعيل السُّدِّيّ -من طريق أسباط-: ﴿فما وهنوا﴾ فما وهن الرِّبِّيُّون ﴿لما أصابهم في سبيل الله﴾ مِن قتل النبي ﷺ. يقول: ما ضعفوا في سبيل الله لقتل النبيِّ
عن إسماعيل السُّدِّيّ -من طريق أسباط- ﴿وما ضعفوا وما استكانوا﴾، يقول: ما ذَلُّوا حين قال رسول الله ﷺ: «اللَّهُمَّ، ليس لهم أن يعلونا». ﴿ولا تهنوا ولا تحزنوا وأنتم الأعلون إن كنتم مؤمنين﴾