عن أبي العالية الرياحي -من طريق الربيع- قال: وكان فسادهم ذلك معصية الله؛ لأنّه مَن عصى الله في الأرض أو أمر بمعصية فقد أفسد في الأرض؛ لأنّه صلاح الأرض والسماء بالطاعة
عن أبي العالية الرِّياحِيِّ -من طريق الربيع بن أنس- في قوله: ﴿ونري فرعون وهامان وجنودهما منهم ما كانوا يحذرون﴾، قال: إنّ فرعون مَلَكَهم أربعمائة سنة، فقالت له الكهنة: إنّه يولد العامَ في مصر غلامٌ يُفْسِد عليك مُلكَك، ويكون هلاكُك على يديه. فبعث فرعون في مصر نساء قوابل ينظرْنَ، فإذا ولدت امرأةٌ غلامًا أُتِي به فرعون، فقتله، فكان يستحيي الجواري، فلمّا وُلِد موسى أوحى الله إلى أمه: ﴿أن أرضعيه فإذا خفت عليه فألقيه في اليم﴾، وهو البحر، فقيل لها: اتخذي تابوتًا، واجعليه فيه، ثم اقذفيه في البحر، ففعلت ذلك، وكان لفرعون قوم سيّارة يغوصون في البحر، فلما رأوا التابوت في البحر قالوا: هذه هديةٌ جاءت مِن السماء لربنا. يعنون: فرعون، فأخذوا التابوت، فانطلقوا به إلى فرعون، فنظر فرعون، فإذا هو غلام، فقال فرعون: إنِّي أراه من الأعداء. أي: من مولودي مصر، فأراد قتله، فقالت امرأة فرعون: ﴿قرة عين لي ولك لا تقتلوه عسى أن ينفعنا أو نتخذه ولدا﴾. قال: وكان فرعونُ لا يولد له إلا البنات، فتركه، فقالت أمُّ موسى لأخته: ﴿قصيه﴾. يعني: قُصِّي الأثر، فقصَّت الأثر حتى رأته عند فرعون، ﴿فبصرت به عن جنب﴾ يعني: مُجانِبة، تخاف وتتقي، فدُعِي له المراضع، فلم يقبل ثَدْيَ امرأةٍ منهن، فذهبت أخت موسى، فأخبرت أمها، وقالت: اذهبي، فقولي لهم: ﴿هل أدلكم على أهل بيت يكفلونه لكم وهم له ناصحون﴾. فانطلقت أخت موسى، فقالت لهم ذلك، فقالوا لها: نعم. فقبِل موسى ثديَها، فلم يزل عندهم ترضعه وهم لا يعلمون أنها أمُّه، حتى أتمت الرضاع، ثم ذهبت فتركته عندهم، فبينما موسى ذات يوم عند فرعون إذ لطم فرعون، فقال فرعون: قد قلتُ لكم: إنّه مِن الأعداء. وأراد قتله، فقالت امرأة فرعون: إنه صبيٌّ لا يعقِل، فجرِّبه إن شئتَ؛ اجعل في الطست ذهبًا وجمرة، فانظر على أيِّهما يقبض. ففعل فرعون ذلك، فأراد موسى أن يقبض على الذهب، فضرب الملَك الذي وُكِّل به يده، فصرفها إلى الجمرة، فقبض عليها موسى، فألقاها في فيه، فقالت امرأة فرعون: ألم أقل لك: إنه لا يعقل. قال: وكان إيمان امرأة فرعون من قِبَل امرأة خازن فرعون، وكان إيمان خازن فرعون مِن أثر يوسف، وإن امرأة خازن فرعون مشطت ابنة فرعون يومًا، فوقع منها المشط، فقالت: تعس مَن كفر بالله. فقالت لها بنتُ فرعون: ألكِ ربٌّ غير أبي؟ فقالت: ربِّي وربُّ أبيك وربُّكِ وربُّ كلِّ شيء اللهُ. فلطمتها ابنةُ فرعون، وضربتها، وأخبرت أباها، فأرسل إليها فرعون، فقال لها: أتعبدين ربًّا غيري؟ فقالت: ربي وربُّك وربُّ كل شيء اللهُ، وإيّاه أعبد. فكذبها فرعون، وأوتد لها أوتادًا، فشدَّ يديها ورجليها، وأرسل عليها الحيّات، وكانت كذلك، فأتى عليها يومًا، فقال لها: أما أنتِ مُنتَهِيَة؟ فقالت له: ربي وربك وربُّ كل شيء الله. فقال لها: فإنِّي ذابِحٌ ابنَك في فيك إن لم ترجعي. فقالت له: اقضِ ما أنت قاض. فذبح ابنَها في فيها، وإنّ روح ابنها بشَّرَها، فقال لها: اصبري، يا أُمَّه، فإنّ لكِ عند الله مِن الثواب كذا وكذا. فصبرت، ثم أتى عليها فرعونُ يومًا آخر، فقال لها مثل ذلك، فقالت له مثل ذلك، فذبح ابنها الأصغر في فيها، فبشرها روحه أيضًا، وقال لها: اصبري، يا أُمَّه، فإنّ لكِ عند الله من الثواب كذا وكذا. وذلك كله بعين امرأة فرعون، وسمعت كلام روح ابنها الأكبر ثم الأصغر، فآمَنَتْ امرأةُ فرعون، وقبض روح امرأة خازن فرعون، وكشف الغطاء عن ثوابها ومنزلتها وكرامتها في الجنة لامرأة فرعون حتى رأته، فازدادت إيمانًا ويقينًا وتصديقًا، واطَّلع فرعون على إيمانها، فخرج إلى الملأ، فقال لهم: ما تعلمون مِن آسية بنت مزاحم؟ فأثْنَوْا عليها، فقال لهم: فإنّها تعبد ربًّا غيري. فقالوا له: اقتلها. فأَوْتَد لها أوتادًا، وشدَّ يديها ورجليها، فدعت آسيةُ ربها، فقالت: ﴿رب ابن لي عندك بيتا في الجنة ونجني من فرعون وعمله ونجني من القوم الظالمين﴾. فكُشِف لها الغطاء، فنظرت إلى بيتها بيِّنًا في الجنة، ووافق ذلك أن حضرها فرعون، فضحكت حين رأت بيتها بيِّنًا في الجنة، فقال فرعون: ألا تعجبون مِن جنونها؟! إنّا نُعَذِّبها وهي تضحك! فقبض روحها. وإنّ مؤمنًا مِن آل فرعون كان يتعبَّد في جبل، فرآه رجلٌ، فأتى فرعون، فأخبره، فدعاه فرعون، فقال له: ما هذا الذي بلغني عنك؟ فقال لهم المؤمن: يا أيها الملأ، مَن ربكم؟ فقالوا: فرعون. قال: فإنِّي أشْهَد أنّ ربي وربكم واحد. فكذَّب فرعونُ الرجلَ الذي أتاه فأخبره عنه بإيمانه، فقتله