عن حذيفة بن اليمان، قال: سأل رجلٌ على عهد رسول الله ﷺ، فأمسك القومُ، ثم إنّ رجلًا أعطاه، فأعطى القومُ، فقال النبي ﷺ: «مَن سنَّ خيرًا، فاسْتُنَّ به؛ كان له أجرُه، ومِن أجور مَن يتبعه غير منتقص مِن أجورهم شيئًا، ومَنَّ سن شرًّا، فاسْتُنَّ به؛ كان عليه وِزرُه، ومِن أوزار مَن يتبعه غير منتقصٍ مِن أوزارهم شيئًا»
عن حذيفة، قال: قال رسول الله ﷺ: «أتاني جبريلُ وفي كفِّه مِرآة كأحسن المرائي وأضوئها، وإذا في وسطها لمعة سوداء، فقلت: لِمَن هذه اللمعة التي أرى فيها؟ قال: هذه الجمعة. قلت: وما الجمعة؟ قال: يوم مِن أيام ربك تعالى عظيم، وأخبرك بفضله وشرفه في الدنيا وما يرجى فيه لأهله، وأخبرك باسمه في الآخرة؛ وأما شرفه وفضله في الدنيا فإن الله جمع فيه أمر الخلق، وأمّا ما يرجى فيه لأهله فإن فيه ساعة لا يوافقها عبد مسلم أو أمَة مسلمة يسألان الله فيها خيرًا إلا أعطاهما إياه، وأما شرفه وفضله في الآخرة واسمه فإن الله عز وجل إذا صير أهل الجنة إلى الجنة وأهلَ النار إلى النار جَرَت عليهم هذه الأيام وهذه الليالي ليس فيها ليل ولا نهار، فأعلم الله عز وجل مقدار ذلك وساعاته، فإذا كان يوم الجمعة -حين يخرج أهل الجمعة إلى جمعتهم- نادى أهلَ الجنة مُنادٍ: يا أهل الجنة، اخرجوا إلى وادي المزيد. قال: ووادي المزيد لا يعلم سعته وطوله وعرضه إلا الله، فيه كثبان المسك، رؤوسها في السماء، يعني الذي قال، فيخرج غلمان الأنبياء بمنابر، ويخرج غلمان المؤمنين بكراسي من ياقوت، فإذا وضعت لهم وأخذ القوم مجالسهم بعث الله عليهم ريحًا تدعى المثيرة، تثير ذلك المسك، وتدخله من تحت ثيابهم، وتخرجه من وجوههم وأشعارهم، تلك الريح أعلم كيف تصنع بذلك المسك مِن امرأة أحدكم لو دفع إليها كل طيب على وجه الأرض، فقيل لها: لا يمنعك فيه قلة. كانت تلك الريح أعلم بما تصنع بذلك المسك من تلك المرأة لو دفع إليها من ذلك الطيب. قال: ثم يوحي الله عز وجل إلى حملة عرشه، فوضعوه بين أظهرهم، فيكون أول ما يسمعون منه: أين عبادي الذين أطاعوني بالغيب ولم يروني، وصدقوا رسلي، واتبعوا أمري، فسألوني، فهذا يوم المزيد. فيجتمعون على كلمة واحدة: ربنا رضينا عنك فارض عنا. ويرجع الله إليهم: أن يا أهل الجنة، لو لم أرض عنكم لم أسكنكم دياري، فما تسألوني؟ فهذا يوم المزيد. فيجتمعون على كلمة واحدة: ربِّ، وجهك ننظر إليه. فيكشف الله عن تلك الحُجُب، فيتَجَلّى لهم، فيغشاهم من نوره شيء لولا أنه قضى أنهم لا يحترقون لاحترقوا مما يغشاهم من نوره، ثم يقول لهم: ارجعوا إلى منازلكم. فيرجعون إلى منازلهم، وقد أعطي كل واحد منهم الضعف على ما كانوا فيه، فيرجعون إلى أزواجهم، وقد خفوا عليهن وخفين عليهم مما غشيهم من نوره، فإذا رجعوا فلا يزال النور حتى يرجعوا إلى صورهم التي كانوا عليها، فيقول لهم أزواجهم: لقد خرجتم من عندنا على صورة ورجعتم في غيرها. فيقولون: ذلك أن الله عز وجل تَجَلّى لنا فنظرنا منه. قال: إنّه -واللهِ- ما أحاط به خلقٌ، ولكنه أراهم من عظمته وجلاله ما شاء أن يريهم، فذكر قوله، فنظرنا منه، قال: وهم يتقلبون في مسك الجنة ونعيمها في كل سبعة أيام الضعف على ما كانوا فيه». قال رسول الله ﷺ: «فذلك قول الله عز وجل: ﴿فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ ما أُخْفِيَ لَهُمْ مِن قُرَّةِ أعْيُنٍ جَزاءً بِما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾»
عن حذيفة بن اليمان، قال: قال لي عمر بن الخطاب: كم تَعُدُّون سورةَ الأحزاب؟ قلتُ: اثنتين أو ثلاثًا وسبعين آية. قال: إن كانت لَتُقارِب سورةَ البقرة أو أطول، وكانت فيها آية الرجم
عن حذيفة بن اليمان، قال: قرأتُ سورة الأحزاب على النبي ﷺ، فنسيتُ منها سبعين آيةً ما وجدتها
عن حُذيفة بن اليمان، قال: لقد رأيتُنا ليلة الأحزاب ونحن صافُّون قعود، وأبو سفيان ومَن معه مِن الأحزاب فوقنا، وقريظة اليهود أسفلَ مِنّا نخافهم على ذرارينا، وما أتت علينا ليلةٌ قط أشد ظلمة، ولا أشد ريحًا، في أصوات ريحها أمثال الصواعق، وهي ظلمة ما يرى أحد مِنّا إصبعه، فجعل المنافقون يستأذنون النبي ﷺ، ويقولون: ﴿إنَّ بُيُوتَنا عَوْرَةٌ وما هِيَ بِعَوْرَةٍ﴾. فما يستأذنه أحد منهم إلا أذن له، فيتسلّلون، ونحن ثلاثمائة أو نحو ذلك، إذ استقبلنا رسول الله ﷺ رجلًا رجلًا، حتى مرَّ عَلَيَّ، وما علي جُنَّة مِن العدو ولا من البَرد إلا مِرْطٌ لامرأتي، ما يجاوز ركبتيّ، فأتاني وأنا جاثٍ على ركبتيّ، فقال: «مَن هذا؟». قلت: حذيفة بن اليمان. قال: «حذيفة بن اليمان؟». فتقاصرتُ إلى الأرض، فقلت: بلى، يا رسول الله؛ كراهية أن أقوم. قال: «قم». فقمت، فقال: «إنّه كان في القوم خبر، فأْتِنِي بخبر القوم». قال: وأنا من أشد الناس فزعًا، وأشدهم قُرًّا، فخرجتُ، فقال رسول الله ﷺ: «اللهم، احفظه من بين يديه، ومن خلفه، وعن يمينه، وعن شماله، ومن فوقه، ومن تحته». قال: فواللهِ، ما خلق الله فَزعًا ولا قُرًّا في جوفي إلا خرج مِن جوفي فما أجد منه شيئًا، فلما ولّيتُ قال: «يا حذيفة بن اليمان، لا تُحدِثنّ في القوم شيئا حتى تأتيني». فخرجتُ، حتى إذا دنوتُ من عسكر القوم نظرتُ في ضوء نار لهم توقد، وإذا رجلٌ أدهم ضخم يقول بيده على النار، ويمسح خاصرته ويقول: الرحيلَ الرحيلَ. ثم دخلتُ العسكر، فإذا أدنى الناس مِنِّي بنو عامر يقولون: يا آل عامر، الرحيلَ الرحيلَ، لا مُقام لكم. وإذا الريح في عسْكرهم ما تجاوز عسْكرهم شبرًا، فواللهِ، إني لأسمع صوت الحجارة في رحالهم وفُرشهم، الريح تضربهم، ثم خرجتُ نحو النبي ﷺ، فلما انتصفت في الطريق أو نحو ذلك إذا أنا بنحو من عشرين فارسًا متعمِّمين، فقالوا: أخبِر صاحبك أنّ الله كفاه القوم. فرجعت إلى رسول الله ﷺ وهو مُشتمل في شَمْلة يصلي، وكان إذا حزبه أمر صلّى، فأخبرته خبرَ القوم أني تركتهم يرتحلون؛ فأنزل الله: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إذْ جاءَتْكُمْ جُنُودٌ﴾
عن حذيفة بن اليمان -من طريق إبراهيم التيمي، عن أبيه- قال: قال رجل: لو أدركتُ رسول الله ﷺ لخدمتُه، ولفعلتُ. فقال حذيفة بن اليمان: لقد رأيتني ليلة الأحزاب ونحن مع رسول الله ﷺ، وكان رسول الله ﷺ يصلي من الليل في ليلة باردة، لم نرَ قبلَه ولا بعده بردًا كان أشدَّ منه، فحانت مِنِّي التفاتةٌ، فقال: «ألا رجل يذهب إلى هؤلاء فيأتينا بخبرهم! جعله الله معي يوم القيامة». قال: فما قام مِنّا إنسان. قال: فسكتوا، ثم عاد، فسكتوا، ثم قال: «يا أبا بكر». ثم اسْتَغْفَرَ اللهَ ورسولَه، ثم قال: إن شئتَ ذهبتُ. فقال: «يا عمر». فقال: أستغفرُ اللهَ ورسولَه. ثم قال: «يا حذيفة بن اليمان». فقلت: لبيك. فقمت حتى أتيتُ، وإنّ جَنبَيَّ لَيضرِبان مِن البرد، فمسح رأسي ووجهي، ثم قال: «ائت هؤلاء القوم حتى تأتينا بخبرهم، ولا تُحْدِثَنَّ حدثًا حتى ترجع». ثم قال: «اللهم، احفظه من بين يديه، ومن خلفه، وعن يمينه، وعن شماله، ومن فوقه، ومن تحته، حتى يرجع». قال: فلأن يكون أرسلها كان أحب إلَيَّ مِن الدنيا وما فيها. قال: فانطلقت، فأخذت أمشي نحوهم كأني أمشي في حمّامٍ. قال: فوجدتهم قد أرسل الله عليهم ريحًا، فقطعت أطْنابهم وأبنيتهم، وذهبت بخيولهم، ولم تدع لهم شيئًا إلا أهلكته. قال: وأبو سفيان قاعد يَصْطلي عند نار له. قال: فنظرتُ إليه، فأخذتُ سهمًا، فوضعته في كبد قوسي. قال: وكان حذيفة بن اليمان راميًا. فذكرت قول رسول الله ﷺ: «لا تحدثن حدثا حتى ترجع». قال: فرددت سهمي في كنانتي. قال: فقال رجل من القوم: ألا إنّ فيكم عينًا للقوم. قال: فأخذ كلٌّ بيد جليسِه، فأخذت بيد جليسي، فقلت: مَن أنت؟ قال: سبحان الله! أما تعرفني، أنا فلان بن فلان. فإذا رجل مِن هوازن، فرجعت إلى النبي ﷺ، فأخبرته الخبر، وكأني أمشي في حمّام، قال: فلما أخبرته ضحك حتى بدا أنيابه في سواد الليل، وذهب عني الدِّفاءُ، فأدناني رسول الله ﷺ، فأنامني عند رجليه، وألقى عليَّ طرف ثوبه، فإن كنت لَألزق بطني وصدري ببطن قدمه، فلما أصبحوا هزم الله الأحزاب، وهو قوله: ﴿فَأَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ رِيحًا وجُنُودًا لَمْ تَرَوْها﴾
عن حذيفة بن اليمان، أنّه قال لامرأته: إن سَرَّك أن تكوني زوجتي في الجنة فلا تتزوَّجي بعدي؛ فإنّ المرأة في الجنة لِآخر أزواجها في الدنيا؛ فلذلك حرُم أزواج النبي ﷺ أن يُنكحن بعده لأنهن أزواجه في الجنة
عن حذيفة، قال: قال رسول الله ﷺ: «ألا إنّ بعد زمانكم هذا زمانًا عَضُوضًا؛ يعَضُّ المُوسِرُ على ما في يده حذار الإنفاق، قال الله: ﴿وما أنْفَقْتُمْ مِن شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ﴾»
عن حذيفة، قال: قال رسول الله ﷺ: «يُبعَثُ ناسٌ إلى المدينة، حتى إذا كانوا ببيداء بَعَثَ اللهُ عليهم جبريل، فضربهم برجله ضربة، فيخسف الله بهم، فذلك قوله: ﴿ولَوْ تَرى إذْ فَزِعُوا فَلا فَوْتَ وأُخِذُوا مِن مَكانٍ قَرِيبٍ﴾»