عن تميم الداري: أنّه كان يُهْدِي لرسول الله ﷺ كلَّ عام راوِيةً مِن خمر، فلمّا كان عامُ حُرِّمَت الخمرُ جاء براوِيةٍ، فلمّا نظَر إليها ضَحِك، وقال: «هل شَعَرْتَ أنها قد حُرِّمَت؟». فقال: يا رسول الله، أفلا نبيعُها فنَنَتفِعَ بثمنها؟ فقال رسول الله ﷺ: «لَعَن اللهُ اليهود؛ انطَلَقوا إلى ما حرَّم اللهُ عليهم مِن شحوم البقر والغنم، فأذابُوه إهالةً، فباعُوا منه ما يأكُلون، والخمرُ حرامٌ ثمنُها، حرامٌ بَيعُها»
عن تميم الداري، في هذه الآية: ﴿يا أيها الذين آمنوا شهادة بينكم إذا حضر أحدكم الموت﴾، قال: برِئ الناسُ منها غيري وغيرَ عَدِيِّ بنِ بَدّاء. وكانا نصرانِيَّين يَختلفان إلى الشام قبلَ الإسلام، فأتَيا الشامَ لتجارتِهما، وقدِم عليهما مولًى لبني سهمٍ -يُقال له: بُدَيلُ بنُ أبي مريم- بتجارةٍ، ومعه جامٌ من فضةٍ يريدُ به الملكَ، وهو عُظمُ تجارتِه، فمرِض، فأوصى إليهما، وأمَرهما أن يُبلِغا ما ترَك أهلَه. قال تميم: فلمّا ماتَ أخَذنا ذلك الجامَ فبِعناه بألفِ دِرهم، ثم اقتَسمناه أنا وعَدِيُّ بنُ بَدّاء، فلما قدِمنا إلى أهلِه دفَعنا إليهم ما كان معنا، وفَقَدوا الجامَ، فسألونا عنه، فقُلنا: ما ترَك غيرَ هذا، وما دفَع إلينا غيرَه. قال تميم: فلما أسلَمتُ بعدَ قدومِ رسول الله ﷺ المدينة تأثمَّتُ من ذلك، فأتَيتُ أهلَه، فأخبرتُهم الخبرَ، وأدَّيتُ إليهم خمَسمائةِ درهمٍ، وأخبرتُهم أن عندَ صاحبي مثلَها، فأتَوا به رسول الله ﷺ، فسألَهم البينةَ، فلم يَجِدوا، فأمَرهم أن يَستَحلِفوه بما يُعَظَّمُ به على أهلِ دينِه، فحلَف؛ فأنزل الله: ﴿يا أيها الذين آمنوا شهادة بينكم﴾ إلى قوله: ﴿أن ترد أيمان بعد أيمانهم﴾. فقام عمرو بن العاصي ورجلٌ آخر، فحَلَفا، فنُزِعَتِ الخمسُمائة دِرهمٍ من عَدِيِّ بن بَدّاء
عن تميم الداري، قال: سمعتُ رسول الله ﷺ يقول: «لَيَبْلُغَنَّ هذا الأمرُ ما بلغ الليلُ والنهارُ، ولا يتركُ اللهُ بيتَ مَدَرٍ ولا وبَرٍ إلا أدخله هذا الدينَ، بعزِّ عزيز أو بذُلِّ ذليل؛ عِزًّا يُعِزُّ الله به الإسلامَ، وذُلًّا يُذِلُّ اللهُ به الكفرَ». فكان تميم الداري يقول: قد عرفتُ ذلك في أهل بيتي؛ لقد أصاب مَن أسلم منهم الخيرَ والشرفَ والعِزَّ، ولقد أصاب مَن كان منهم كافرًا الذُّلَ والصغارَ والجزيةَ
عن تميم الدّاريِّ، أنّ رسولَ الله ﷺ قال: «الدِّينُ النصيحةُ». قالوا: لِمَن، يا رسول الله؟ قال: «للهِ، ولكتابِه، ولرسولِه، ولأئِمَّةِ المسلمين، وعامَّتِهم»
عن تميم الداري، عن النبي ﷺ، قال: «يقول الله لملك الموت: انطلق إلى وليي، فائتني به، فإني قد جربته بالسراء والضراء فوجدته حيث أحب، فائتني به لأريحه من هموم الدنيا وغمومها. فينطلق إليه ملك الموت، ومعه خمسمائة من الملائكة، معهم أكفان وحَنُوطٌ من حنوط الجنة، ومعهم ضَبائِرُ الريحان، أصل الريحانة واحد وفي رأسها عشرون لونًا، لكل لون منها ريح سوى ريح صاحبه، ومعهم الحرير الأبيض فيه المسك الأَذْفَر، فيجلس ملك الموت عند رأسه، وتَحْتَوِشُهُ الملائكة، ويضع كل ملَك منهم يده على عضو من أعضائه، ويبسط ذلك الحرير الأبيض والمسك الأذفر تحت ذقنه، ويفتح له باب إلى الجنة، فإن نفسه لَتَعَلَّلُ عند ذلك بطرف الجنة؛ مرة بأزواجها، ومرة بكسوتها، ومرة بثمارها، كما يعلل الصبيَّ أهلُه إذا بكى، وإن أزواجه لَيَبْتَهِشْنَ عند ذلك ابتهاشًا، وتَنزُو الروح نَزْوًا، ويقول ملك الموت: اخرجي أيتها الروح الطيبة إلى سدر مخضود، وطلح منضود، وظل ممدود، وماء مسكوب. وملَك الموت أشدُّ تلطُّفًا به من الوالدة بولدها، يعرف أن ذلك الروح حبيب إلى ربه، كريم على الله، فهو يلتمس بلطفه تلك الروح رضا الله عنه، فسلَّ روحه كما تُسَلُّ الشعرة من العجين، وإن روحه لتخرج والملائكة حوله يقولون: سلام عليكم، ادخلوا الجنة بما كنتم تعملون. وذلك قوله: ﴿الذين تتوفاهم الملائكة طيبين يقولون سلام عليكم﴾. قال: ﴿فأما إن كان من المقربين فروح وريحان وجنة نعيم﴾ [الواقعة:٨٩]. قال: روح من جهد الموت، وروح يؤتى به عند خروج نفسه، وجنة نعيم أمامه. فإذا قبض ملك الموت روحه يقول الروح للجسد: لقد كنت بي سريعًا إلى طاعة الله، بطيئًا عن معصيته، فهنيئًا لك اليوم؛ فقد نجوت وأنجيت. ويقول الجسد للروح مثل ذلك، وتبكي عليه بقاع الأرض التي كان يطيع الله عليها كل باب من السماء كان يصعد منه عمله وينزل منه رزقه أربعين ليلة، فإذا قبضت الملائكة روحه أقامت الخمسمائة ملك عند جسده، لا يقلبه بنو آدم لشِقٍّ إلا قلبته الملائكة عليهم السلام قبلهم، وعَلَتْه بأكفان قبل أكفانهم، وحنوط قبل حنوطهم، ويقوم من باب بيته إلى باب قبره صفّان من الملائكة يستقبلونه بالاستغفار، ويصيح إبليس عند ذلك صيحة تَتَصَدَّع منها بعض عظام جسده، ويقول لجنوده: الويل لكم؛ كيف خلص هذا العبد منكم؟ فيقولون: إنّ هذا كان معصومًا. فإذا صعد ملك الموت بروحه إلى السماء يستقبله جبريل في سبعين ألفًا من الملائكة، كلهم يأتيه من ربه، فإذا انتهى ملك الموت إلى العرش خرَّت الروح ساجدة لربها، فيقول الله لملك الموت: انطلق بروح عبدي فضعه في سدر مخضود، وطلح منضود، وظل ممدود، وماء مسكوب. فإذا وُضِع في قبره جاءت الصلاة فكانت عن يمينه، وجاء الصيام فكان عن يساره، وجاء القرآن والذِّكر فكانا عند رأسه، وجاء مشيه إلى الصلاة فكان عند رجليه، وجاء الصبر فكان ناحية القبر، ويبعث الله عُنُقًا من العذاب فيأتيه عن يمينه، فتقول الصلاة: وراءكَ، واللهِ، ما زال دائبًا عمره كله، وإنما استراح الآن حين وضع في قبره. فيأتيه عن يساره، فيقول الصيام مثل ذلك، فيأتيه من قِبَل رأسه، فيقول له مثل ذلك، فلا يأتيه العذاب من ناحية فيلتمس هل يجد لها مساغًا إلا وجد وليَّ الله قد أحرزته الطاعة، فيخرج عنه العذاب عندما يرى، ويقول الصبرُ لسائر الأعمال: أما إنه لم يمنعني أن أباشره بنفسي إلا أني نظرت ما عندكم، فلو عجزتم كنت أنا صاحبُه، فأما إذا أجزأتم عنه فأنا ذخر له عند الميزان. قال: ويبعث الله إليه ملَكين أبصارهما كالبرق الخاطف، وأصواتهما كالرعد القاصف، وأنيابهما كالصَّياصِيِّ، وأنفاسهما كاللهب؛ يطآن في أشعارهما بين منكبي كل واحد منهما مسيرة كذا وكذا، قد نزعت منهما الرأفة والرحمة إلا بالمؤمنين، يقال لهما: منكر ونكير، وفي يد كل واحد منهما مطرقة لو اجتمع عليها الثقلان لم يقلوها. فيقولان له: اجلس. فيستوي جالسًا في قبره، فتسقط أكفانه في حقويه، فيقولان له: من ربك؟ وما دينك؟ ومن نبيك؟ فيقول: ربي الله وحده لا شريك له، والإسلام ديني، ومحمد نبي، وهو خاتم النبيين. فيقولان له: صدقت، فيدفعان القبر، فيُوسِّعانه من بين يديه، ومن خلفه، وعن يمينه، وعن يساره، ومن قِبَل رأسه، ومن قِبَل رجليه، ثم يقولان له: انظر فوقك. فينظر، فإذا هو مفتوح إلى الجنة، فيقولان له: هذا منزلك، يا وليَّ الله، لِما أطعت الله». قال رسول الله ﷺ: «فوالذي نفس محمد بيده، إنه لتصل إلى قلبه فرحة لا تَرْتَدُّ أبدًا، فيقال له: انظر تحتك. فينظر تحته، فإذا هو مفتوح إلى النار، فيقولان: يا وليَّ الله، نجوت من هذا. فوالذي نفسي بيده، إنّه لَتَصِل إلى قلبه عند ذلك فرحة لا ترتد أبدًا، ويفتح له سبعة وسبعون بابًا إلى الجنة يأتيه ريحها وبردها حتى يبعثه الله تعالى من قبره». قال: «ويقول الله تعالى لملَك الموت: انطلق إلى عدوي، فائتني به، فإني قد بسطت له رزقي، وسربلته نعمتي، وأبى إلا معصيتي، فائتني به لأنتقم منه اليوم. فينطلق إليه ملك الموت في أكره صورة رآها أحد من الناس، له ثنتا عشرة عينًا، ومعه سَفُّودٌ من النار كثير الشوك، ومعه خمسمائة من الملائكة، معهم نحاس وجمر مِن جمر جهنم، معهم سياط من النار تأجج، فيضربه ملك الموت بذلك السفود ضربة، يغيب أصلُ كل شوكة من ذلك السفود في أصل كل شعرة وعِرق من عروقه، ثم يلويه ليًّا شديدًا، فينزع روحَه من أظفار قدميه، فيلقيها في عقبيه، فيسكر عدوُّ الله عند ذلك سكرة، وتضرب الملائكة وجهه ودبره بتلك السياط، ثم يجذبه جذبة، فينزع روحه من عَقِبَيه، فيلقيها في ركبتيه، فيسكر عدوُّ الله سكرة، وتضرب الملائكة وجهه ودبره، ثم كذلك إلى حقويه، ثم كذلك إلى صدره، ثم كذلك إلى حلقه، ثم تبسط الملائكة ذلك النحاس وجمر جهنم تحت ذقنه، ثم يقول ملك الموت: اخرجي -أيتها النفس اللعينة الملعونة- إلى سموم وحميم، وظل من يحموم، لا بارد ولا كريم. فإذا قبض ملك الموت روحه قالت الروح للجسد: جزاك الله عني شرًّا، لقد كنت بي سريعًا إلى معصية الله، بطيئًا بي عن طاعة الله، فقد هلكت وأهلكت. ويقول الجسد للروح مثل ذلك، وتلعنه بقاع الأرض التي كان يعصي الله تعالى عليها، وتنطلق جنود إبليس إليه يُبَشِّرونه بأنهم قد أوردوا عبدًا من بني آدم النار، فإذا وضع في قبره ضُيِّق عليه قبرُه حتى تختلف أضلاعه؛ فتدخل اليمنى في اليسرى، واليسرى في اليمنى، ويبعث الله إليه حيّات دهمًا، تأخذ بأرنبته وإبهام قدميه، فتقرِضُه حتى تلتقي في وسطه، قال: ويبعث الله إليه الملَكين، فيقولان له: من ربك؟ وما دينك؟ ومن نبيُّك، فيقول: لا أدري. فيقال له: لا دريت، ولا تليت. فيضربانه ضربة يتطاير الشرار في قبره، ثم يعود، فيقولان له: انظر فوقك. فينظر، فإذا باب مفتوح من الجنة، فيقولان: عدوَّ الله، لو أطعت اللهَ كان هذا منزلك. فوالذي نفس محمد بيده، إنّه لتصل إلى قلبه عند ذلك حسرةٌ لا ترتدُّ أبدًا، ويفتح له باب إلى النار، فيقال: عدوَّ الله، هذا منزلك لما عصيت الله. ويفتح له سبعة وسبعون بابًا إلى النار، يأتيه حرها وسمومها، حتى يبعثه الله يوم القيامة إلى النار»