عن عبد الله بن أُنَيْس، قال: بعثني رسولُ الله ﷺ إلى خالدِ بنِ سفيان الهُذَلِيِّ، وكان نحوَ عُرَنَةَ وعرفات، فقال: «اذهبْ فاقتُلْه». قال: فرأيتُه وقد حضرتُ صلاةَ العصر، فقلتُ: إنِّي لَأخافُ أن يكون بيني وبينه ما أن أُؤَخِّر الصلاة. فانطلقتُ أمشي -وأنا أُصَلِّي، أُومِئُ إيماءً- نحوَه، فلمّا دنوتُ منه قال لي: مَن أنتَ؟ قلتُ: رجلٌ مِن العرب، بلغني أنّك تجمعُ لهذا الرجل، فجئتُك في ذلك. قال: إنِّي لَفي ذلك. فمشيت معه ساعةً، حتى إذا أمْكَنَنِي عَلَوْتُه بسيفي حتى بَرَد
قال يحيى بن سلّام: قال: ﴿بالليل والنهار من الرحمن﴾، أي: هم مِن الملائكة، كقوله: ﴿يحفظونه من أمر الله﴾ [الرعد:١١]، أي: هم من أمر الله، وهم ملائكة الله، هم حَفَظَةٌ مِن الله لبني آدم ولأعمالهم، يتعاقبون فيهم بالليل والنهار؛ ملائكة بالليل، وملائكة بالنهار، فيجتمعون عند صلاة الصبح، وعند صلاة العصر، فيسألهم ربُّهم -وهو أعلم بهم-: كيف تركتم عبادي؟ فيقولون: أتيناهم وهم يُصَلُّون، وتركناهم وهم يصلون. يحفظون العِباد مما لم يُقَدَّر لهم، ويحفظون عليهم أعمالهم
اختُلف في التسبيح الذي أمر به من الليل على أقوال: الأول: أنه عني به: صلاة العتمة. الثاني: المغرب والعشاء. الثالث: الصلاة بالليل في أي وقت صلى. ورجَّح ابنُ جرير (٢١/٤٦٨) -مستندًا إلى ظاهر اللفظ- القول الثالث الذي قاله مجاهد، فقال: «وذلك أنّ الله -جل ثناؤه- قال: ﴿ومن الليل فسبحه﴾ فلم يحدّ وقتًا مِن الليل دون وقت، وإذا كان ذلك كذلك كان على جميع ساعات الليل». ثم قال: «وإذا كان الأمر في ذلك على ما وصفنا فهو بأن يكون أمرًا بصلاة المغرب والعشاء أشبه منه بأن يكون أمرًا بصلاة العتمة؛ لأنهما يُصلَّيان ليلًا»
نقل ابنُ جرير (٧/٦٨٠-٦٨٣) اختلاف المفسرين في المقيمين الصلاة، أهم الراسخون في العلم أم غيرهم؟ على قولين: الأول: أنّ المقيمين الصلاة هم الراسخون في العلم. وهؤلاء اختلفوا في سبب مخالفة إعرابهم إعراب الراسخين في العلم، على قولين: أحدها: أنّ ذلك غلط من الكاتب، وإنما هو: لكن الراسخون في العلم منهم والمقيمون الصلاة، وذُكِر أنّ ذلك في قراءة ابن مسعود: (والمُقِيمُونَ الصَّلاةَ). ثانيها: أنّ المقيمين الصلاة من صفة الراسخين في العلم، لكن لما طال الكلام المعترض بينهما نُصِب على وجْه المدح. الثاني: المقيمون الصلاة من صفة غير الراسخين في العلم في هذا الموضع، وإن كان الراسخون في العلم من المقيمين الصلاة. وهؤلاء كلهم قالوا: موضع المقيمين في الإعراب خفضٌ، ثم اختلفوا في معنى الكلام على أقوال: أحدها: «معنى ذلك: والمؤمنون يؤمنون بما أُنزِل إليك وما أُنزِل من قبلك وبإقام الصلاة. قالوا: ثم ارتفع قوله: ﴿والمُؤْتُونَ الزَّكاةَ﴾ عطفًا على ما في ﴿يُؤْمِنُونَ﴾ من ذكر المؤمنين، كأنه قيل: والمؤمنون يؤمنون بما أنزل إليك هم والمؤتون الزكاة». ثانيها: «المقيمون الصلاة: الملائكة. قالوا: وإقامتهم الصلاة تسبيحُهم ربَّهم، واستغفارهم لمن في الأرض. قالوا: ومعنى الكلام: والمؤمنون يؤمنون بما أُنزِل إليك وما أُنزِل من قبلك وبالملائكة». ثالثها: «بل معنى ذلك: والمؤمنون يؤمنون بما أُنزِل إليك وما أُنزِل من قبلك، ويؤمنون بالمقيمين الصلاة، هم والمؤتون الزكاة، كما قال -جلَّ ثناؤه-: ﴿يُؤْمِنُ بِاللهِ ويُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [التوبة:٦١]». رابعها: «معنى ذلك: لكن الراسخون في العلم منهم، ومن المقيمين الصلاة. وقالوا: موضع ﴿والمُقِيمِينَ﴾ خفضٌ». خامسها: «معناه: والمؤمنون يؤمنون بما أُنزِل إليك وإلى المقيمين الصلاة». ورجَّح ابنُ جرير (٧/٦٨٣) مستندًا إلى القراءات أن يكون ﴿والمقيمين﴾ في موضع خفض عطفًا على ﴿وما﴾ التي في قوله: ﴿وما أُنْزِلَ مِن قَبْلِكَ﴾، «وأن يوجَّه معنى المقيمين الصلاة إلى الملائكة، فيكون تأويل الكلام: والمؤمنون منهم يؤمنون بما أُنزِل إليك يا محمد من الكتاب، وبما أُنزِل من قبلك من كتبي، وبالملائكة الذين يقيمون الصلاة؛ ثم يرجع إلى صفة الراسخين في العلم، فيقول: لكن الراسخون في العلم منهم والمؤمنون بالكتب والمؤتون الزكاة والمؤمنون بالله واليوم الآخر»، وقال مُعَلِّلًا: ""لأنه قد ذُكِر أن ذلك في قراءة أبيِّ بن كعب: ﴿والمقيمين﴾، وكذلك هو في مصحفه فيما ذَكَروا. ثم انتَقَدَ (٧/٦٨٤) مستندًا إلى رسم المصحف، وقراءة المسلمين قولَ عائشة، وأبان بن عثمان أنّ ذلك غلطٌ من الكاتب؛ بأنّه لو «كان ذلك خطأً من الكاتب لكان الواجب أن يكون في كل المصاحف غيرِ مصحفِنا الذي كتبه لنا الكاتب الذي أخطأ في كتابته، بخلاف ما هو في مصحفنا، وفي اتفاق مصحفنا ومصحف أبيٍّ في ذلك ما يدل على أنّ الذي في مصحفنا من ذلك صوابٌ غير خطأٍ، مع أنّ ذلك لو كان خطأً من جهة الخط لم يكن الذين أُخِذ عنهم القرآن من أصحاب رسول الله ﷺ يُعلِّمون من علَّموا ذلك من المسلمين على وجْه اللحن، ولأصلحوه بألسنتهم، ولقَّنوه الأمة تعليمًا على وجه الصواب. وفي نقل المسلمين جميعًا ذلك قراءةً على ما هو به في الخط مرسومًا أدلُّ الدليل على صحة ذلك وصوابه، وأن لا صُنْعَ في ذلك للكاتب». وانتَقَد (٧/٦٨٤-٦٨٥) باقي الأقوال مستندًا إلى الأفصح في لغة العرب، وعدم الدليل على صحّة بعضها قائلًا: «وأمّا مَن وجَّه ذلك إلى النصب على وجْه المدح للراسخين في العلم، وإن كان ذلك قد يحتمل على بُعْدٍ من كلام العرب؛ لِما قد ذكرتُ قبلُ من العلة، وهو أنّ العرب لا تعدل عن إعراب الاسم المنعوت بنعتٍ في نعته إلا بعد تمام خبره، وكلام الله أفصح الكلام؛ فغيرُ جائزٍ توجيهه إلا إلى الذي هو به من الفصاحة. وأما توجيه من وجَّه ذلك إلى العطف به على الهاء والميم في قوله: ﴿لَكِنِ الرّاسِخُونَ فِي العِلْمِ مِنهُمْ﴾، أو إلى العطف على الكاف من قوله: ﴿بِما أُنْزِلَ إلَيْكَ﴾، أو إلى الكاف من قوله: ﴿وما أُنْزِلَ مِن قَبْلِكَ﴾ فإنه أبعد من الفصاحة من نصبه على المدح؛ لما قد ذكرتُ قبلُ من قُبْحِ ردِّ الظاهر على المكنيِّ في الخفض. وأما توجيه مَن وجَّه المقيمين إلى الإقامة، فإنه دَعْوى لا برهان عليها من دلالة ظاهر التنزيل، ولا خبر تثبُتُ حجته، وغير جائزٍ نقل ظاهر التنزيل إلى باطنٍ بغير برهان». وفي هذا المعنى ذكر ابنُ تيمية (٢/٣٦٥) ما روي عن عثمان أنه قال: إنّ في القرآن لحنًا ستقيمه العرب بألستنها. ثم انتَقَدَهُ مستندًا إلى الدلالة العقلية قائلًا: «ومِمّا يُبَيِّن كذب ذلك: أنّ عثمان لو قدر ذلك فيه، فإنما رأى ذلك في نسخة واحدة، فأما أن تكون جميع المصاحف اتفقت على الغلط، وعثمان قد رآه في جميعها، وسكت: فهذا ممتنع عادة وشرعًا من الذين كتبوا، ومن عثمان، ثم من المسلمين الذين وصلت إليهم المصاحف ورأوا ما فيها، وهم يحفظون القرآن، ويعلمون أن فيه لحنًا لا يجوز في اللغة، فضلًا عن التلاوة، وكلهم يُقِرُّ هذا المنكر لا يغيره أحد، فهذا مما يعلم بطلانه عادة، ويعلم من دين القوم الذين لا يجتمعون على ضلالة؛ بل يأمرون بكل معروف وينهون عن كل منكر أن يدعوا في كتاب الله منكرًا لا يغيره أحد منهم، مع أنهم لا غرض لأحد منهم في ذلك، ولو قيل لعثمان: مر الكاتب أن يغيره لكان تغييره من أسهل الأشياء عليه. فهذا ونحوه مما يوجب القطع بخطأ من زعم أنّ في المصحف لحنًا أو غلطًا، وإن نقل ذلك عن بعض الناس ممن ليس قوله حجة، فالخطأ جائز عليه فيما قاله؛ بخلاف الذين نقلوا ما في المصحف وكتبوه وقرأوه، فإنّ الغلط ممتنع عليهم في ذلك، وكما قال عثمان: إذا اختلفتم في شيء فاكتبوه بلغة قريش. وكذلك قال عمر لابن مسعود: أقرئ الناس بلغة قريش، ولا تقرئهم بلغة هذيل؛ فإن القرآن لم ينزل بلغة هذيل». وانتَقَدَ ابنُ كثير (٤/٣٦٩) اختيار ابن جرير بأنّ المراد بالمقيمين الصلاة: الملائكة، قائلًا: «وفي هذا نظر»
عن الحسن البصري -من طريق عوف- ﴿إذْ عُرِضَ عَلَيْهِ بِالعَشِيِّ الصّافِناتُ الجِيادُ﴾: بلغني: أنّها كانت خيلًا أُخرِجَت مِن البحر لها أجنحة. قالوا: فصلّى سليمانُ الصلاة الأولى، وقعد على كرسيه وهي تُعرَض عليه، فعُرِضت عليه تسعمائة، فتنبَّه لصلاة العصر، فإذا الشمس قد غربت، وفاتته الصلاة، ولم يعلم بذلك، فاغتمَّ لذلك هَيبةً لله، فقال: ردوها عَلَيَّ. فردُّوها عليه، فأقبل يضرب سوقها وأعناقها بالسيف تقرُّبًا إلى الله عز وجل، وطلبًا لمرضاته، حيث اشتغل بها عن طاعته، وكان ذلك مباحًا له، وإن كان حرامًا علينا، كما أُبيح لنا ذبح بهيمة الأنعام، وبقي منها مائة فرس، فما بقي في أيدي الناس اليوم مِن الخيل يُقال مِن نسل تلك المائة
عن سالم بن عبد الله -من طريق حنظلة بن أبي سفيان- قال: وقوله عز وجل: ﴿ليس لك من الأمر شيء أو يتوب عليهم أو يعذبهم﴾ نزلت في سُهيل بن عمرو، وصفوان بن أمية، والحارث بن هشام، كان النبي ﷺ يدعو في الصلاة، فنزلت فيهم هذه الآية
عن يعلى بن أمية، قال: سألت عمر بن الخطاب، قلت: ﴿فليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة إن خفتم أن يفتنكم الذين كفروا﴾، وقد أمن الناس؟ فقال لي عمر: عجبتُ مما عجبتَ منه، فسألت رسول الله ﷺ عن ذلك، فقال: «صدقة تصدق الله بها عليكم، فاقبلوا صدقته»
قال مقاتل بن سليمان: ﴿فليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة إن خفتم أن يفتنكم الذين كفروا﴾، يعني: أن يقتلكم، كقوله: ﴿على خوف من فرعون وملئهم أن يفتنهم﴾ [يونس:٨٣]، يعني: أن يقتلكم الذين كفروا من أهل مكة، فيصيبوا منكم طائفة، ﴿إن الكافرين كانوا لكم عدوا مبينا﴾
عن حسان بن عطية، قال: إن الإيمان في كتاب الله صار إلى العمل، فقال: ﴿إنما المؤمنون الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم وإذا تليت عليهم آياته زادتهم إيمانا وعلى ربهم يتوكلون﴾، ثم صيَّرهم إلى العمل، فقال: ﴿الذين يقيمون الصلاة ومما رزقناهم ينفقون أولئك هم المؤمنون حقا﴾
عن مجاهد بن جَبْر -من طريق حُصَيْن- قال: خمس آيات في كتاب الله رُخْصَة، وليست بعَزْمَةٍ: ﴿وإذا حللتم فاصطادوا﴾ إن شاء اصطاد وان شاء لم يصطد، ﴿فإذا قضيت الصلاة فانتشروا﴾ [الجمعة:١٠]، ﴿أو على سفر فعدة من أيام أخر﴾ [البقرة:١٨٤]، ﴿فكلوا منها وأطعموا﴾ [الحج:٢٨]