قال ابن كثير (١٢‏/‏٢٦٥-٢٦٦): «﴿ومن كان يريد حرث الدنيا نؤته منها وما له في الآخرة من نصيب﴾ أي: ومَن كان إنما سعيه ليحصل له شيء من الدنيا، وليس له إلى الآخرة همة البتة بالكلية، حرمه الله الآخرة، والدنيا إن شاء أعطاه منها، وإن لم يشأ لم يحصل له لا هذه ولا هذه، وفاز هذا الساعي بهذه النية بالصفقة الخاسرة في الدنيا والآخرة. والدليل على هذا أن هذه الآية هاهنا مقيدة بالآية التي في»سبحان«وهي قوله تعالى: ﴿من كان يريد العاجلة عجلنا له فيها ما نشاء لمن نريد ثم جعلنا له جهنم يصلاها مذموما مدحورا ومن أراد الآخرة وسعى لها سعيها وهو مؤمن فأولئك كان سعيهم مشكورا كلا نمد هؤلاء وهؤلاء من عطاء ربك وما كان عطاء ربك محظورا انظر كيف فضلنا بعضهم على بعض وللآخرة أكبر درجات وأكبر تفضيلا﴾ [الإسراء:١٨-٢١]»

رجَّح ابنُ جرير (٢٢‏/‏١١) -مستندًا إلى اللغة، والسياق، والنظائر- أن قوله تعالى: ﴿وهُوَ بِالأُفُقِ الأَعْلى﴾ يعني: محمدًا ﷺ، ووجَّه ذلك بقوله: ""وذلك لَمّا أُسْرِي برسول الله ﷺ استوى هو وجبريل عليهما السلام بمطلع الشمس الأعلى، وعطف الأعلى، وعطف بقوله: ﴿وهُوَ﴾ على ما في قوله: ﴿فاسْتَوى﴾ من ذِكْرِ محمدٍ ﷺ، وأكثر كلام العرب إذا أرادوا العطف في مثل هذا الموضع أن يُظهِروا كناية المعطوف عليه، فيقولوا: استوى هو وفلانٌ. وقلَّما يقولون: استوى وفلانٌ. وقد ذكر الفراء عن بعض العرب أنه أنشده:ألم تر أن النَّبْعَ يصلُبُ عودُه ولا يستوي والخِرْوعُ المتقصِّفُومنه قول الله: ﴿أئِذا كُنّا تُرابًا وآباؤُنا﴾ [النمل:٦٧]، فعطف بالآباء على المُكنّى في: ﴿كُنّا﴾ من غير إظهار «نحن»، فكذلك قوله: ﴿فاسْتَوى وهُوَ﴾"". واستدرك ابنُ عطية (٨‏/‏١٠٨) على قول ابن جرير -مستندًا إلى اللغة- قائلًا: «وفي هذا التأويل العطف على المضمر المرفوع دون أن يؤكد، وذلك عند النحاة مستقبح». وعلَّق ابنُ كثير (١٣‏/‏٢٥٠) على قول ابن جرير بقوله: «وقد قال ابن جرير هاهنا قولًا لم أره لغيره، ولا حكاه هو عن أحد». ثم ذكر قوله وتوجيهه له من جهة العربية، ثم استدرك عليه -مستندًا إلى التاريخ- قائلًا: «وهذا الذي قاله من جهة العربية متجه، ولكن لا يساعده المعنى على ذلك؛ فإن هذه الرؤية لجبريل لم تكن ليلة الإسراء، بل قبلها، ورسول الله ﷺ في الأرض، فهبط عليه جبريل عليه السلام، وتدلى إليه، فاقترب منه وهو على الصورة التي خلقه الله عليها، له ستمائة جناح، ثم رآه بعد ذلك نزلة أخرى عند سدرة المنتهى -يعني: ليلة الإسراء- وكانت هذه الرؤية الأولى في أوائل البعثة بعد ما جاءه جبريل عليه السلام أول مرة...»

سورة الرعد — الآية ٣٩

عن أبي الدرداء، قال: قال رسول الله ﷺ: «إنّ الله تعالى ينزل في ثلاث ساعاتٍ يَبْقَينَ مِن الليل، فيفتحُ الذِّكْر في الساعة الأولى منها، ينظُرُ في الذِّكْر الذي لا ينظُرُ فيه أحدٌ غيره، فيمحو ما يشاءُ ويُثْبتُ، ثم ينزل في الساعة الثانية إلى جنَّةِ عدنٍ، وهي دارُه التي لم ترها عينٌ، ولم تخطر على قلب بشرٍ، لا يسكنها من بني آدم غيرُ ثلاثةٍ: النَّبِيِّين، والصدِّيقين، والشهداءِ، ثم يقولُ: طوبى لِمَن دخلَكِ. ثم ينزل في الساعة الثالثة إلى السماء الدنيا بروحه وملائكته، فتنتفضُ، فيقولُ: قُومِي بعِزَّتي. ثم يطَّلع إلى عباده، فيقول: هل مِن مستغفرٍ فأغفر له؟ هل مِن داعٍ فأجيبه؟ حتى يُصلّي الفجرُ». وذلك قوله: ﴿إنّ قرآنَ الفجرِ كان مشهودًا﴾ [الإسراء:٧٨]. يقول: «يشهده اللهُ، وملائكةُ الليلِ، وملائكةُ النهارِ»

سورة الزخرف — الآية ٤٥

عن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم -من طريق ابن وهب- في قوله: ﴿واسْأَلْ مَن أرْسَلْنا مِن قَبْلِكَ﴾ الآية، قال: جُمِعوا له ليلةَ أُسري به ببيت المقدس، فأمّهم، وصلّى بهم، فقال الله له: سَلْهم. قال: فكان أشدَّ إيمانًا ويقينًا باللهِ وبما جاءه مِن الله من أنْ يسألهم. وقرأ: ﴿فَإنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ مِمّا أنْزَلْنا إلَيْكَ فاسْأَلِ الَّذِينَ يَقْرَءُونَ الكِتابَ مِن قَبْلِكَ﴾ [يونس:٩٤]. قال: فلم يكن في شكّ، ولم يسأل الأنبياء، ولا الذين يقرءون الكتاب. قال: «ونادى جبريل عليه السلام، فقلتُ في نفسي: الآن يؤمّنا أبونا إبراهيم». قال: «فدفع جبريلُ في ظهري، قال: تقدّم -يا محمد- فصلِّ». وقرأ: ﴿سُبْحانَ الَّذِي أسْرى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ المَسْجِدِ الحَرامِ إلى المَسْجِدِ الأَقْصى﴾ حتى بلغ: ﴿لِنُرِيَهُ مِن آياتِنا﴾ [الإسراء:١]

اختُلِف في صفة إسرائه ﷺ، أكان بجسده وروحه، أم بروحه فقط؟ على قولين: الأول: أنّ الإسراء كان بجسده وروحه، يقظة لا منامًا. وهذا قول الجمهور. واختلف أصحاب هذا القول هل دخل ﷺ بيت المقدس، وصلّى فيه أم لا؟ على قولين، الثاني منهما قول حذيفة. والثاني: أنّ الإسراء كان بروحه فقط، وكانت الرؤيا منامية. وهذا قول عائشة، ومعاوية، وجوَّزه الحسن، وابن إسحاق. وعلَّقَ ابنُ كثير (٨‏/‏٤٠٠بتصرف) على قول حذيفة، فقال: «هذا الذي قاله حذيفة رضي الله عنهما نفي، وما أثبته غيرُه عن رسول الله ﷺ مِن ربط الدابة بالحلقة، ومن الصلاة ببيت المقدس، مُقدَّمٌ على قوله». وعلَّقَ ابنُ عطية (٥‏/‏٤٣٥بتصرف) على القول الثاني بقوله: «وركوب البُراق على قول هؤلاء يكون مِن جملة ما رأى في النوم». ثم قال: «واحتُجَّ لقول عائشة بقوله تعالى: ﴿وما جعلنا الرؤيا التي أريناك إلا فتنة للناس﴾، وهذا يحتمل القول الآخر؛ لأنه يقال لرؤية العين: رؤيا، واحتُجَّ أيضًا بأن في بعض الأحاديث: «فاستيقظت وأنا في المسجد الحرام». وهذا يحتمل أن يُرَدَّ من الإسراء إلى نوم. واعتُرِضَ قول عائشة بأنها كانت صغيرة لم تشاهد، ولا حدَّثت عن النبي ﷺ، وأما معاوية فكان كافرًا في ذلك الوقت، غير مشاهد للحال، صغيرًا، ولم يحدِّث عن النبي ﷺ». ورجَّحَ ابنُ جرير (١٤‏/‏٤٤٦-٤٤٧)، وكذا ابنُ عطية (٥‏/‏٤٣٥)، ومثلهما ابنُ كثير (٨‏/‏٤٣١-٤٣٢) قولَ الجمهور استنادًا إلى القرآن، وأقوال السلف، ودلالة العقل، وهو الظاهر مِن كلام ابن تيمية (٤‏/‏١٩٤). قال ابنُ عطية: «الصحيح ما ذهب إليه الجمهور، ولو كانت منامِيَّة ما أمكن قريشًا أن تُشَنِّع، ولا فُضِّل أبو بكر بالتصديق، ولا قالت له أم هاني: لا تحدِّث الناسَ بهذا فيكذبوك. إلى غير هذا من الدلائل». وقال ابنُ كثير (٨‏/‏٤٣١-٤٣٢بتصرف): «الحق أنّه ﷺ أُسْرِي به يقظةً لا منامًا، والدليل على هذا قوله تعالى: ﴿سبحان الذي أسرى بعبده ليلا من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى الذي باركنا حوله﴾، فالتسبيح إنما يكون عند الأمور العظام، فلو كان منامًا لم يكن فيه كبير شيء، ولم يكن مُسْتَعْظَمًا، ولَما بادرت كفارُ قريش إلى تكذيبه، ولَما ارتَدَّت جماعةٌ مِمَّن كان قد أسلم. وأيضًا فإنّ العبد عبارة عن مجموع الروح والجسد، وقد قال تعالى: ﴿أسرى بعبده ليلا﴾، وقال تعالى: ﴿وما جعلنا الرؤيا التي أريناك إلا فتنة للناس﴾، قال ابن عباس: هي رؤيا عين أُريها رسول الله ﷺ ليلة أسري به. رواه البخاري. وقال تعالى: ﴿ما زاغ البصر وما طغى﴾، والبصر مِن آلات الذّات، لا الروح. وأيضًا فإنه حُمِل على البُراق، وهو دابة بيضاء، براقة لها لمعان، وإنما يكون هذا للبدن لا للروح؛ لأنها لا تحتاج في حركتها إلى مركب تركب عليه». وبنحوهما قال ابنُ جرير

سورة الرعد — الآية ٤

عن الحسن البصري -من طريق أبي بكر بن عبد الله- في الآية، قال: هذا مَثَلٌ ضربه الله عز وجل لقلوب بني آم، كانت الأرضُ في يد الرحمن طينةً واحدةً، فسطَحها وبطَحها، فصارتِ الأرضُ قِطعًا متجاورةً، فينزِلُ عليها الماءُ من السماء، فتُخْرِج هذه زهرتَها وثمرَها وشجرَها، وتُخرج نباتها، وتُحْيِي موتاها، وتُخْرِج هذه سبَخَها ومِلْحها وخَبثَها، وكلتاهما تُسقى بماءٍ واحد، فلو كان الماءُ مالحًا قيل: إنّما اسْتَسْبَخَتْ هذه مِن قِبَل الماء. كذلك الناسُ خُلِقوا مِن آدم، فينزِلُ عليهم من السماء تذكرةٌ؛ فترِقُّ قلوبٌ فتخشع وتخضع، وتقسو قلوبٌ فتلهو وتسهُو وتجفُو. قال الحسنُ: واللهِ، ما جالس القرآن أحد إلا قام مِن عنده بزيادة أو نقصانٍ؛ قال الله تعالى:﴿وننزلُ من القرآنِ ما هُو شفاءٌ ورحمةٌ للمؤمنينَ ولا يزيدُ الظالمينَ إلا خسارًا﴾ [الإسراء:٨٢]

سورة النور — الآية ٢

قال زيد بن أسلم -من طريق سعيد بن أبي هلال-: كان في الزِّنا ثلاثة أنحاء؛ أمّا نَحْوٌ فقال الله: ﴿ولا تقربوا الزنا إنه كان فاحشة﴾ [الإسراء:٣٢]، فلم يَنْتَهِ الناسُ. قال: ثم نزل: ﴿واللاتي يأتين الفاحشة من نسائكم فاستشهدوا عليهن أربعة منكم فإن شهدوا فأمسكوهن في البيوت حتى يتوفاهن الموت أو يجعل الله لهن سبيلا﴾ [النساء:١٥]، كانت المرأة الثَّيِّبُ إذا زنتْ، فشهد عليها أربعةٌ؛ عُطِّلَت فلم يتزوجها أحد، فهي التي قال الله: ﴿ولا تعضلوهن إلا أن يأتين بفاحشة مبينة﴾ [النساء:١٩]. قال زيد: ثم نزلت: ﴿واللذان يأتيانها منكم فآذوهما﴾ [النساء:١٦]، فهذان البِكْران اللذان لم يتزوجا، وأذاهما: أن يُعْرَفا بذنبهما، فيُقال: يا زانٍ. حتى تُرى منهما توبة، حتى نزل السبيل، قال: ﴿الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة﴾، فهذا للبِكْرَيْن. قال زيد: وكان للثيب الرجم

اختُلف في معنى قوله: ﴿ودوا لو تدهن فيدهنون﴾ على قولين: الأول: أنّ المعنى ذلك: ودّ المُكذِّبون بآيات الله لو تَكفر بالله -يا محمد- فيكفرون. الثاني: ودُّوا لو تُرخِّص لهم فيُرخِّصون، أو تَلين في دينك فيَلينون في دينهم. ورجَّح ابنُ جرير (٢٣/١٥٧) -مستندًا إلى النظائر، واللغة- القول الثاني الذي قاله ابن عباس من طريق العَوفيّ، ومجاهد، وقتادة، فقال: «وأولى القولين في ذلك بالصواب: قولُ مَن قال: معنى ذلك: ودّ هؤلاء المشركون -يا محمد- لو تَلين لهم في دينك بإجابتك إياهم إلى الرُّكون إلى آلهتهم، فيَلينون لك في عبادتك إلهك، كما قال -جلّ ثناؤه-: ﴿ولولا أن ثبتناك لقد كدت تركن إليهم شيئًا قليلا إذا لأذقناك ضعف الحياة وضعف الممات﴾ [الإسراء:٧٤-٧٥]. وإنما هو مأخوذ من الدُّهن، شبّه التّليين في القول بَتليين الدُّهن»

سورة البقرة — الآية ٢٢١

عن عبد الله بن عباس -من طريق الكَلْبِيِّ، عن أبي صالح-: أنّ رسول الله ﷺ بَعَثَ رجلًا من غَنِي -يُقال له: مَرْثَد بن أبي مَرْثَد، حليفًا لبني هاشم- إلى مكة؛ ليُخْرِج ناسًا من المسلمين بها أُسَراء، فلما قَدِمها سَمِعَتْ به امرأةٌ يُقالُ لها: عَناق، وكانت خليلةً له في الجاهلية، فلَمّا أسلم أعرض عنها، فأتَتْهُ، فقالت: ويْحَك يا مرثدُ، ألا نخلو! فقال لها: إنّ الاسلام قد حال بيني وبينك، وحَرَّمه علينا، ولكن إن شئتِ تزوجتُكِ، إذا رجعتُ إلى رسول الله ﷺ استأذنتُه في ذلك، ثُمَّ تزوجتُك. فقالت له: أبِي تَتَبَرَّمُ؟! ثم استغاثت عليه، فضربوه ضربًا شديدًا، ثم خَلَّوْا سبيلَه، فلما قضى حاجته بمكة انصرف إلى رسول الله ﷺ راجعًا، وأَعْلَمَه الذي كان من أمرِه وأمرِ عَناق، وما لَقِي في سببها، فقال: يا رسول الله، أيَحِلُّ أن أتزوجها؟ فأنزل الله ينهاه عن ذلك قولَه: ﴿ولا تَنْكِحُوا المُشْرِكاتِ حَتّى يُؤْمِنَّ﴾

انتَقَدَ ابنُ جرير (٣‏/‏٦٩٣ بتصرف) هذا القولَ الذي قال به ابن عباس من طريق علي، وطاووس من طريق ابن جريج، مستندًا إلى السنة والنظائر، فقال: «لا وجْهَ لقولِ من يقول:... ؛ لأن النبيَّ ﷺ لَمّا قال له أبو لُبابة: إنّ مِن توبتي أن أنْخَلِع إلى الله ورسوله من مالي صدقةً. قال النبي ﷺ: «يكفيك من ذلك الثلثُ». وكذلك رُوِي عن كعب بن مالك: أنّ النبي ﷺ قال له نحوًا من ذلك. والثلثُ لا شك أنه بَيِّنٌ فقدُه من مال ذي المال. ولكنه عندي كما قال -جل ثناؤه-: ﴿والذين إذا أنفقوا لم يسرفوا ولم يقتروا وكان بين ذلك قواما﴾ [الفرقان:٦٧]، وكما قال -جلَّ ثناؤه- لمحمد ﷺ: ﴿ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك ولا تبسطها كل البسط فتقعد ملوما محسورا﴾ [الإسراء:٢٩]، وذلك هو ما حدَّه ﷺ فيما دون ذلك على قَدْرِ المالِ واحتمالِه»