عن عبد الله بن عباس -من طريق الضَّحّاك-: أنّ وفد نجران قدموا على رسول الله ﷺ سبعة أساقفة مِن بني الحارث بن كعب، فيهم السيّد، والعاقب، فقالوا للنبي ﷺ: صِف لنا ربّك مِن أي شيء هو؟ فقال النبي ﷺ: «إنّ ربي ليس من شيء، وهو بائن من الأشياء». فأنزل الله سبحانه: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أحَدٌ﴾ أي: واحد
اختلف في معنى: ﴿الصَّمَد﴾ في هذه الآية على أقوال: الأول: هو الذي لا جوف له، ولا يأكل ولا يشرب. الثاني: الذي لا يخرج منه شيء. الثالث: الذي لم يلد ولم يولد. الرابع: السيّد الذي قد انتهى في سؤدده. الخامس: هو الباقي الذي لا يفنى. ووجَّه ابنُ عطية (٨/٧١١) القول بأن المعنى: «الذي لا جوف له» بقوله: «كأنه بمعنى: المُصمَت». ووجَّه ابنُ كثير (١٤/٥١٣) القول الثالث -وهو قول الربيع بن أنس، وما في معناه- بقوله: «كأنه جعل ما بعده تفسيرًا له، وهو قوله: ﴿لم يلد ولم يولد﴾». ثم علَّق عليه بقوله: «وهو تفسير جيد». وذكر ابنُ جرير (٢٤/٧٣٧) أنّ ""﴿الصَّمَد﴾ عند العرب هو السيِّد الذي يُصمَد إليه، الذي لا أحد فوقَه، وكذلك تُسمِّي أشرافها. ومنه قَوْل الشّاعر:ألا بَكَرَ النّاعِي بِخَيْرَيْ بَنِي أسَدْ بِعَمْرِو بْنِ مَسْعُودٍ وبِالسَّيِّدِ الصَّمَدوقال الزِّبْرِقانُ:ولا رَهِينَةَ إلّا سَيِّدٌ صَمَدُ"". ثمَّ رجَّح القول الرابع -مستندًا إلى اللغة- قائلًا: «فإذ كان ذلك كذلك فالذي هو أولى بتأويل الكلمة: المعنى المعروف من كلام من نزل القرآن بلسانه، ولو كان حديث ابن بُرَيْدة عن أبيه صحيحًا كان أولى الأقوال بالصحة؛ لأنّ رسول الله أعلمُ بما عَنى الله -جلَّ ثناؤه-، وبما أنزَل عليه». وذكر ابنُ تيمية (٧/٢٨٥) أنّ معنى ﴿الصَّمَد﴾: «فيه للسلف أقوال متعددة قد يظن أنها مختلفة؛ وليس كذلك». ورجَّح أنّ «كلّها صواب، والمشهور منها قولان: أحدهما: أنّ الصَّمَد هو الذي لا جوف له. والثاني: أنه السيّد الذي يُصمَد إليه في الحوائج. والأول هو قول أكثر السلف من الصحابة والتابعين وطائفة من أهل اللغة، والثاني قول طائفة من السلف والخلف وجمهور اللغويين». وذكر (٧/٣٦٩) في موضع آخر هذين القولين المشهورين، ثم قال: «وكلا القولين حقّ؛ فإنّ لفظ»الصَّمَد«في اللغة يتناول هذا وهذا، والصَّمَد في اللغة: السيد؛ والصَّمَد أيضًا: المُصمد، والمُصمد: المُصمت، وكلاهما معروف في اللغة. ولهذا قال يحيى بن أبي كثير: الملائكة صَمد، والآدميون جوف. وهذا أيضًا دليل آخر؛ فإنه إذا كانت الملائكة - وهم مخلوقون من النور كما ثبت في صحيح مسلم عن عائشة عن النبي أنه قال: «خُلقت الملائكة من نور، وخُلق الجان من نار، وخُلق آدم مما وصف لكم»-، فإذا كانوا مخلوقين من نور؛ وهم لا يأكلون ولا يشربون، بل هم صَمد ليسوا جوفًا كالإنسان، وهم يتكلّمون ويسمعون ويُبصرون ويصعدون وينزلون كما ثبت ذلك بالنصوص الصحيحة، وهم مع ذلك لا تماثل صفاتهم وأفعالهم صفات الإنسان وفعله؛ فالخالق تعالى أعظم مباينة لمخلوقاته مِن مباينة الملائكة للآدميين؛ فإنّ كليهما مخلوق، والمخلوق أقرب إلى مشابهة المخلوق من المخلوق إلى الخالق»
قال مقاتل بن سليمان: ﴿ثُمَّ تَوَلَّوْا عَنْهُ﴾ يقول: ثم أعرضوا عن محمد ﷺ إلى الضّلالة، ﴿وقالُوا مُعَلَّمٌ مَجْنُونٌ﴾ قال ذلك عُقبة بن أبي مُعيط: إنّ محمدًا مجنون. وقالوا: إنّما يعلمه جَبْرٌ غُلامُ عامر بن الحضرمي. وقالوا: لئن لم ينته جبرٌ غلامُ عامر بن الحضرمي -فأوعدوه- لنَشترينّه مِن سيّده، ثم لنُصلِينّه، حتى ينظر هل ينفعه محمد أو يغني عنه شيئًا!
عن عبد الله بن عباس، في قول الله: ﴿واليَوْمِ المَوْعُودِ وشاهِدٍ ومَشْهُودٍ﴾، قال: اليوم الموعود: يوم القيامة، والشاهد: يوم الجمعة، والمشهود: يوم عرفة، وهو الحج الأكبر، فيوم الجمعة جعله الله عيدًا لمحمد وأُمّته، وفَضَّلهم بها على الخَلْق أجمعين، وهو سيّد الأيام عند الله، وأحبّ الأعمال فيه إلى الله، وفيه ساعة لا يوافقها عبد مسلم يُصلّي يسأل الله فيها خيرًا إلا أعطاه إيّاه
عن عبد الله بن عباس -من طريق الكلبي، عن أبي صالح- قال: نزلتهذه الآية في عبد الله بن أُبَيٍّ وأصحابه، وذلك أنهم خرجوا ذات يوم، فاستقبلهم نفرٌ من أصحاب رسول الله - ﷺ -، فقال عبد الله بن أُبَيٍّ: انظروا كيف أردُّ هؤلاء السفهاء عنكم. فذهب، فأخذ بيد أبي بكر، فقال: مرحبًا بالصِّدِّيق، سيد بني تيم، وشيخ الإسلام، وثاني رسول الله في الغار، الباذل نفسه وماله لرسول الله - ﷺ -. ثم أخذ بيد عمر، فقال: مرحبًا بسيد عَدِيِّ بن كعب الفاروق، القوي في دين الله، الباذل نفسه وماله لرسول الله - ﷺ -. ثم أخذ بيد عليٍّ، وقال: مرحبًا بابن عم رسول الله، وخَتَنِه، سيِّد بني هاشم ما خلا رسول الله - ﷺ -. ثم افترقوا، فقال عبد الله لأصحابه: كيف رأيتموني فعلت؟ فإذا رأيتموهم فافعلوا كما فعلتُ. فأثنوا عليه خيرًا، فرجع المسلمون إلى النبي، وأخبروه بذلك، فنزلت هذه الآية
في قوله: ﴿الشمس والقمر بحسبان﴾ أقوال: الأول: أنهما بحُسْبان، ومنازل لهما يجريان ولا يعدوانها. الثاني: أنهما يجريان بقدر. الثالث: أنهما يدوران في مثل قُطب الرّحى. وقد رجّح ابنُ جرير (٢٢/١٧٣) -مستندًا إلى اللغة- القول الأول، فقال: «وأولى الأقوال في ذلك بالصواب قول مَن قال: معناه: الشمس والقمر يجريان بحساب ومنازل؛ لأنّ الحُسْبان مصدر من قول القائل: حسبته حسابًا وحسبانًا، مثل قولهم: كفرته كفرانًا، وغفرته غفرانًا، وقد قيل: إنه جمع حساب، كما الشهبان: جمع شهاب». وعلّق ابنُ تيمية (٦/١٦٥) على القول الثالث، فقال: «فهذا مما لا خلاف فيه، بل قد دلّ الكتاب والسنة وأجمع علماء الأُمّة على مثل ما عليه أهل المعرفة مِن أهل الحساب من أنّ الأفلاك مستديرة لا مُسطحة»
قال مالك [بن أنس] في طلاق الرجل امرأتَه قبل أن يدخل بها، وهي بِكْرٌ، فيعفو أبوها عن نصف الصَّداق: إنّ ذلك جائزٌ لزوجها مِن أبيها، فيما وضع عنه. قال مالك: وذلك أنّ الله -تبارك وتعالى- قال في كتابه: ﴿إلا أن يعفون﴾ فهُنَّ النساءُ اللاتي قد دُخِل بِهِنَّ، ﴿أو يعفو الذي بيده عقدة النكاح﴾ فهو الأبُ في ابنته البِكْر، والسيِّدُ في أمَتِه. قال مالك: وهذا الذي سمعتُ في ذلك، والذي عليه الأمر عندنا
قال مقاتل بن سليمان: ﴿وقالوا كونوا هودًا أو نصارى تهتدوا﴾، وذلك أنّ رُؤُوس اليهود -كَعْب بن الأَشْرف، وكَعْب بن أُسَيْد، وأبا ياسر ابن أخْطَب، ومالك بن الضَّيْف، وعازارا، وإشْماوِيل، وخميشا، ونصارى نجران السَّيِّد والعاقِب ومَن معهما- قالوا للمؤمنين: كونوا على ديننا؛ فإنه ليس دينٌ إلا ديننا. فكذبهم اللَّه تعالى، فقال: قل: بل الدين ملة إبراهيم
عن ابن جُرَيْج، قال: قال عطاء بن أبي رباح في قوله: ﴿لكم فيها منافع إلى أجل مسمى﴾، قال: إلى أن تُنحَر. قال: له أن يحمل عليها المُعْي، والمنقطع به، من الضرورة؛ كان النبي ﷺ يأمر بالبدنة إذا احتاج إليها سيِّدُها أن يحمل عليها، ويركب غير منهوكة. قلت لعطاء: ما؟ قال: الرجلُ الراجلُ، والمنقطع به، والمتبعُ، وإن نُتِجت أن يحمل عليها ولدها، ولا يشربَ من لبنها إلا فضلًا عن ولدها، فإن كان في لبنها فضل فليشرب مَن أهداها ومَن لم يُهدِها
عن عبد الله بن عباس -من طريق العوفي-: أنّ رَهْطًا مِن أهل نجران قدموا على النبي ﷺ، وكان فيهم السيِّد والعاقِب، فقالوا له: ما شأنُك تذكر صاحبنا؟ قال: «مَن هو؟». قالوا: عيسى، تزعم أنّه عبد الله. قال: «أجل، إنّه عبد الله». قالوا: فهل رأيتَ مثل عيسى، أو أُنبِئْت به؟ ثم خرجوا من عنده، فجاءه جبريل، فقال: قل لهم إذا أتوك: ﴿إن مثل عيسى عند الله كمثل آدم﴾ إلى آخر الآية