اختُلِف في المشار إليه بـ﴿ذلك﴾ على ثلاثة أقوال: أولها: أنّه متوجه إلى القتل؛ لأنه أقرب مذكور. وهذا قول عطاء. وثانيها: أنه متوجه إلى أكل المال بالباطل، وقتل النفس بغير حقٍّ؛ لأن النهي عنهما جاء متَّسقًا مسرودًا، ثم ورد الوعيد حسب النهي. وثالثها: أنه متوجه إلى كلِّ ما نهى عنه من القضايا من أول السورة، إلى قوله تعالى: ﴿ومن يفعل ذلك﴾. وذَهَبَ ابنُ جرير (٦/٦٣٩) مستندًا إلى دلالة العقل، والسياق إلى أنّه متوجه إلى ما نهى عنه من آخر وعيد؛ وذلك قوله تعالى: ﴿لا َيحِلُّ لَكُمْ أن تَرِثُواْ النِّساءَ كَرْهًا﴾؛ لأنّ كل ما نهي عنه من أول السورة قُرِن به وعيد إلا من قوله: ﴿لا َيحِلُّ لَكُمْ أن تَرِثُواْ النِّساءَ كَرْهًا﴾، فإنّه والنواهي بعده لا وعيد معها إلا قوله: ﴿ومن يفعل ذلك عدوانا وظلما﴾
عن إسماعيل السُّدِّيّ، قال: ﴿فَأَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ سَيْلَ العَرِمِ﴾ كان أهل سبأ أُعطوا ما لم يُعطه أحد مِن أهل زمانهم، فكانت المرأة تَخرج على رأسها المِكتل فتريد حاجتها، فلا تبلغ مكانها الذي تريد حتى يمتلئ مِكتلها من أنواع الفاكهة، فأَجَمُوا ذلك، فكذَّبوا رسلهم، وقد كان السيل يأتيهم من مسيرة عشرة أيام حتى يستقرَّ في واديهم، فيجتمع الماء من تلك السيول والجبال في ذلك الوادي، وكانوا قد حصروه بِمُسنّاة، وهم يُسمون المُسنّاة: العَرم، وكانوا يفتحون إذا شاءوا مِن ذلك الماء، فيسقون جِنانَهم إذا شاءوا، فلمّا غضب الله عليهم وأذِن في هلاكهم دخل رجلٌ إلى جنته، وهو عمرو بن عامر فيما بلغنا، وكان كاهنًا، فنظر إلى جرذة تنقل أولادها مِن بطن الوادي إلى أعلى الجبل، فقال: ما نقلت هذه أولادَها من هاهنا إلا وقد حضر أهلَ هذه البلاد عذابٌ. ويُقدَّر أنها خَرقت ذلك العَرم، فنقبتْ نقبًا، فسال ذلك الماء مِن ذلك النقب إلى جنته، فأمَر بذلك النقْب فسُدّ، فأصبح وقد انفجر بأعظم ما كان، فأمَر به أيضًا فسُدّ، ثم انفجر بأعظم ما كان، فلما رأى ذلك دعا ابن أخيه، فقال: إذا أنا جلستُ العَشِيَّة في نادي قومي فائْتِني، فقل: علامَ تحبس عَلَيَّ مالي؟ فإني سأقول: ليس لك عندي مال، ولا ترك أبوك شيئًا، وإنك لكاذب. فإذا أنا كذَّبتك فكذِّبني، واردُد عليَّ مثلَ ما قلتُ لك، فإذا فعلتَ ذلك فإني سأشتمك فاشتمني، فإذا أنت شتمتني لطمتُك، فإذا أنا لطمتُك فقم فالطمني. قال: ما كنتُ لاستقبلك بذلك، يا عم! قال: بلى، فافعل، فإني أريد بها صلاحك وصلاح أهل بيتك. فقال الفتى: نعم. حيث عرف هوى عمه، فجاء، فقال ما أُمر به حتى لطمه، فتناوله الفتى فلطمه، فقال الشيخ: يا معشر بني فلان، أُلْطَم فيكم؟! لا سكنتُ في بلدٍ لطمني فيه فلانٌ أبدًا، مَن يبتاع مني؟ فلمّا عرف القوم منه الجِدَّ أعطوه، فنظر إلى أفضلهم عطيَّة فوجب له البيع، فدعا بالمال، فنقده، وتحمَّل هو وبنوه من ليلته، فتفرقوا
رجَّح ابنُ القيم (٢/٢٧٩) أنّ الميراث: هو ميراث العلم والنبوة فقط، مستندًا إلى الإجماع، ودلالة العقل، والسياق، والنظائر، فقال: «هو ميراث العلم والنبوة لا غير، وهذا باتفاق أهل العلم من المفسرين وغيرهم، وهذا لأنّ داود عليه السلام كان له أولاد كثير سوى سليمان، فلو كان الموروث هو المال لم يكن سليمان مختصًّا به. وأيضًا فإنّ كلام الله يصان عن الإخبار بمثل هذا؛ فإنه بمنزلة أن يقال: مات فلان وورثه ابنه. ومِن المعلوم أنّ كلَّ أحد يرثه ابنه، وليس في الإخبار بمثل هذا فائدة، وأيضًا فإنّ ما قبل الآية وما بعدها يبين أنّ المراد بهذه الوراثة وراثة العلم والنبوة لا وراثة المال، قال تعالى: ﴿ولقد آتينا داوود وسليمان علما وقالا الحمد لله الذي فضلنا على كثير من عباده المؤمنين وورث سليمان داوود﴾، وإنما سيق هذا لبيان فضل سليمان، وما خصَّه الله به من كرامته وميراثه ما كان لأبيه من أعلى المواهب، وهو العلم والنبوة، ﴿إن هذا لهو الفضل المبين﴾، وكذلك قول زكريا ﷺ: ﴿وإني خفت الموالي من ورائي وكانت امرأتي عاقرا فهب لي من لدنك وليا يرثني ويرث من آل يعقوب واجعله رب رضيا﴾ [مريم:٥-٦]، فهذا ميراث العلم والنبوة والدعوة الى الله، وإلا فلا يظن بنبي كريم أنه يخاف عصبته أن يرثوه ماله، فيسأل الله العظيم ولدًا يمنعهم ميراثه، ويكون أحق به منهم! وقد نزه الله أنبياءه ورسله عن هذا وأمثاله». وبنحوه ابنُ تيمية (٥/٦٤)، إلا أنه انتقد الاستدلال بقوله تعالى: ﴿فهب من لدنك وليا يرثني﴾، مستندًا إلى اللغة، فذكر أنه: «لا يدل على محل النزاع؛ لأنّ الإرثَ اسمُ جنس تحته أنواع، والدالُّ على ما به الاشتراك لا يدل على ما به الامتياز، فإذا قيل: هذا حيوان. لا يدل على أنه إنسان أو فرس أو بعير، وذلك أنّ لفظ الإرث يستعمل في إرث العلم والنبوة والملك وغير ذلك من أنواع الانتقال، قال تعالى: ﴿ثم أورثنا الكتاب الذين اصطفينا من عبادنا﴾ [فاطر:٣٢]»
عن إسماعيل السُّدِّيّ -من طريق أسباط- ﴿يا أيها الذين آمنوا شهادة بينكم﴾ إلى قوله: ﴿ذوا عدل منكم﴾ قال: هذا في الوصية عند الموت، يوصي ويُشهِد رجلين من المسلمين على ماله وعليه، قال: هذا في الحضر، ﴿أو آخران من غيركم﴾ في السفر، ﴿إن أنتم ضربتم في الأرض فأصابتكم مصيبة الموت﴾ هذا الرجل يدركه الموت في سفره، وليس بحضرته أحد من المسلمين، فيدعو رجلين من اليهود والنصارى والمجوس، فيوصي إليهما، ويدفع إليهما ميراثه، فيقبلان به، فإن رضي أهل الميت الوصية وعرفوا مال صاحبهم تركوا الرجلين، وإن ارتابوا رفعوهما إلى السلطان، فذلك قوله: ﴿تحبسونهما من بعد الصلاة﴾، ﴿إن ارتبتم﴾ قال ابن عباس: كأني أنظر إلى العلجين حين انتهي بهما إلى أبي موسى الأشعري في داره، ففتح الصحيفة، فأنكر أهلُ الميت وخوَّنوهما، فأراد أبو موسى أن يستحلفهما بعد العصر، فقلت له: إنهما لا يباليان صلاة العصر، ولكن استحلفهما بعد صلاتهما في دينهما. فيوقف الرجلان بعد صلاتهما في دينهما، ويحلفان بالله لا نشتري ثمنًا قليلًا ولو كان ذا قربى، ولا نكتم شهادة الله، إنا إذن لمن الآثمين، إن صاحبهم لبهذا أوصى، وإن هذه لتركته. فيقول لهما الإمام قبل أن يحلفا: إنّكما إن كنتما كتمتما أو خنتما فضحتكما في قومكما، ولم تجز لكما شهادة وعاقبتكما. فإذا قال لهما ذلك فإنّ ذلك أدنى أن يأتوا بالشهادة على وجهها
عن عبد الله بن عباس -من طريق عطية العَوفيّ- في قوله: ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجادِلُكَ فِي زَوْجِها﴾: وذلك أنّ خَوْلَة -امرأة من الأنصار- ظاهَر منها زوجها، فقال: أنتِ عليّ كظَهْر أُمّي. فأتَتْ رسول الله ﷺ، فقالتْ: إنّ زوجي كان تَزَوّجَني وأنا أحبُّ الناس إليه، حتى إذا كَبِرتُ ودخَلتُ في السِّنِّ قال: أنتِ عليّ كظَهْر أُمّي. وتركني إلى غير أحد، فإن كنتَ تجد لي رخصةً -يا رسول الله- تَنعَشُنِي بها وإيّاه، فحَدِّثني بها. قال: «واللهِ، ما أُمِرتُ في شأنكِ بشيءٍ حتى الآن، ولكن ارجعي إلى بيتك، فإنْ أُومر بشيءٍ لا أُعَمِّه عليك إن شاء الله». فرجعتْ إلى بيتها، فأنزل اللهُ على رسوله ﷺ في الكتاب رُخْصتَها ورخصةَ زوجها، فقال: ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجادِلُكَ فِي زَوْجِها﴾ إلى قوله: ﴿عَذابٌ ألِيمٌ﴾. فأرسَلَ إلى زوجها، فقال: «هل تستطيع أن تُعْتِق رقبة؟». قال: إذن يذهب مالي كلّه؛ الرقبة غالية، وأنا قليل المال. قال: «هل تستطيع أن تصوم شهرين متتابعين؟». قال: واللهِ، لولا أنّي آكلُ كلَّ يومٍ ثلاث مرات لَكَلَّ بصري. قال: «هل تستطيع أن تُطْعِم ستين مسكينًا؟». قال: لا، والله، إلا أن تُعِينني. قال: «إنِّي مُعِينُك بخمسة عشر صاعًا»
ذكر ابنُ عطية (٤/٢٤١) أنه على هذه الرواية فالتخيير من عند الله، وهو إعلام بغيب، ثم استدرك قائلًا: «وإذا خُيِّرُوا فكيف يقع التوبيخ بعدُ بقوله تعالى: ﴿لَمَسَّكُمْ فِيما أخَذْتُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ﴾». ثم رَجَّح (٤/٢٤١-٢٤٢بتصرف) أنّ العَتَبَ لم يكن للنبيِّ، وإنما كان لأصحابه على استبقاء الرجال وقت الهزيمة رغبةً في أخذ المال منهم، وأنّ التخيير وقع لَمّا سِيق الأسرى إلى المدينة، وأنفذ رسول الله ﷺ القتلَ في النّضر وعقبة، والمنَّ في أبي عزّة وغيره، وجعل يرتئي في سائرهم، فاستشار ﷺ حينئذ، فاستمر عمر رضي الله عنه على أولِ رأيه في القتل، ورأى أبو بكر رضي الله عنه المصلحة في قوة المسلمين بمال الفداء، ومالَ رسول الله ﷺ إلى رأي أبي بكر، وأن كلا الرأيين كان اجتهادًا بعد تخيير، فلم ينزل على شيء من هذا عتب. وانتقد القول بأن الآية نزلت بسبب المشورة والآراء مستندًا إلى الدلالات العقلية، وذلك أن التخيير لا يستلزم العتب، ثم ذكر الدافع للمفسرين للقول بهذا القول، فقال: «ووجْه ما قال المفسرون أن الناس خيروا في أمرين، أحدهما غير جيد على جهة الاختبار لهم، فاختاروا المفضول، فوقع العتْب، ولم يكن تخييرًا في مستويين، وهذا كما أتي رسول الله ﷺ ليلة الإسراء بإناءين فاختار الفاضل»
عن عامر الشعبي: أنّ رجلا من الأنصار أتى رسول الله ﷺ، فقال: واللهِ، يا رسول الله، لَأنتَ أحَبُّ إلَيَّ مِن نفسي وولدي وأهلي ومالي، ولولا أنِّي آتيك فأراك لظننتُ أنِّي سأموت. وبكى الأنصاريُّ، فقال له النبي ﷺ: «ما أبكاك؟». فقال: ذكرتُ أنّك ستموت ونموت، فترفع مع النبيين، ونحن إذا دخلنا الجنة كنا دونك. فلم يخبره النبي ﷺ بشيء؛ فأنزل الله على رسوله: ﴿ومن يطع الله والرسول فأولئك مع الذين أنعم الله عليهم﴾، إلى قوله: ﴿عليما﴾، فقال: «أبشِرْ، يا أبا فلان»
عن عكرمة، أنّهُ سُئِل: هل كان للخُلْعِ أصْلٌ؟ قال: كان ابن عباس يقول: إنّ أولَ خُلْعٍ في الإسلام في أخت عبد الله بن أُبَيٍّ، أنّها أتَتْ رسول الله ﷺ، فقالتْ: يا رسول الله، لا يجمع رأسي ورأسَه شيءٌ أبدًا، إنِّي رفعت جانب الخِباء فرأيته أقْبَلَ في عِدَّةٍ، فإذا هو أشَدُّهم سوادًا، وأقصرهم قامَةً، وأقبحهم وجهًا. قال زوجها: يا رسول الله، إنِّي أعطيتُها أفضل مالي؛ حديقةً لي، فإن ردت عَلَيَّ حديقتي! قال: «ما تقولين؟». قالت: نعم، وإن شاء زِدْتُه. قال: ففرَّق بينهما
عن الضَّحاك بن مُزاحِم -من طريق عبيد بن سليمان- في الآية، قال: كانوا في جاهلِيَّتهم لا يَرْزَءُون مِن مال اليتيم شيئًا، وهم ينكحون عشرًا مِن النساء، وينكحون نساء آبائهم، فتَفَقَّدُوا مِن دينهم شأنَ اليتامى، فسألوا نبي الله ﷺ عن مخالطتهم، ولم يتفقدوا من دينهم شأن النساء، فوعظهم الله فِي اليتامى وفي النساء، فقال في اليتامى: ﴿ولا تَتَبَدَّلُوا الخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ﴾ إلى ﴿إنَّهُ كانَ حُوبًا كَبِيرًا﴾ [النساء:٢]، ووعظهم في شأن النساء، فقال: ﴿فانكحوا ما طاب لكم من النساء﴾ الآية، وقال: ﴿ولا تَنْكِحُوا ما نَكَحَ آباؤُكُمْ مِنَ النِّساءِ﴾ [النساء: ٢٢]
عن إسماعيل السدي -من طريق أسباط- قال: كان أهلُ الجاهلية لا يُوَرِّثُون الجواري، ولا الضعفاءَ مِن الغلمان، لا يَرِثُ الرجلُ من والده إلا مَن أطاق القتال، فمات عبد الرحمن أخو حسّان الشاعر، وترك امرأةً لهُ يُقال لها: أم كُجَّة، وترك خمس جوارٍ، فجاءتِ الوَرَثَةُ، فأخذوا ماله، فشَكَتْ أم كُجَّة ذلك إلى النبي ﷺ؛ فأنزل الله هذه الآية: ﴿فإن كن نساء فوق اثنتين فلهن ثلثا ما ترك وإن كانت واحدة فلها النصف﴾، ثم قال في أم كُجَّة: ﴿ولهن الربع مما تركتم إن لم يكن لكم ولد فإن كان لكم ولد فلهن الثمن﴾