سورة النساء — الآية ٣١

عن عبد الله بن مسعود -من طريق مَعْمَر، عن رجل- قال: إنّ في سورة النساء خمس آيات ما يَسُرُّني أنّ لي بها الدنيا وما فيها، ولقد علمتُ أنّ العلماء إذا مَرَّوا بها يعرِفونها؛ قوله تعالى: ﴿إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه﴾ الآية، وقوله: ﴿إن الله لا يظلم مثقال ذرة﴾ الآية [النساء:٤٠]، وقوله: ﴿إن الله لا يغفر أن يشرك به﴾ الآية [النساء:٤٨]، وقوله: ﴿ولو أنهم إذ ظلموا أنفسهم جاءوك﴾ الآية [النساء:٦٤]، وقوله: ﴿ومن يعمل سوءا أو يظلم نفسه﴾ الآية [النساء:١١٠]

سورة النساء — الآية ١٧٦

عن معدان بن أبي طلحة: أنّ عمر بن الخطاب خطب يوم جمعة، فذكر نبي الله ﷺ، وذكر أبا بكر، ثم قال: إنِّي لا أدَعُ بعدي شيئًا أهمُّ عندي مِن الكلالة، ما راجعت رسول الله ﷺ في شيء ما راجعته في الكلالة، وما أغلظ لي في شيء ما أغلظ لي فيه، حتى طعن بإصبعه في صدري، وقال: «يا عمرُ، ألا تكفيك آية الصيف التي في آخر سورة النساء؟!». وإنِّي إن أعِشْ أقْضِ فيها بقضيةٍ يَقْضِي بها مَن يقرأ القرآن، ومَن لا يقرأ القرآن

سورة يونس — الآية ٥٩

عن أبي سعيد مولى أبي أسيد الأنصاريِّ، قال: أتى وفدُ أهل مصرَ عثمانَ، فقالوا له: ادعُ بالمصحف، وافتتح السابعةَ. وكانوا يُسَمُّون سورة يونس: السّابِعة، فقرأها حتى أتى على هذه الآية: ﴿قل أرأيتم ما أنزل اللهُ لكُم من رزقٍ فجعلتُم منه حرامًا وحلالًا﴾ الآية. فقالوا له: قِفْ، أرَأَيْتَ ما حَمَيْتَ مِن الحِمى، آللَّهُ أذِن لك أم على الله تفترِي؟ فقال: امْضِه، إنّما نزلت في كذا وكذا، فأمّا الحِمى فإنّ عُمَرَ حَمى الحِمى قبلي لإبلِ الصدقة، فلمّا وُلِّيتُ وزادَتْ إبِلُ الصَّدقة زِدتُ في الحِمى

سورة المؤمنون — الآية ١٠٠

قال يحيى بن سلّام: وأخبرني رجل مِن أهل الكوفة عن السدي، قال: إنّ الكافر إذا نزل به الموتُ، وعاين حسناتِه قليلةً وسيئاتِه كثيرةً؛ نَظَر إلى مَلَك الموت مِن قَبْلِ أن يخرج من الدنيا، فتَمَنّى الرجعة، وصدَّق بما كذب به، فعند ذلك يقول: ﴿رب ارجعون﴾ يعني: إلى الدنيا، ﴿لعلي أعمل صالحا فيما تركت﴾. يقول الله: ﴿كلا﴾ يعني: لا يرجع إلى الدنيا. ثم استأنف، فقال: ﴿كلا إنها كلمة هو قائلها﴾ ولا يسمع بها بنو آدم. ونحوُ ذلك مثلُ قول فرعون في سورة يونس

سورة الفتح — الآية ٥

قال مقاتل بن سليمان:.... فخرج النبي ﷺ على أصحابه، فقال: «لقد نزلتْ عليّ آية لَهِي أحبُّ إلَيَّ مِمّا بين السماء والأرض». فقرأ عليهم: ﴿إنّا فَتَحْنا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ﴾ إلى آخر الآية. فقال أصحابه: هنيئًا مريئًا، يا رسول الله، قد علمنا الآن ما لك عند الله وما يفعل بك، فما لنا عند الله وما يفعل بنا؟ فنزلت سورة الأحزاب [٤٧]: ﴿وبَشِّرِ المُؤْمِنِينَ بِأَنَّ لَهُمْ مِنَ اللَّهِ فَضْلًا كَبِيرًا﴾ يعني: عظيمًا، وهي الجنّة، وأنزل: ﴿لِيُدْخِلَ المُؤْمِنِينَ والمُؤْمِناتِ جَنّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأَنْهارُ﴾

عن عبد الله بن عمرو، قال: أتى رجلٌ رسولَ الله ﷺ، فقال: أقرِئني، يا رسول الله. قال: «اقرأ ثلاثًا مِن ذوات ﴿الر﴾». فقال الرجل: كَبر سِنّي، واشتد قلبي، وغَلُظ لساني. قال: «اقرأ ثلاثًا من ذوات ﴿حم﴾». فقال مثل مقالته الأولى، فقال: «اقرأ ثلاثًا من المسبّحات». فقال مثل مقالته، ولكن أقرِئني -يا رسول الله- سورة جامعة. فأقرَأه: ﴿إذا زُلْزِلَتِ الأَرْضُ زِلْزالَها﴾ حتى فرغ منها، قال الرجل: والذي بعثك بالحقّ، لا أزيد عليها. ثم أدبَر، فقال رسول الله ﷺ: «أفلح الرُّويجل، أفلح الرُّويجل»

سورة المائدة — الآية ٩٧

قال مقاتل بن سليمان: ﴿والشَّهْرَ الحَرامَ﴾ قال: كان الرجل إذا أراد سفرًا نظر في أمره؛ فإن كان السفر الذي يريده يعلم أنه يذهب ويرجع قبل أن يمضي الشهر الحرام توجَّه آمنًا، ولم يُقَلِّد نفسه ولا راحلته، وإن كان يعلم أنه لا يقدر على الرجوع حتى يمضي الشهر الحرام قلَّد نفسَه وبعيرَه من [لحاء] شجر الحرم، فيأمن به حيث ما توجَّه من البلاد، فمِن ثَمَّ قال سبحانه: ﴿والهَدْيَ والقَلائِدَ﴾، كل ذلك كان قوامًا لهم وأمنًا في الجاهلية. نظيرها في أول السورة

سورة الفتح — الآية ٢٩

عن موسى بن جعفر بن محمد، عن أبيه، عن آبائه، في قوله: ﴿محمد رسول الله﴾ قال: ﴿محمد رسول الله والذين معه﴾ أبو بكر الصديق، ﴿أشداء على الكفار﴾ عمر بن الخطاب، ﴿رحماء بينهم﴾ عثمان بن عفان، ﴿تراهم ركعًا سجدًا﴾ علي بن أبي طالب، ﴿سيماهم في وجوههم من أثر السجود﴾ عبد الرحمن بن عوف، وسعد بن أبي وقاص، ﴿ذلك مثلهم في التوراة ومثلهم في الإنجيل﴾ إلى آخر السورة

انتَقَدَ ابنُ عطية (٢‏/‏١٥٨-١٥٩) قولَ أبي فاختة: أنّ أُمَّ الكتاب هي فواتح السور؛ لمخالفته ظاهر القرآن، فقال: «وهذا قولٌ مُتَداعٍ للسقوط مُضْطَرِبٌ، لم ينظر قائلُه أوَّلَ الآية وآخرَها ومقصدَها. وإنّما معنى الآية: الإنحاءُ على أهلِ الزيغ والإشارة بذلك؛ أوّلًا إلى نصارى نجران وإلى اليهود الذين كانوا معاصرين لمحمد عليه السلام، فإنّهم كانوا يعترضون معاني القرآن، ثم تَعُمُّ بعد ذلك كُلَّ زائغ»

ذكر ابن تيمية (٧‏/‏٢٠٩) أنّ طائفة من المفسرين قالوا: «أنّ هذه السورة منسوخة، أي: فيما ظنوها دلّتْ عليه من تَرْك القتال، فإنهم ظنوا أنّ قوله: ﴿لَكُمْ دِينُكُمْ ولِيَ دِينِ﴾ يتضمّن تَرْك القتال». ثم انتقدهم -مستندًا إلى الدلالة العقلية- قائلًا: «ومعلوم أنّ الله لم يأمر نبيّه بمكة بالقتال، بل إنما أمره بالقتال بالمدينة، وأول آية نزلت في القتال قوله: ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وإنَّ اللَّهَ عَلى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ﴾ [الحج:٣٩]، فأذن الله لهم أولًا فيه، ثم كتب عليهم ثانيًا، فقال: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ القِتالُ وهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ وعَسى أنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وعَسى أنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وهُوَ شَرٌّ لَكُمْ﴾ [البقرة:٢١٦]»، ثم رجَّح -مستندًا إلى الدلالة العقلية- قائلًا: «والصواب أنّ هذه الآية لم تتعرض للقتال لا بأمر ولا بنهي، بل مضمونها البراءة من دين الكفار، وهذا أمرٌ مُحكَم لا ينسخ أبدًا، وأمّا أن يقال فيها أو في غيرها رضي الرسول بدين كافرٍ فهذا لم يقُله أحدٌ مِن علماء المسلمين أصلًا، ولا أحد من سلف الأُمّة، ولا من الأولين ولا من الآخرين، ولا يقول ذلك إلا مَن هو مُفْتَرٍ على الله ورسوله، لم يرض الله بغير دين الإسلام، وهو الذي بعث الله به محمدًا لم يرض الله ولا رسوله من أحد من الخَلْق بغير هذا الدين قطّ، وإن كان لم يأمر بجهادهم في أول الأمر لعجْز المسلمين وقلّتهم». وانتقد ابنُ القيم (٣‏/‏٣٧٩) قول مقاتل -مستندًا إلى الدلالة العقلية- قائلًا: «وقد غلط في السورة خلائق، وظنوا أنها منسوخة بآية السيف؛ لاعتقادهم أنّ هذه الآية اقتضت التقرير لهم على دينهم، وظنّ آخرون أنها مخصوصة بمن يُقرّون على دينهم وهم أهل الكتاب، وكلا القولين غلط محض، فلا نسخ في السورة ولا تخصيص، بل هي محكمة، وعمومها نصٌّ محفوظ، وهي مِن السور التي يستحيل دخول النسخ في مضمونها، فإنّ أحكام التوحيد التي اتفقتْ عليه دعوة الرسل يستحيل دخول النسخ فيه، وهذه السورة أخلصت التوحيد، ولهذا تُسمّى سورة الإخلاص كما تقدم. ومنشأ الغلط: ظنهم أنّ الآية اقتضتْ إقرارهم على دينهم، ثم رأوا أنّ هذا الإقرار زال بالسيف، فقالوا: منسوخ. وقالت طائفة: زال عن بعض الكفار، وهم مَن لا كتاب لهم، فقالوا: هذا مخصوص بأهل الكتاب. ومعاذ الله أن تكون الآية اقتضتْ تقريرًا لهم أو إقرارًا على دينهم أبدًا، بل لم يزل رسول الله من أول الأمر وأشده عليه وعلى أصحابه أشد في الإنكار عليهم، وعيب دينهم، وتقبيحه والنهي عنه، والتهديد والوعيد كلّ وقت، وفي كلّ نادٍ، وقد سألوه أن يكُفّ عن ذِكْر آلهتهم، وعيب دينهم، ويتركونه وشأنه، فأبى إلا مُضيًّا على الإنكار عليهم وعيب دينهم، فكيف يقال: إنّ الآية اقتضتْ تقريره لهم؟ معاذ الله مِن هذا الزعم الباطل، إنما الآية اقتضت البراءة المحضة كما تقدم، وأنّ ما هم عليه مِن الدين لا نوافقكم عليه أبدًا، فإنه دين باطل، فهو مختصٌّ بكم، لا نشرككم فيه، ولا أنتم تشركوننا في ديننا الحق، فهذا غاية البراءة والتنصُّل مِن موافقتهم في دينهم، فأين الإقرار حتى يَدَّعوا النسخ أو التخصيص؟! أفَترى إذا جُوهدوا بالسيف كما جُوهدوا بالحجّة لا يصح أن يقال: ﴿لَكُمْ دِينُكُمْ ولِيَ دِينِ﴾؟! بل هذه آية قائمة محكمة ثابتة بين المؤمنين والكافرين إلى أن يُطهِّر الله منهم عباده وبلاده»