ذكر ابنُ كثير (١٠/٤٨٤) أن ابن زيد أجاد في تفسير الآية
لم يذكر ابنُ جرير (٢٤/٣١٧) في معنى الآية سوى قول قتادة
عن أبي العالية، قال: كانوا عندَ عبد الله بن مسعود، فوقَع بين رجلين بعضُ ما يكونُ بين الناس، حتى قام كلُّ واحدٍ منهما إلى صاحبه، فقال رجلٌ مِن جُلَساءِ عبد الله: ألا أقومُ فآمُرَهما بالمعروفِ وأنهاهما عن المنكر؟ فقال آخرُ إلى جنبِه: عليك بنفسِك؛ فإنّ الله تعالى يقول: ﴿عليكم أنفسكم﴾. فسمِعها ابن مسعود، فقال: مَهْ، لم يجئ تأويلُ هذه الآية بعد، إنّ القرآن أُنزِل حيثُ أُنزِل، ومنه آيٌ قد مضى تأويلُهن قبلَ أن يَنزِلن، ومنه ما وقَع تأويلُهن على عهد رسول الله ﷺ، ومنه آيٌ يقعُ تأويلُهن بعدَ رسول الله ﷺ بسنين، ومنه آيٌ يقعُ تأويلُهن بعدَ اليوم، ومنه آيٌ يقعُ تأويلُهن عندَ الساعة؛ ما ذُكِر من أمر الساعة، ومنه آيٌ يقعُ تأويلُهن عندَ الحساب؛ ما ذُكِر من أمرِ الحساب والجنة والنار، فما دامت قلوبُكم واحدةً، وأهواؤُكم واحدة، ولم تُلبَسوا شِيَعًا، ولم يذُق بعضُكم بأسَ بعض؛ فمُرُوا وانهَوا، فإذا اختَلَفَتِ القلوبُ والأهواءُ، وأُلبِستم شِيَعًا، وذاقَ بعضُكم بأسَ بعض، فامرؤٌ ونفسَه، فعندَ ذلك جاء تأويلُ هذه الآية
رَجَّحَ ابن جرير (١/٤٤٠) بدلالة القرآن، والنّظائر أنّ الذي رَغّب اللهُ في وصْله، وذَمّ على قطعه في هذه الآية: الرَّحِمُ، فقال: «الذي رَغَّب اللهُ في وصْله، وذمّ على قطعه في هذه الآية: الرَّحِمُ، وقد بَيَّن ذلك في كتابه، فقال تعالى: ﴿فهل عسيتم إن توليتم أن تفسدوا في الأرض وتقطعوا أرحامكم﴾ [محمد: ٢٢]». ثُمَّ حَكى (١/٤٤١) القولَ بالعموم في المراد من القطع، بقوله: «وقد تَأَوَّل بعضُهم ذلك أنّ الله ذَمَّهم بقطعهم رسول الله ﷺ، والمؤمنين به، وأرحامَهم، واستشهد على ذلك بعموم ظاهر الآية، وأَن لا دلالة على أنه مَعْنِيٌّ بها بعض ما أمر الله بوصله دون بعض. وهذا مذهبٌ من تأويل الآية غيرُ بعيد من الصواب، ولكن الله -جَلَّ ثناؤه- قد ذكر المنافقين في غير آية من كتابه، فوصفهم بقطع الأرحام. فهذه نظيرة تلك، غير أنها وإن كانت كذلك فهي دالَّةٌ على ذَمِّ اللهِ كُلَّ قاطعٍ قطع ما أمر الله بوصله رَحِمًا كانت أو غيرها». ورَجَّحَ ابنُ عطية (١/١٥٩-١٦٠ بتصرف) العمومَ في الآية، فقال: «قال جمهور أهل العلم: الإشارة في هذه الآية إلى دين الله، وعبادته في الأرض، وإقامة شرائعه، وحفظ حدوده. وهذا هو الحقُّ، والرَّحِمُ جزءٌ من هذا»
عن عبد الله بن عباس -من طريق سعيد بن جبير- قال: أراد سليمانُ أن يدخل الخلاء، فأعطى الجرادةَ خاتمه، وكانت جرادةُ امرأته، وكانت أحبَّ نسائه إليه، فجاء الشيطان في صورة سليمان، فقال لها: هاتي خاتمي. فأعطته، فلما لبسه دانت له الإنسُ والجنُّ والشياطين، فلما خرج سليمان من الخلاء قال لها: هاتي خاتمي. فقالت: قد أعطيته سليمانَ. قال: أنا سليمان. قالت: كذبتَ، لست سليمان. فجعل لا يأتي أحدًا يقول: أنا سليمان. إلا كذّبه، حتى جعل الصبيان يرمونه بالحجارة، فلمّا رأى ذلك عرف أنّه مِن أمر الله، وقام الشيطان يحكم بين الناس، فلما أراد الله أن يرُدَّ على سليمان سلطانَه ألقى في قلوب الناس إنكارَ ذلك الشيطان، فأرسلوا إلى نساء سليمان، فقالوا لهنَّ: هل تُنكِرْنَ مِن سليمان شيئًا؟ قلن: نعم، إنّه يأتينا ونحن حُيَّض، وما كان يأتينا قبل ذلك. فلما رأى الشيطانُ أنه قد فُطِن له ظنَّ أنّ أمره قد انقطع، فكتبوا كتبًا فيها سحر وكفر، فدفنوها تحت كرسي سليمان، ثم أثاروها، وقرؤوها على الناس، قالوا: بهذا كان يظهر سليمانُ على الناس ويغلبهم. فأكفر الناسُ سليمانَ، فلم يزالوا يكفِّرونه، وبعث ذلك الشيطانُ بالخاتم، فطرحه في البحر، فتلقّته سمكةٌ، فأخذته، وكان سليمان يحمل على شطِّ البحر بالأجر، فجاء رجلٌ، فاشترى سمكًا فيه تلك السمكة التي في بطنها الخاتم، فدعا سليمان، فقال: تحمل لي هذا السمك؟ قال: نعم. قال بكم؟ قال: بسمكة من هذا السمك. فحمل سليمانُ السمكَ، ثم انطلق به إلى منزله، فلما انتهى الرجلُ إلى بابه أعطاه تلك السمكة التي في بطنها الخاتم، فأخذها سليمان، فشقَّ بطنَها، فإذا الخاتم في جوفها، فأخذه فلبسه، فلما لبسه دانت له الجنُّ والإنس والشياطين، وعاد إلى حاله، وهرب الشيطانُ حتى لحق بجزيرة من جزائر البحر، فأرسل سليمان في طلبه، وكان شيطانًا مريدًا، فجعلوا يطلبونه ولا يقدرون عليه، حتى وجدوه يومًا نائمًا، فجاؤوا فبنوا عليه بنيانًا مِن رصاص، فاستيقظ، فوثَب، فجعل لا يثب في مكان من البيت إلا انماطَ معه الرصاص، فأخذوه فأوثقوه، وجاؤوا به إلى سليمان، فأمر به فنُقر له تخت من رخام، ثم أُدخل في جوفه، ثم سُدّ بالنحاس، ثم أمر به فطرح في البحر، فذلك قوله: ﴿ولَقَدْ فَتَنّا سُلَيْمانَ وأَلْقَيْنا عَلى كُرْسِيِّهِ جَسَدًا﴾، يعني: الشيطان الذي كان سُلِّط عليه
عن عبد الله بن مسعود، قال: لَمّا قُرِّبَ موسى نَجِيًّا أبصَر في ظلِّ العرش رجلًا، فغَبَطه بمكانه، فسَأَل عنه، فلم يُخبَرْ باسمه، وأُخبِرَ بعمله، فقال له: هذا رجلٌ كان لا يحسُدُ الناس على ما آتاهم الله مِن فضله، بَرٌّ بالوالدين، لا يمشي بالنميمة. قال: فقال الله: يا موسى، ما جئتَ تطلب؟ قال: جئتُ أطلبُ الهدى، يا ربِّ. قال: قد وجدتَ، يا موسى. قال: ربِّ، اغفِرْ لي ما مضى من ذنوبي، وما غبَر، وما غبَر، وما بين ذلك، وما أنت أعلمُ به مِنِّي، وأعوذ بك مِن وسوسة نفسي وسوءِ عملي. فقيل له: قد كُفِيتَ، يا موسى. قال: ربِّ، أيُّ العملِ أحَبُّ إليك أن أعملَه؟ قال: اذكُرْني، يا موسى. قال: ربِّ، أيُّ عبادك أتْقى؟ قال: الذي يذكُرُني ولا ينساني. قال: ربِّ، أيُّ عبادك أغنى؟ قال: الذي يقنعُ بما يؤتى. قال: ربِّ، أيُّ عبادك أفضل؟ قال: الذي يقضي بالحق ولا يتبِعُ الهوى. قال: ربِّ، أيُّ عبادك أعلم؟ قال: الذي يطلبُ علم الناس إلى علمِه، لعله يسمعُ كلمةً تدُلُّه على هُدًى، أو تَرُدُّه عن رَدًى. قال: ربِّ، أيُّ عبادك أحبُّ إليك عملًا؟ قال: الذي لا يكذبُ لسانُه، ولا يزني فرجُه، ولا يَفجُرُ قلبُه. قال: ربِّ، ثم أيٌّ على أثرِ هذا؟ قال: قلبٌ مؤمن في خُلُق حَسَن. قال: ربِّ، أيُّ عبادِك أبغضُ إليك. قال: قلبٌ كافرٌ في خُلُقٍ سَيِّء. قال: ربِّ، ثم أيٌّ على أثرِ هذا؟ قال: جِيفةٌ بالليل بطّالٌ بالنهار
اختلف السلف في تعيين الآيات التسع التي آتاه الله إياها كما هو موضح بالآثار. وقد نقل ابنُ عطية (٥/٥٥٠-٥٥١) اتفاق المفسرين على خمس منها، واختلافهم في أربع، فقال: «وقوله تعالى: ﴿ولَقَدْ آتَيْنا مُوسى تِسْعَ آياتٍ بَيِّناتٍ﴾ اتفق المتأولون والرواة أنّ الآيات الخمس التي في سورة الأعراف هي من هذه التسع، وهي: الطوفان، والجراد، والقمل، والضفادع، والدم، واختلفوا في الأربع». ثم ذكر الخلاف في تعيين هذه الأربع، وعلّق بقوله: «والذي يلزم من الآية أن الله تعالى خص من آيات موسى -إذ هي كثيرة جدًّا تنيف على أربع وعشرين- تسعًا بالذكر، ووصفها بالبيان، ولم يعينها، واختلف العلماء في تعيينها بحسب اجتهادهم في بيانها أو روايتهم التوقيف في ذلك». وذكر ابنُ كثير (٩/٨٧) عن قتادة، ومجاهد، وابن عباس، وعكرمة، والشعبي أن الآيات التسع هي: يده، وعصاه، والسنين، ونقص الثمرات، والطوفان، والجراد، والقمل، والضفادع، والدم. ورجّحها مستندًا إلى القرآن بقوله: «وهذا القول ظاهر جلي حسن قوي... فهذه الآيات التسع التي ذكرها هؤلاء الأئمة هي المرادة هاهنا، وهي المعنية في قوله تعالى: ﴿وألق عصاك فلما رآها تهتز كأنها جان ولى مدبرا ولم يعقب يا موسى لا تخف إني لا يخاف لدي المرسلون * إلا من ظلم ثم بدل حسنا بعد سوء فإني غفور رحيم * وأدخل يدك في جيبك تخرج بيضاء من غير سوء في تسع آيات إلى فرعون وقومه إنهم كانوا قوما فاسقين﴾ [النمل:١٠-١٢]. فذكر هاتين الآيتين: العصا واليد، وبين الآيات الباقيات في سورة الأعراف وفصلها»
عن عبد الله بن أبي أوْفى -من طريق السَّكْسَكِيِّ-: أنّ رجلًا أقام سِلْعَةً له في السوق، فحلف بالله لقد أعطي بها ما لم يُعْطَه؛ لِيُوقِع فيها رجلًا من المسلمين؛ فنزلت هذه الآية: ﴿إن الذين يشترون بعهد الله وأيمانهم ثمنا قليلا﴾ إلى آخر الآية
عن أبي رافع مولى حفصة، قال: اسْتَكْتَبَتْنِي حفصة مصحفًا، فقالتْ: إذا أتيتَ على هذه الآيةِ فتعالَ حتى أمليها عليك كما أُقْرِئْتُها. فلمّا أتيتُ على هذه الآية: ﴿حافِظُوا عَلى الصَّلَواتِ﴾ قالت: اكتب: (حافِظُوا عَلى الصَّلَواتِ والصَّلاةِ الوُسْطى وصَلاةِ العَصْرِ).
عن عبد الله بن عباس، في قوله: ﴿إن تبدوا الصدقات فنعما هي﴾، قال: هذا منسوخ. وقوله: ﴿وفي أموالهم حق للسائل والمحروم﴾ [الذاريات:١٩] قال: منسوخ، نسَخ كلَّ صدقةٍ في القرآن الآيةُ التي في التوبة [٦٠]: ﴿إنما الصدقات للفقراء﴾ الآية