عن عَبيدة السلماني، في هذه الآية، قال: جاء رجلٌ وامرأةٌ إلى عَلِيٍّ، ومع كل واحدٍ منهما فِئامٌ من الناس، فأمرهم عليٌّ فبعثوا حكمًا من أهله وحكمًا من أهلها، ثم قال للحَكَمَين: تدريان ما عليكما؟ عليكما إن رأيتما أن تجمعا أن تجمعا، وإن رأيتما أن تُفَرِّقا أن تُفَرِّقا. قالت المرأة: رضِيتُ بكتاب الله بما عَلَيَّ فيه ولِيٌّ. وقال الرجل: أمّا الفُرقةُ فلا. فقال عليٌّ: كذبت، واللهِ، حتى تُقِرَّ بمثل الذي أقَرَّت به
عن عبد الله بن مسعود -من طريق أبي الزعراء- أنّه ذُكر عنده الدجال، فقال عبد الله: تفترقون أيها الناس لخروجه ثلاث فرق... فليس مِن نفس إلا تنظر إلى بيت في النار، أو بيت في الجنة، وهو يوم الحسرة، فيرى أهلُ النار البيتَ الذي في الجنة، فيقال: لو عمِلتم! فتأخذهم الحسرة، ويرى أهلُ الجنة البيتَ الذي في الجنة، فيقولون: ﴿لولا أن من الله علينا لخسف بنا﴾...
عبَّر ابنُ عطية (٤/٤١) عن قول مجاهد، فقال: «وقال مجاهد وغيره: إنّ الله عز وجل قال لموسى: ﴿لَنْ تَرانِي﴾، ولكن سأتجلى للجبل الذي هو أقوى منك وأشد، فإن استَقَرَّ وأطاق الصَّبر لِهَيْبَتِي فسيُمْكِنك أنت رؤيتي». ثم وجَّهه بقوله: «فعلى هذا إنما جعل الله الجبلَ مثالًا». ثم نقل عن فرقة أنّ «المعنى: سأَتَبَدّى لك على الجبل، فإن اسْتَقَرَّ لعظمتي فسوف تراني»
ذكر ابنُ عطية (٤/٢١٨) أن قوله: ﴿الَّذِينَ عاهَدْتَ مِنهُمْ﴾ يحتمل أمرين: أحدهما: أن يريد أنّ الموصوف بـ﴿شَرَّ الدَّوابِّ﴾ هم الذين لا يؤمنون المعاهدون من الكفار، فكانوا شر الدواب على هذا بثلاثة أوصاف: الكفر، والموافاة عليه، والمعاهدة مع النقض، و﴿الَّذِينَ﴾ -على هذا- بدل بعض من كل. والآخر: أن يريد بقوله: ﴿الَّذِينَ عاهَدْتَ﴾ الذين الأولى، فتكون بدل كُلٍّ من كُلٍّ، وهما لِعَيْنٍ واحدة، والمعنى -على هذا-: الذين عاهدت فرقة أو طائفة منهم
قال ابنُ عطية (٤/٢٨١): «روت فرقةٌ: أنّ هذه الآية إنما نزلت في الحض على الهجرة، ورفض بلاد الكفر. فالمخاطبة على هذا هي للمؤمنين الذين كانوا في مكة وغيرها من بلاد العرب، خُوطِبوا بأن لا يُوالوا الآباء والإخوة، فيكونون لهم تبعًا في سُكْنى بلاد الكفر». ثم قال (٤/٢٨٢) عن الآية التي تليها: «هذه الآية تُقَوِّي مذهبَ مَن رأى أنّ هذه والتي قبلها إنما مقصودها الحضّ على الهجرة»
ذكر ابنُ عطية (٥/٦٥٨) إضافةً إلى ما ورد في أقوال السلف في تعيين الجبلين قولًا آخر، فقال: «وقالت فرقة: هما من وراء بلاد الترك، ذكره المهدوي». ثم انتقد ابنُ عطية تعيين مكان الجبلين مستندًا إلى الواقع، فقال: «وهذا كله غير متحقق، وإنما هما في طريق الأرض مما يلي المشرق، ويظهر من ألفاظ التواريخ أنه إلى ناحية الشمال، وأما تعيين موضع فيضعف»
ذكر ابنُ عطية (٧/١٨٦) أن الرؤية في: ﴿قُلْ أرُونِيَ﴾ يحتمل: أن تكون رؤية قلب؛ فيكون قوله: ﴿شُرَكاءَ﴾ مفعولًا ثالثًا، ورجَّحه قائلًا: «وهذا هو الصحيح، أي: أروني بالحجة والدليل كيف وجْه الشركة». ونقل عن فرقة: بأنها رؤية بصر، و﴿شُرَكاءَ﴾ حال من الضمير المفعول بـ﴿ألْحَقْتُمْ﴾ والعائد على ﴿الَّذِينَ﴾، ثم انتقده مستندًا إلى الدلالة العقلية قائلًا: «وهذا ضعيف؛ لأن استدعاء رؤية العين في هذا لا غناء له»
عن مُطَرِّف [بن عبد الله بن الشِّخِّير] -من طريق ثابت- قال: إنِّي لَأسْتَلْقي من الليل على فراشي، وأتَدَبَّر القرآن، فأعرض أعمالي على أعمال أهل الجنة، فإذا أعمالهم شديدة؛ ﴿كانوا قليلًا من الليل ما يهجعون﴾ [الذاريات:١٧]، ﴿يبيتون لربهم سجدًا وقيامًا﴾ [الفرقان:٦٤]، ﴿أمن هو قانت ءاناء الليل ساجدًا وقائمًا﴾ [الزمر:٩]، فلا أُراني منهم. فأعرض نفسي على هذه الآية: ﴿ما سلككم في سقر* قالوا لم نَكُ من المصلين﴾ إلى قوله: ﴿نكذب بيوم الدين﴾ [المدثر:٤٢-٤٦] فأرى القوم مُكَذِّبين، فلا أُراني منهم. فأمُرُّ بهذه الآية: ﴿وءاخرون اعترفوا بذنوبهم خلطوا عملًا صالحًا وءاخر سيئًا﴾ فأرجو أن أكون أنا وأنتم -يا إخوتاه- منهم
قال مقاتل بن سليمان: ﴿وجَعَلْنا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً أتَصْبِرُونَ﴾ [الفرقان:٢٠]، ابتلينا بعضًا ببعض، وذلك حين أسلم أبو ذرٍّ الغِفاري، وعبد الله بن مسعود، وعمار بن ياسر، وصهيب، وبلال، وخَبّاب بن الأرَتِّ، ونحوهم من الفقراء، فقال أبو جهل، وأُمَيَّة، والوليد، وعُقْبة، وسُهَيل، والمستهزِءُون مِن قريش: انظروا إلى هؤلاء الذين اتبعوا محمدًا ﷺ مِن موالينا وأعواننا رذالة كل قبيلة. فازْدَرَوْهم، فقال الله -تبارك وتعالى- لهؤلاء الفقراء مِن العرب والموالي: ﴿أتَصْبِرُونَ﴾ على الأذى والاستهزاء ﴿وكان ربك بصيرا﴾ أن تصبروا. فصبروا، ولم يجزعوا؛ فأنزل الله عز وجل فيهم: ﴿إني جزيتهم اليوم بما صبروا﴾ على الأذى والاستهزاء مِن كفار قريش ﴿أنَّهُمْ هُمُ الفائِزُونَ﴾ يعني: الناجين من العذاب
عن الحسن البصري -من طريق يحيى بن المختار- ﴿وإذا خاطَبَهُمُ الجاهِلُونَ قالُوا سَلامًا﴾ [الفرقان:٦٣]، قال: إنّ المؤمنين قوم ذُلُل، ذلّت -واللهِ- الأسماعُ والأبصار والجوارح، حتى يحسبهم الجاهل مرضى، وما بالقوم مِن مرض، وإنهم لأصحة القلوب، ولكن دخلهم من الخوف ما لم يدخل غيرَهم، ومنعهم من الدنيا علمُهم بالآخرة، فقالوا: ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أذْهَبَ عَنّا الحَزَنَ﴾. واللهِ، ما حُزنهم حزن الدنيا، ولا تعاظَم في أنفسهم ما طلبوا به الجنة، أبكاهم الخوفُ مِن النار، وأنه مَن لا يَتَعَزَّ بعزاء الله يقْطع نفسه على الدنيا حسرات، ومَن لم يرَ لله عليه نعمة إلا في مطعم أو مشرب فقد قلَّ علمه، وحضر عذابه