قال مقاتل بن سليمان: ﴿وأَقِيمُوا الصَّلاةَ وآتُوا الزَّكاةَ﴾ يعني: وأَتِمُّوا الصلوات الخمس، وأَعطوا الزكاة المفروضة من أموالكم، فنُسِخَ قيام الليل على المؤمنين، وثَبتَ قيام الليل على النبي ﷺ، وكان بين أول هذه السورة وآخرها سنة، حتى فُرضت الصلوات الخمس والزكاة، فهما واجبتان، فذلك قوله: ﴿وأَقِيمُوا الصَّلاةَ وآتُوا الزَّكاةَ﴾ يقول: وأَعطوا الزكاة من أموالكم، ﴿وأَقْرِضُوا اللَّهَ﴾ يعني: التَّطوّع ﴿قَرْضًا حَسَنًا﴾ يعني بالحسن: طيِّبة بها نفسه، يَحتسبها تَطوّعًا بعد الفريضة، ﴿وما تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِن خَيْرٍ﴾ يعني: مِن صدقة؛ فريضة كانت أو تَطوّعًا؛ يقول: ﴿تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ هُوَ خَيْرًا﴾ ثوابًا عند الله في التقديم ﴿هُوَ خَيْرًا وأَعْظَمَ أجْرًا﴾ يقول: أفضل مما أعطيتم من أموالكم وأعظم أجرًا، يعني: وأكثر خيرًا وأفضل خيرًا في الآخرة، ﴿واسْتَغْفِرُوا اللَّهَ﴾ من الذّنوب؛ ﴿إنَّ اللَّهَ غَفُورٌ﴾ لكم عند الاستغفار إذا استغفرتموه، ﴿رَحِيمٌ﴾ حين رخّص لكم بالتوبة
ذكر ابنُ تيمية (٢/٢٥٤) قولَ مَن جعل الآيةَ في المسافر، ثُمَّ انتَقَدَه مستندًا إلى الدلالة العقلية قائلًا: «القول على ظاهره ضعيف؛ لأنّ المسافر قد ذكر في تمام الآية؛ فيكون تكريرًا، ولأنّ المسافر لا تجوز له صلاة مع الجنابة إلا في حال عدم الماء، وليس في قوله: ﴿إلا عابري سبيل﴾ معترض كذلك، ولأنّه كما تجوز الصلاة مع الجنابة للمسافر فكذلك للمريض، ولم يُسْتَثْنَ كما اسْتُثْنِي المسافر، فلو قصد ذلك لبين كما بين في آخر الآية المريض والمسافر إذا لم يجد الماء، ولأنّ في حمل الآية على ذلك لزوم التخصيص في قوله تعالى: ﴿عابري سبيل﴾، ويكون المخصوص أكثر من الباقي؛ فإن واجد الماء أكثر من عادمه، ولا قوله: ﴿ولا جنبا﴾ لاستثناء المريض أيضًا، وفيه تخصيص أحد السببين بالذكر مع استوائهما في الحكم، ولأنّ عبور السبيل على حقيقته: المرور والاجتياز، والمسافر قد يكون لابِثًا وماشِيًا، فلو أريد المسافر لقيل: إلا مِن سبيل، كما في الآيات التي عنى بها المسافرين»
عن عكرمة مولى ابن عباس، والحسن البصري -من طريق يزيد النحوي- قالا: قال الله: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وأَنْتُمْ سُكارى حَتّى تَعْلَمُوا ما تَقُولُونَ﴾ [النساء: ٤٣]، و﴿يسألونك عن الخمر والميسر قل فيهما إثم كبيرٌ ومنافعُ للناس وإثمهما أكبر من نفعهما﴾، فنسختها الآية التي في المائدة، فقال: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إنَّما الخَمْرُ والمَيْسِرُ﴾ الآية
قال مقاتل بن سليمان: ﴿وإذا نادَيْتُمْ إلى الصَّلاةِ اتَّخَذُوها هُزُوًا ولَعِبًا﴾، يعنى: استهزاء وباطلًا، وذلك أنّ اليهود كانوا إذا سمعوا الأذان ورأوا المسلمين قاموا إلى صلاتهم يقولون: قد قاموا، لا قاموا. وإذا رأوهم ركعوا قالوا: لا ركعوا. وإذا رأوهم سجدوا ضحكوا، وقالوا: لا سجدوا. واستهزءوا، يقول الله تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَعْقِلُونَ﴾. يقول: لو عَقِلوا ما قالوا
قال مقاتل بن سليمان: ﴿وقالَ الله﴾ عز وجل للنقباء الاثني عشر: ﴿إنِّي مَعَكُمْ لَئِنْ أقَمْتُمُ الصَّلاةَ وآتَيْتُمُ الزَّكاةَ وآمَنتُمْ بِرُسُلِي﴾ يعني: الذين بعثتهم إليكم، وفيهم عيسى ومحمد ﷺ، فكفروا بعيسى ومحمد صلى الله عليهما وسلم. قال الله تعالى: ولقد أخذ الله ميثاقَكم على أن تعملوا بما في التوراة، فكان الإيمان بالنبيين من عمل التوراة
عن قتادة بن دعامة: أنّ رجلًا قال: يا رسول الله، ذهب أهل الدُّثور بالأجور. فقال: «أرأيت لو عمد إلى متاع الدنيا، فركَّب بعضها إلى بعض، أكان يبلغ السماء؟! أفلا أخبرك بعمل أصله في الأرض، وفرعه في السماء؟ تقول: لا إله إلا الله، والله أكبر، وسبحان الله، والحمد لله. عشر مراتٍ في دُبُرٍ كل صلاةٍ، فذلك أصله في الأرض وفرعه في السماء»
عن أُمِّ هانئ بنت أبي طالب، قالت: دخل عَلَيَّ رسولُ الله ﷺ يومَ فتح مكة وقد علاه الغبار، فأمر بقصعة، فكأنِّي أنظر إلى أثر العجين، فسكبتُ فيها، فأمر بثوبٍ فيما بيني وبينه، فنُشِر، فقام فأفاض عليه الماء، ثم قام فصلّى الضحى ثمان ركعات. قال مجاهد: فحدثت ابن عباس بهذا الحديث، فقال: هي صلاة الإشراق
قال مقاتل بن سليمان: ﴿ومِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ﴾ يعني: فصَلِّ المغرب والعشاء، ﴿و﴾صَلِّ ﴿إدْبارَ النُّجُومِ﴾ يعني: الركعتين قبل صلاة الغَداة وقتهما بعد طلوع الفجر، قوله: ﴿وسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ﴾ يقول: اذكره بأمره، مثل قوله: ﴿وإنْ مِن شَيْءٍ إلّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ ولَكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ﴾ [الإسراء:٤٤]، ومثل قوله: ﴿يَوْمَ يَدْعُوكُمْ فَتَسْتَجِيبُونَ بِحَمْدِهِ﴾ [الإسراء:٥٢]
قال مقاتل بن سليمان: ﴿أأَشْفَقْتُمْ﴾ يقول: أشَقّ عليكم ﴿أنْ تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْواكُمْ صَدَقاتٍ﴾ يعني: أهل المَيسرة، ولو فعلتم لكان خيرًا لكم، ﴿فَإذْ لَمْ تَفْعَلُوا وتابَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ﴾ يقول: وتجاوز الله عنكم، ﴿فَأَقِيمُوا الصَّلاةَ﴾ لمواقيتها، ﴿وآتُوا الزَّكاةَ﴾ لِحِينها، ﴿وأَطِيعُوا اللَّهَ ورَسُولَهُ﴾ فنَسَخت الزكاةُ الصّدقةَ التي كانت عند المناجاة، ﴿واللَّهُ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ﴾
عن عبد الملك ابن جُرَيْج، قال: قلت له [أي: عطاء بن أبي رباح]: أيُكره أن يمشي الإنسانُ يخرق الصَّفوف بعد ما يكبّر الإمام؟ قال: لا، إلا أن يمشي بين يدي أحد. ثم قال بعد: إنْ خَرَق الصَّفوف إلى فُرجة فقد أحسن، وحُقَّ على الناس أن يَدْحَسُوا الصَّفوف حتى لا يكون بينهم فُرَج. ثم قال: ﴿إنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُمْ بُنْيانٌ مَرْصُوصٌ﴾، فالصلاة أحَقُّ أن يكون فيها ذلك