قال مقاتل بن سليمان: ﴿قُلْ يا أيُّها الكافِرُونَ﴾ نزلت في المُستهزئين مِن قريش، وذلك أنّ النبي ﷺ قرأ بمكة: ﴿والنَّجْمِ إذا هَوى﴾ فلما قرأ: ﴿أفَرَأَيْتُمُ اللّاتَ والعُزّى ومَناةَ الثّالِثَةَ الأُخْرى﴾ [النجم:١٩-٢٠] ألقى الشيطانُ على لسانه في وسَنه، فقال: تلك الغَرانيق العُلا، عندها الشفاعة تُرتجى. فقال أبو جهل بن هشام، وشيبة وعُتبة ابنا ربيعة، وأُميّة بن خلف، والعاص بن وائل، والمستهزؤون من قريش عشيًّا في دبُر الكعبة: لا تفارقنا يا محمد إلا على أحد الأمرين؛ ندخل معك في بعض دينك ونعبد إلهك، وتدخل معنا في بعض ديننا وتعبد آلهتنا، أو تتبرأ من آلهتنا ونتبرأ من إلهك. فأنزل الله عز وجل فيهم تلك الساعة: ﴿قُلْ يا أيُّها الكافِرُونَ﴾ إلى آخر السورة، فأتاهم النبيُّ ﷺ بعدُ، فقال: ﴿قُلْ يا أيُّها الكافِرُونَ﴾ [السورة]، ثم انصرف عنهم، فقال بعضهم: تبرّأ هذا منكم فشتموه وآذوه

ظاهر هذا الأثر يُوحِي بنزول هذه الآية بالمدينة، ولهذا علّق ابنُ كثير (١١‏/‏٣٤٩) على هذا الأثر بقوله: «وفيه غرابة من حيث ذكر نزول هذه الآية، والسورة بكمالها مكية». وانتقد ابنُ عطية (٧‏/‏٢٣١) ذلك بقوله: «وليس الأمر كذلك». ثم وجّه التعبير بالنزول في هذه الآية بقوله: «وإنما نزلت الآية بمكة، ولكنه احتجَّ بها عليهم في المدينة، ووافقها قول النبي ﷺ في المعنى، فمِن هنا قال مَن قال: إنها نزلت في بني سلمة». وذكر ابنُ القيم (٢‏/‏٣٥٩) هذا الأثر في مستندات مَن قال بنزول الآية في بني سلمة، ثم انتقده مستندًا لأحوال النزول بقوله: «وفي هذا القول نظر؛ فإن سورة يس مكية، وقصة بني سلمة بالمدينة، إلا أن يقال: هذه الآية وحدها مدنية، وأحسن مِن هذا أن تكون ذكرت عند هذه القصة، ودلَّت عليها، وذُكِّروا بها عندها؛ إمّا من النبي ﷺ، وإما من جبريل، فأطلق على ذلك النزول، ولعل هذا مراد مَن قال في نظائر ذلك: نزلت مرتين»

سورة البقرة — الآية ٣٧

عن محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب، قال: لَمّا أصاب آدمُ الخطيئةَ عَظُمَ كربُه، واشْتَدَّ ندمُه، فجاءه جبريل، فقال: يا آدم، هل أدلُّك على باب توبتك الذي يتوب الله عليك منه؟ قال: بلى، يا جبريل. قال: قُمْ في مقامك الذي تُناجِي فيه ربَّك، فمجِّدْه، وامْدَحْ، فليس شيء أحب إلى الله من المدح. قال: فأقول ماذا، يا جبريل؟ قال: تقول: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، يحيي ويميت، وهو حيٌّ لا يموت، بيده الخير كله، وهو على كل شيء قدير. ثم تبوء بخطيئتك، فتقول: سبحانك اللهم وبحمدك، لا إله إلا الله، رب إني ظلمت نفسي، وعملت السوء؛ فاغفر لي، إنّه لا يغفر الذنوب إلا أنت، اللهم إني أسألك بجاه محمد عبدك، وكرامته عليك، أن تغفر لي خطيئتي. قال: ففعل آدم، فقال الله: يا آدم، مَن عَلَّمَك هذا؟ فقال: يا رب، إنّك لَمّا نفختَ فِيَّ الرُّوحَ، فقمتُ بشرًا سويًّا، أسمع وأُبْصِر وأَعْقِل وأَنظُر؛ رأيتُ على ساق عرشك مكتوبًا: بسم الله الرحمن الرحيم، لا إله إلا الله وحده لا شريك له، محمد رسول الله. فلمّا لَمْ أر إثْرَ اسمك اسمَ مَلَك مُقَرَّب ولا نبي مرسل غير اسمه؛ علِمتُ أنه أكرم خلقك عليك. قال: صدقتَ، يا آدم، وقد تبتُ عليك، وغفرتُ لك خطيئتك. قال: فحمد آدم ربَّه، وشكره، وانصرف بأعظم سرور، ولم ينصرف به عبدٌ من عند ربه. وكان لباس آدم النور، قال الله: ﴿ينزع عنهما لباسهما ليريهما سوآتهما﴾ [الأعراف:٢٧] ثياب النور. قال: فجاءته الملائكة أفواجًا تُهَنِّئه، يقولون: لِتَهْنِك توبة الله، يا أبا محمد

سورة آل عمران — الآية ٥٩

عن عامر الشعبي، قال: كان أهل نجران أعظمَ قومٍ مِن النصارى قولًا في عيسى ابن مريم، فكانوا يُجادِلون النبيَّ ﷺ فيه؛ فأنزل الله هذه الآيات في سورة آل عمران: ﴿إن مثل عيسى عند الله﴾ إلى قوله: ﴿فنجعل لعنة الله على الكاذبين﴾، فأُمِرِ بِمُلاعنتهم، فواعَدُوه لِغَدٍ، فغَدا النبيُّ ﷺ ومعه الحسن والحسين وفاطمة، فأَبَوْا أن يُلاعِنوه، وصالَحُوه على الجزية، فقال النبيُّ ﷺ: «لقد أتاني البشير بهَلَكة أهل نجران، حتى الطير على الشجر؛ لو تَمُّوا على الملاعنة»

سورة النساء — الآية ٣٣

عن قتادة بن دِعامة -من طريق هَمّام بن يحيى- في الآية، قال: كان الرجلُ يُعاقِد الرجلَ في الجاهلية، فيقول: دمي دمُك، وهدمي هدمُك، وترِثُني وأرِثُك، وتطلب بي وأطلب بك. فجعل له السُّدُس من جميع المال في الإسلام، ثم يقسم أهل الميراث ميراثهم، فنسخ ذلك بعدُ في سورة الأنفال، فقال: ﴿وأولو الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله إن الله بكل شئ عليم﴾. فقذف ما كان من عهد يتوارث به، وصارت المواريث لذوي الأرحام

سورة النساء — الآية ١٧٦

عن سمرة بن جندب: أنّ رسول الله ﷺ أتاه رجلٌ يستفتيه في الكلالة: أنبِئْنِي يا رسول الله، أكلالة الرجل يريد: إخوته من أبيه وأُمِّه؟ فلم يقل له رسول الله ﷺ شيئًا، غير أنّه قرأ عليه آيةَ الكلالة التي في سورة النساء، ثُمَّ عاد الرجل يسأله، فكلَّما سأله قرأها، حتى أكثر، وصَخِبَ الرجل، فاشتد صَخَبُه مِن حرصِه على أن يُبَيِّن له النبي ﷺ، فقرأ عليه الآية، ثم قال له: «إنِّي -واللهِ- لا أزيدُك على ما أعطيت»

قال مقاتل بن سليمان: سورة بني إسرائيل مكية كلها، إلا هذه الآيات فإنّهُنَّ مدنيات، وهي قوله تعالى: ﴿وقل رب أدخلني مدخل صدق... ﴾ الآية [٨٠]، وقوله تعالى: ﴿إن الذين أوتوا العلم من قبله﴾ إلى قوله: ﴿خشوعا﴾ [١٠٧-١٠٨]، وقوله تعالى: ﴿إن ربك أحاط بالناس﴾ الآية [٦٠]، وقوله تعالى: ﴿وإن كادوا ليفتنونك﴾ الآية [٧٣]، وقوله تعالى: ﴿ولولا أن ثبتناك﴾ الآيتين [٧٤، ٧٥]، وقوله تعالى: ﴿وإن كادوا ليستفزونك من الأرض﴾ الآية [٧٦]. عددها مائة وإحدى عشرة آية كوفية

سورة النور — الآية ٢٣

عن عبد الله بن عباس -من طريق ابن جُرَيج عن عطاء، ومقاتل بن سليمان عن الضحاك-: ﴿ان الذين يرمون المحصنات﴾ يريد: العفائف، ﴿الغافلات المؤمنات﴾ يريد: المُصَدِّقات بتوحيد الله وبرسله. وقد قال حسان بن ثابت في عائشة: حَصانٌ رَزانٌ ما تُزَنُّ برِيبة وتُصْبِحُ غَرْثى مِن لحومِ الغَوافِل فقالت عائشة: لكنك لست كذلك. ﴿لعنوا في الدنيا والآخرة ولهم عذاب عظيم﴾ يقول: أخرجهم من الإيمان. مثل قوله في سورة الأحزاب [٦١] للمنافقين: ﴿ملعونين أينما ثقفوا أخذوا وقتلوا تقتيلا﴾

سورة سبأ — الآية ١٠

قال مقاتل بن سليمان: ﴿ولَقَدْ آتَيْنا داوُودَ﴾ أعطينا داود ﴿مِنّا فَضْلًا﴾ النبوة، كقوله عز وجل للنبي ﷺ في سورة النساء [١١٣]: ﴿وكانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا﴾ يعني: النبوة والكتاب، فذلك قوله عز وجل: ﴿ولَقَدْ آتَيْنا داوُودَ مِنّا فَضْلًا﴾ النبوة، والزبور، وما سخر له من الجبل والطير والحديد، ثم بيّن له ما أعطاه، فقال عز وجل: ﴿يا جِبالُ أوِّبِي مَعَهُ﴾ سبِّحي معه؛ مع داود عليه السلام. يقول: اذكري الربَّ مع داود، وهو التسبيح، وسخّرنا له الطير

سورة الزمر — الآية ٤٥

قال مقاتل بن سليمان: ﴿وإذا ذُكِرَ اللَّهُ وحْدَهُ اشْمَأَزَّتْ﴾ يعني: انقبضت، ويقال: نفرتْ عن التوحيد ﴿قُلُوبُ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ﴾ يعني: لا يُصَدِّقون بالبعث الذي فيه جزاء الأعمال، يعني: كفار مكة، ﴿وإذا ذُكِرَ الَّذِينَ﴾ عُبدوا ﴿مِن دُونِهِ﴾ مِن الآلهة ﴿إذا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ﴾ بذكْرها، وهذا يومَ قرأ النبيُّ ﷺ سورة النجم بمكة، فقرأ: ﴿... اللّاتَ والعُزّى ومَناةَ الثّالِثَةَ الأُخْرى﴾ [النجم:٢٠] تلك الغرانيق العُلى، عندها الشفاعة تُرجى. ففرح كفار مكة حين سمعوا أن لها شفاعة