قال مقاتل بن سليمان: ﴿فَيُقْسِمانِ بِاللَّهِ﴾ يعني: فيحلفان بالله في دُبُر صلاة العصر: أنّ الذي في وصية صاحبنا حقٌّ، وأنّ المال كان أكثر مما أتيتمانا به، وأنّ هذا الإناء لمن متاع صاحبنا الَّذِي خرج به معه، وكتبه في وصيته، وأنّكما خنتما. فذلك قوله سبحانه: ﴿لَشَهادَتُنا﴾ يعني: عبد الله بن عمرو بن العاص، والمطلب ﴿أحَقُّ مِن شَهادَتِهِما﴾ يعني: النصرانيين
عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ، قال: «صلَّيتُ صلاةً رَغَبًا ورَهَبًا، ودعوتُ دُعاءً رَغَبًا ورَهَبًا، حتى فرج لي عن الجنة، فرأيتُ عناقيدها، فهويتُ أن أتناولَ منها شيئًا، فخُوِّفتُ بالنار، فسألتُ ربي ثلاثًا، فأعطاني اثنتين، وكفَّ عني الثالثة؛ سألتُه ألّا يُظهِرَ على أمتي عدُوها، ففعل، وسألتُه ألّا يُهلِكَها بالسنين، ففعل، وسألتُه ألّا يَلبِسها شيعًا ولا يُذِيقَ بعضها بأس بعض، فكفَّها عَنِّي»
عن أنس بن مالك -من طريق أبي نمر- يُحَدّث عن ليلة المسرى برسول الله ﷺ: أنه عَرج جبرائيل برسول الله ﷺ إلى السماء السابعة، ثم علا به بما لا يعلمه إلا الله، حتى جاء سِدْرة المنتهى، ودنا الجبّار ربُّ العزّة، فتدلّى، حتى كان منه قاب قوسين أو أدنى، فأوحى الله إليه ما شاء، فأوحى الله إليه فيما أوحى خمسين صلاة على أُمّته كل يوم وليلة. وذكر الحديث
عن عبد الله بن بُسْر الحُبْراني، قال: رأيتُ عبد الله بن بُسْر المازني صاحب رسول الله ﷺ إذا صلّى الجُمُعة خَرج، فدار في السوق ساعة، ثم رجع إلى المسجد فصلّى ما شاء الله أن يُصلّي، فقيل له: لأيِّ شيءٍ تصنع هذا؟ قال: لأني رأيتُ سيد المرسلين هكذا يصنع. وتلا هذه الآية: ﴿فَإذا قُضِيَتِ الصَّلاةُ فانْتَشِرُوا فِي الأَرْضِ وابْتَغُوا مِن فَضْلِ اللَّهِ﴾
عن معاذ بن جبل، قال: كُنّا مع النبي ﷺ، فتقدَّمت به راحلتُه، ثم إنّ راحلتي لَحِقَت براحلَتِه حتى نَطَحَت ركبتي ركبتَه، فقلتُ: يا رسول الله، إني أُريدُ أن أسألَك عن أمرٍ، يمنعُني مكانُ هذه الآية: ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تسألوا عن أشياء إن تبد لكم تسؤكم﴾. قال: «ما هو، يا معاذ؟». قلتُ: ما العملُ الذي يُدخِلُني الجنة، ويُنَجِّيني مِن النار؟ قال: «قد سألتَ عن عظيم، وإنه يسيرٌ؛ شهادةُ أن لا إله إلا الله، وأني رسول الله، وإقامُ الصلاة، وإيتاءُ الزكاة، وحجُّ البيت، وصومُ رمضان». ثم قال: «ألا أُخبرُك برأسِ الأمرِ، وعمودِه، وذِروتِه؟ أمّا رأسُ الأمرِ فالإسلامُ، وعمودُه الصلاة، وأما ذِروتُه فالجهاد». ثم قال: «الصيامُ جُنَّةٌ، والصدقةُ تُكفِّرُ الخطايا، وقيامُ الليل». وقرأ: ﴿تتجافى جنوبهم عن المضاجع﴾ [السجدة:١٦] إلى آخر الآية. ثم قال: «ألا أُنَبِّئُك بما هو أملكُ بالناس مِن ذلك؟». ثم أخرَج لسانَه فأمسَكه بينَ إصبَعيه، فقلتُ: يا رسول الله، أكلُّ ما نتكلَّمُ به يُكتَبُ علينا؟ قال: «ثَكِلتك أمُّك، وهل يَكُبُّ الناسَ على مناخرِهم في النار إلا حصائدُ ألسنتِهم؟! إنك لن تزالَ سالِمًا ما أمسَكتَ لسانَك، فإذا تكلَّمتَ كُتِب عليك أو لك»
رجَّحَ ابنُ جرير (٣/٢٦٠-٢٦١ بتصرف) قولَ السُّدِّيِّ، وابن زيد، ومَن قال بقولهما، مستندًا إلى السنة، ولغة العرب، فقال: «وأَوْلى التأويلين بالآية التأويلُ الذي رُوي عن رسول الله ﷺ أنّه قال: «الخيط الأبيض: بياض النهار، والخيط الأسود: سوادُ الليل». وهو المعروف في كلام العرب. وأما قوله: ﴿من الفجر﴾ فإنه -تعالى ذكره- يعني: حتى يتبين لكم الخيطُ الأبيضُ من الخيط الأسود الذي هو من الفجر، وليس ذلك هوَ جميعَ الفجر، ولكنه إذا تبيَّن من الفجر -ذلك الخيط الأبيض الذي يكون من تحت الليل الذي فوقه سواد الليل- فمن حينئذ فصُوموا، ثم أتِمُّوا صيامكم من ذلك إلى الليل. وأما الأخبارُ التي رويتْ عن رسول الله ﷺ أنّه شرب أو تسحَّر، ثم خرج إلى الصلاة؛ فإنه غير دافع صحّةَ ما قلنا في ذلك؛ لأنه غير مستنكر أن يكون ﷺ شَرب قبل الفجر ثم خرج إلى الصلاة؛ إذ كانت الصلاةُ -صلاة الفجر- هي على عهده كانت تُصلى بعد ما يطلع الفجر ويتبيَّن طلوعه، ويؤذَّن لها قبل طلوعه. وأما الخبر الذي رُوي عن حذيفة: أنّ النبي ﷺ كان يتسحّر وأنا أرى مَواقعَ النَّبل. فإنه قد استُثبتَ فيه، فقيل له: أبعد الصبح؟ فلم يُجِب في ذلك بأنه كان بعد الصبح، ولكنه قال: هو الصبح. وذلك من قوله يُحتمل أن يكون معناهُ: هو الصبح لقربه منه، وإن لم يكن هو بعينه، كما تقول العرب:»هذا فلان«شبهًا، وهي تشير إلى غير الذي سمَّته، فتقول:»هو هو«تشبيهًا منها له به، فكذلك قول حذيفة: هو الصبح، معناه: هو الصبح شبهًا به وقربًا منه. وفي قوله -تعالى ذِكْرُه-: ﴿وكلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الأبيضُ من الخيط الأسود من الفجر ثم أتموا الصيامَ إلى الليل﴾ أوضحُ الدلالة على خطأ قول من قال: حلالٌ الأكلُ والشربُ لِمَن أراد الصومَ إلى طلوع الشمس؛ لأن الخيط الأبيض من الفجر يتبين عند ابتداء طلوع أوائل الفجر». ووافقه ابنُ عطية (١/٤٥٢) مشيرًا إلى أنه قول جميع العلماء. وقال ابنُ كثير (٢/٢٠١) فيمن يقول الإمساك من طلوع الشمس: «وهذا القول ما أظُنُّ أحدًا من أهل العلم يستَقِرُّ له قدم عليه؛ لمخالفته نص القرآن في قوله: ﴿وكلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر﴾»
اختلف في معنى قوله تعالى: ﴿تَتَجافى جُنُوبُهُمْ عَنِ المَضاجِعِ﴾ على خمسة أقوال: الأول: هي الصلاة بين المغرب والعشاء، وأنها نزلت في قوم كانوا يصلون في ذلك الوقت. الثاني: عنى به صلاة المغرب. الثالث: عنى به انتظار صلاة العتمة. الرابع: عنى به قيام الليل. الخامس: أن هذه صفة قوم لا تخلو ألسنتهم من ذكر الله تعالى. وعلَّق ابنُ عطية (٧/٧٦) على القول الأول والثاني بقوله: «وكانت الجاهلية ينامون في أول الغروب، ومن أي وقت شاء الإنسان، فجاء انتظار وقت العشاء الآخرة غريبًا شاقًّا». وبيَّن ابنُ جرير (١٨/٦١٣ بتصرف) أن «الله وصف هؤلاء القوم بأن جنوبهم تَنبُو عن مضاجعهم، شُغُلًا منهم بدعاء ربهم، وعبادته خوفًا وطمعًا، وذلك نُبُوُّ جنوبهم عن المضاجع ليلًا؛ لأنّ المعروف من وصْفِ الواصف رجلًا بأن جَنبَه نَبا عن مضجعه، إنما هو وصفٌ منه له بأنّه جفا عن النوم في وقت منام الناس المعروف، وذلك الليل دون النهار، وكذلك تصف العرب الرجل إذا وصَفَتْه بذلك... فإذا كان ذلك كذلك، وكان الله -تعالى ذِكْره- لم يَخْصُصْ في وصْفِه هؤلاء القوم بالذي وصفهم به من جفاء جنوبهم عن مضاجعهم من أحوال الليل وأوقاته حالًا ووقتًا دون حالٍ ووقتٍ؛ كان واجبًا أن يكون ذلك على كلِّ آناء الليل وأوقاته، وإذا كان كذلك كانت جميع الأقوال داخلة في ظاهر قوله: ﴿تَتَجافى جُنُوبُهُمْ عَنِ المَضاجِعِ﴾؛ لأن جَنبَه قد جفا عن مضجعه في الحال التي قام فيها للصلاة؛ قائمًا صلّى، أو ذَكَر الله، أو قاعدًا بعد أن لا يكون مضطجعًا، وهو على القيام أو القعود قادر». غير أنه رجَّح القول الرابع مستندًا إلى دلالة الأغلب استعمالًا لغة والسنة، وهو قول الحسن، ومجاهد، وابن زيد، والأوزاعي، وعلَّل ذلك بقوله: «لأن ذلك أظهر معانيه، والأغلب على ظاهر الكلام، وبه جاء الخبر عن رسول الله ﷺ». وذكر حديث معاذ بن جبل رضي الله عنه، ومجاهد من طريق أبي يحيى. ووافقه ابنُ عطية (٧/٧٦-٧٧) مستندًا إلى ذلك مع دلالة العقل، فقال: «وعلى هذا التأويل أكثر الناس، وهو الذي فيه المدح، وفيه حديث عن النبي ﷺ يذكر فيه قيام الليل ثم يستشهد بالآية... ورجَّح الزجاج هذا القول بأنهم جوزوا بإخفاء، فدل ذلك على أن العمل إخفاءٌ أيضًا، وهو قيام الليل»
عن أبي عياش الزُّرَقِيّ، قال: كنا مع رسول الله ﷺ بعُسْفان، فاستقبلنا المشركون، عليهم خالد بن الوليد، وهم بيننا وبين القبلة، فصلى بنا النبي ﷺ الظهر، فقالوا: قد كانوا على حال لو أصبنا غِرَّتَهم. ثم قالوا: يأتي عليهم الآن صلاة هي أحبُّ إليهم من أبنائهم وأنفسهم. فنزل جبريل بهذه الآيات بين الظهر والعصر: ﴿وإذا كنت فيهم فأقمت لهم الصلاة﴾. فحضرت، فأمرهم رسول الله ﷺ فأخذوا السلاح، وصففنا خلفه صفَّين، ثم ركع، فركعنا جميعًا، ثم سجد بالصف الذي يليه، والآخرون قيام يحرسونهم، فلما سجدوا وقاموا جلس الآخرون، فسجدوا في مكانهم، ثم تقدم هؤلاء إلى مصافِّ هؤلاء، وهؤلاء إلى مصافِّ هؤلاء، ثم ركع، فركعوا جميعًا، ثم رفع، فرفعوا جميعًا، ثم سجد الصفُّ الذي يليه، والآخرون قيام يحرسونهم، فلما جلسوا جلس الآخرون، فسجدوا، ثم سلم عليهم، ثم انصرف. قال: فصلّاها رسول الله ﷺ مرتين؛ مرة بعسفان، ومرة بأرض بني سليم
عن جابر، قال: قاتَل رسول الله ﷺ مُحارِب خَصَفة بنَخْل، فرَأَوْا من المسلمين غِرَّة، فجاء رجل منهم يقال له: غَوْرَث بن الحارث، حتى قام على رأس رسول الله ﷺ بالسيف، وقال: مَن يَمْنَعُك مِنِّي؟! قال: «الله». فوقع السيف مِن يده، فأخذه رسول الله ﷺ، وقال: «من يمنعك؟» قال: كُن خير آخِذ. قال: «تشهد أن لا إله إلا الله، وأنِّي رسول الله». قال: أُعاهِدُك ألّا أُقاتِلَك، ولا أكونَ مع قوم يقاتلونك. فخَلّى سبيلَه، فجاء إلى قومه، فقال: جئتُكم من عندِ خير الناس. فلما حَضَرَت الصلاةُ صلى رسول الله ﷺ صلاة الخوف، فكان الناسُ طائفتين: طائفة بإزاء العدو، وطائفة تصلي مع رسول الله ﷺ، فصَلّى بالذين معه ركعتين، فانصرفوا، فكان موضع أولئك الذين بإزاء عدوهم، وجاء أولئك فصلى بهم رسول الله ﷺ ركعتين، فكانت للناس ركعتين ركعتين، وللنبي ﷺ أربع ركعات
عن أُبَيِّ بن كعب، قال: بينا نحنُ مع رسول الله ﷺ في صلاة الظهر، والناسُ في الصفوفِ خلفَه، فرأَيناه تناوَل شيئًا، فجعَل يتناولُه، فتأخَّر، فتأخَّر الناس، ثم تأخَّر الثانية، فتأخَّر الناس، فقلتُ: يا رسول الله، رأَيناك صنَعتَ اليومَ شيئًا ما كنتَ تصنعُه في الصلاة. فقال: «إنّه عُرِضت عليَّ الجنةُ بما فيها مِن الزُّهْرَة والنَّضْرة، فتناولتُ قِطفًا مِن عِنَبِها، ولو أخَذتُه لأكَل منه مَن بين السماء والأرض لا يَنقُصونه، فحِيل بيني وبينه، وعُرِضَت عليَّ النار، فلما وجَدتُ سُفعتَها تأخرتُ عنها، وأكثرُ مَن رأيتُ فيها النساء؛ إن ائتُمنَّ أفشَين، وإن سألن ألْحَفن، وإذا سُئلن بَخِلن، وإذا أُعطِين لم يَشكُرن، ورأيتُ فيها عمرَو بن لُحَيٍّ يَجُرُّ قُصبَه في النار، وأشبهُ مَن رأيتُ به مَعبَدُ بن أكثمَ الخزاعي». فقال معبدٌ: يا رسول الله، أتخشى عليَّ مِن شَبَهِه؟ قال: «لا، أنت مؤمنٌ، وهو كافرٌ، وهو أولُ مَن حمَل العربَ على عبادة الأصنام»