سورة النصر — الآية ١

عن عبد الله بن عباس -من طريق سعيد بن جُبَير- قال: كان عمر يُدخِلني مع أشياخ بدر، فقال له عبد الرحمن بن عوف: لِمَ تُدخِل هذا الفتى معنا ولنا أبناء مثله؟ فقال: إنّه مِمَّن قد عَلِمْتُم. فدعاهم ذات يوم، ودعاني معهم، وما رأيتُه دعاني يومئذ إلا ليُريهم مني، فقال: ما تقولون في قوله: ﴿إذا جاءَ نَصْرُ اللَّهِ والفَتْحُ﴾ حتى ختم السورة؟ فقال بعضهم: أمرنا الله أن نحمده ونستغفره إذا جاء نصْر الله وفتَح علينا. وقال بعضهم: لا ندري. وبعضهم لم يقل شيئًا، فقال لي: يا ابن عباس، أكذاك تقول؟ قلتُ: لا. قال: فما تقول؟ قلتُ: هو أجَل رسول الله ﷺ أعلَمه الله له: ﴿إذا جاءَ نَصْرُ اللَّهِ والفَتْحُ﴾ فتْح مكة، فذلك علامة أجَلك، ﴿فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ واسْتَغْفِرْهُ إنَّهُ كانَ تَوّابًا﴾. فقال عمر: ما أعلم منها إلا ما تعلم

قال ابنُ جرير (٦‏/‏٤٥٧-٤٥٩ بتصرف): «وقد ذُكِرَ أنّ هذه الآية نزلت على النبي ﷺ تبيينًا مِن الله الواجبَ مِن الحكم في ميراث مَن مات وخلّف ورَثَةً على ما بيَّن؛ لأنّ أهل الجاهلية كانوا لا يقسمون مِن ميراث الميت لأحد مِن ورثته بعده مِمَّن كان لا يُلاقي العدوَّ، ولا يُقاتِل في الحروب مِن صغار ولده، ولا للنساء منهم. وكانوا يَخُصُّون بذلك المُقاتِلة دون الذرية. فأخبر الله -جل ثناؤه- أن ما خلفه الميت بين مَن سَمّى وفرض له ميراثًا في هذه الآية، وفي آخر هذه السورة، فقال في صغار ولد الميت وكبارهم وإناثهم: لهم ميراث أبيهم، إذا لم يكن له وارِثٌ غيرُهم، للذكر مثل حظ الأنثيين. وقال آخرون: بل نزل ذلك مِن أجل أنّ المال كان للولد قبل نزوله، وللوالدين الوصية، فنسخ الله -تبارك وتعالى- ذلك بهذه الآية»

انتقد ابنُ كثير (١٠‏/‏٣٨٧) مستندًا إلى أحوال النزول، وعدم الدليل النقلي الثابت، بأن يكون سبب نزول هذه الآية في شعراء الأنصار؛ فقال بعد أن ذكر رواية أبي الحسن، وعروة في نزول الآية، وحكى عن ابن عباس، وعكرمة، ومجاهد، وقتادة، وزيد بن أسلم قولهم: إنّ هذا استثناء مما تقدم: «ولا شك أنه استثناء، ولكن هذه السورة مكية، فكيف يكون سبب نزول هذه الآية في شعراء الأنصار؟! في ذلك نظر، ولم يتقدم إلا مرسلات لا يعتمد عليها». ولكنه رجَّح عموم معنى الاستثناء في الآية لهم ولغيرهم، فقال: «ولكن هذا الاستثناء يدخل فيه شعراء الأنصار وغيرهم، حتى يدخل فيه مَن كان مُتَلَبِّسًا مِن شعراء الجاهلية بذمِّ الإسلام وأهله، ثم تاب وأناب، ورجع وأقلع، وعمل صالحًا، وذكر الله كثيرًا في مقابلة ما تقدم من الكلام السَّيئ، فإنّ الحسنات يذهبن السيئات، وامتدح الإسلام وأهله في مقابلة ما كذب بذمه»

سورة القيامة — الآية ٢٣

عن أبي هريرة، قال: قال الناس: يا رسول الله، هل نَرى ربَّنا يوم القيامة؟ قال: «هل تُضارُّون في الشمس ليس دونها سحاب؟». قالوا: لا، يا رسول الله. قال: «فإنكم ترَونه يوم القيامة كذلك، يَجمع الله الناس فيقول: مَن كان يعبد شيئًا فليَتْبعه. فيتْبَع مَن كان يَعبد الشمس الشمس، ويَتبع مَن كان يَعبد القمر القمر، ويَتبع مَن كان يَعبد الطواغيت الطواغيت، وتَبقى هذه الأُمّة فيها منافقوها، فيأتيهم الله في غير الصورة التي يَعرفون، فيقول: أنا ربّكم. فيقولون: نعوذ بالله منك، هذا مكاننا حتى يأتيَنا ربُّنا، فإذا أتانا ربُّنا عَرفناه. فيأتيهم الله في الصورة التي يَعرفون، فيقول: أنا ربّكم. فيقولون: أنت ربُّنا. فيَتبعونه، ويُضرب جسر جهنم». قال رسول الله ﷺ: «فأكون أول مَن يُجيز، ودعاء الرُّسُل يومئذ: اللهم، سَلِّم سَلِّم. وفيه كلاليب مثل شَوك السَّعْدان، غير أنه لا يَعلم قدْر عِظَمها إلا الله، فتَخطف الناس بأعمالهم، منهم المُوبَق بعمله، ومنهم المُخَردَل ثم ينجو، حتى إذا فَرغ الله من القضاء بين عباده، وأراد أن يُخرِج من النار مَن أراد أن يُخرِجه ممن كان يشهد أن لا إله إلا الله، أمَر الملائكة أن يُخرجوهم، فيَعرفونهم بآثار السّجود، وحَرّم الله على النار أن تَأكل من ابن آدم أثَر السّجود، فيُخرجونهم قد امتُحِشُوا، فيُصبّ عليهم ماء يقال له: ماء الحياة، فيَنبُتُون نبات الحبّة في حَمِيل السّيْل، ويبقى رجل مُقبِل بوجهه على النار، فيقول: يا ربّ، قد قَشَبني ريحها، وأَحرَقني ذَكاؤها، فاصرف وجهي عن النار. فلا يَزال يدعو الله، فيقول: لَعَلّي إنْ أعطيتُك ذلك تسألني غيره. فيقول: لا وعزّتك، لا أسألك غيره. فيَصرف وجهه عن النار، ثم يقول بعد ذلك: يا ربّ، قَرِّبني إلى باب الجنة. فيقول: أليس قد زعمتَ أنك لا تسألني غيره؟ ويلك، يا ابن آدم، ما أغدرك! فلا يَزال يدعو، فيقول: لَعَلّي إنْ أعطيتُك ذلك تسألني غيره. فيقول: لا وعزّتك، لا أسألك غيره. فيُعطي الله مِن عهود ومواثيق ألا يَسأله غيره، فيُقرِّبه إلى باب الجنة، فإذا رأى ما فيها سكَتَ ما شاء الله أن يسكت، فيقول: ربِّ، أدخِلني الجنة. فيقول: أليس قد زعمتَ ألا تسألني غيره؟ ويلك، يا ابن آدم، ما أغدرك! فيقول: ربّ، لا تَجعلني أشقى خَلْقك. فلا يزال يدعو حتى يَضحك الله عز وجل، فإذا ضحك منه أذِن له بالدخول فيها، فإذا دَخل فيها قيل له: تَمَنَّ مِن كذا. فيتَمنّى، ثم يقال له: تمَنَّ مِن كذا. فيتَمنّى، حتى تَنقطع به الأماني، فيقول: هذا لك ومثله معه». قال أبو هريرة: وذلك الرجل آخر أهل الجنة دخولًا الجنة. قال: وأبو سعيد الخُدري جالس مع أبي هريرة لا يُغيّر عليه شيئًا من حديثه حتى انتهى إلى قوله: «هذا لك ومثله معه». قال أبو سعيد: سمعتُ رسول الله ﷺ يقول: «هذا لك وعشرة أمثاله». قال أبو هريرة: حَفظتُ: «ومثله معه»

سورة يوسف — الآية ١٥

عن إسماعيل السُّدِّيّ -من طريق أسباط- قال: فلمّا أجمعوا أمرَهم على ذلك أتَوا أباهم، فقالوا: ﴿يا أبانا ما لك لا تَأمَنّا على يوسف﴾. قال: لن أُرْسِلَه معكم؛ إني ﴿أخاف أن يأكُلَه الذئب وأنتم عنه غافلون*قالوا لئن أكله الذئب ونحن عُصْبَةٌ إنا إذا لخاسرون﴾. فأَرسَلَه معهم، فأخرَجوه وبه عليه كرامة، فلمّا بَرَزوا به إلى البَرِّيَّةِ أظهَروا له العداوة، فجعَل يضرِبُه أحدُهم، فيستغيث بالآخر فيضربه، فجعل لا يرى منهم رحيمًا، فضربوه حتى كادوا يقتُلونه، فجعل يصيح ويقول: يا أبتاه، يا يعقوب، لو تعلم ما صنَع بابنِك بنو الإماء. فلمّا كادوا يقتلونه قال يهوذا: أليس قد أعطيتُموني موثِقًا ألّا تقتلوه؟! فانطلقوا به إلى الجُبِّ لِيَطرَحوه فيه، فجعلوا يُدْلُونه في البئر، فيتعلق بشفير البئر، فربطوا يديه، ونزعوا قميصه، فقال: يا إخوتاه، رُدُّوا علىَّ قميصي أتوارى به في الجُبِّ. فقالوا له: ادْعُ الأحدَ عشرَ كوكبًا والشمس والقمر يُؤْنِسوك. قال: فإنِّي لم أر شيئًا. فدَلَّوه في البئر حتى إذا بلغ نصفها ألْقَوْه إرادةَ أن يموت، فكان في البئر ماءٌ، فسقط فيه، فلم يَضُرَّه، ثم أوى إلى صخرة في البئر، فقام عليها، فجعل يبكي، فناداه إخوته، فظنَّ أنها رِقَّةٌ أدْرَكَتْهم، فأجابهم، فأرادوا أن يَرْضَخوه بصخرة فيقتلوه، فقام يهوذا فمَنَعَهُم، وقال: قد أعْطيتُموني مَوثِقًا ألّا تقتلوه. فكان يهوذا يأتيه بالطعام

سورة الأنعام — الآية ٥١

عن عكرمة مولى ابن عباس -من طريق ابن جُرَيْج- قال: مشى عُتبةُ بنُ ربيعة، وشيبةُ بن ربيعة، وقُرَظَةُ بن عبد عمرو بن نَوْفَل، والحارث بن عامر بن نوفل، ومُطعِمُ بن عَدِي بن الخيار بن نوفل، في أشراف الكفار مِن عبد مناف إلى أبي طالب، فقالوا: لو أنّ ابن أخيك طرَد عنا هؤلاء الأعبُد، فإنما هم عبيدُنا وعُسَفاؤُنا؛ كان أعظمَ له في صدورنا، وأطوَعَ له عندَنا، وأدْنى لاتِّباعنا إيّاه وتصديقه. فذكر ذلك أبو طالب للنبي ﷺ، فقال عمر بن الخطاب: لو فعَلتَ ذلك -يا رسول الله- حتى نَنظرَ ما يُريدون بقولهم، وما يصيرون إليه مِن أمرِهم؟ فأنزل الله: ﴿وأنذر به الذين يخافون أن يحشروا إلى ربهم﴾ إلى قوله: ﴿أليس الله بأعلم بالشاكرين﴾. قال: وكانوا بلالًا، وعمار بن ياسر، وسالِمًا مولى أبي حذيفة، وصَبيحًا مولى أسِيد، ومِن الحلفاء ابنُ مسعود، والمقدادُ بن عمرو، وواقِدُ بنُ عبد الله الحَنظَلي، وعمرُو بن عبد عمرو ذو الشِّمالَين، ومَرثَدُ بن أبي مَرثَدٍ وأشباهُهم، ونزلت في أئمة الكفر من قريش والموالي والحلفاء: ﴿وكذلك فتنا بعضهم ببعض ليقولوا﴾ الآية. فلما نزلت أقبلَ عمرُ بن الخطاب فاعتَذَر مِن مَقالته؛ فأنزل الله: ﴿وإذا جاءك الذين يؤمنون بآياتنا﴾ الآية

قال مقاتل بن سليمان: سورة الأنعام مكية كلها، إلا هذه الآيات. نزلت بالمدينة، ونزلت ليلًا، وهي خمس وستون ومائة آية كوفي. والآيات المدنية هي: ﴿قُلْ تَعالَوْا أتْلُ ما حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ﴾ إلى قوله: ﴿لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ [١٥١] وهي الآيات المحكمات، وقوله: ﴿وما قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾ إلى آخر الآية [٩١]، وقوله: ﴿ومَن أظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلى اللَّهِ كَذِبًا أوْ قالَ أُوحِيَ إلَيَّ﴾ نزلت في مسيلمة، ﴿ومَن قالَ سَأُنْزِلُ مِثْلَ ما أنْزَلَ اللَّهُ﴾ نزلت في عهد عبد الله بن سعد بن أبي سرح، وقوله: ﴿ولَوْ تَرى إذِ الظّالِمُونَ فِي غَمَراتِ المَوْتِ﴾ [٩٣]، وقوله: ﴿والَّذِينَ آتَيْناهُمُ الكِتابَ يَعْلَمُونَ أنَّهُ مُنَزَّلٌ مِن رَبِّكَ بِالحَقِّ﴾ [١١٤]، ﴿الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الكِتابَ يَعْرِفُونَهُ﴾ [٢٠]، هذه الآيات مدنيات، وسائرها مكي. نزل بها جبريل عليه السلام، ومعه سبعون ألف ملك، طبَّقوا ما بين السماء والأرض، لهم زَجَل بالتسبيح والتمجيد والتحميد، حتى كادت الأرض أن تَرْتَجَّ، فقال النبي ﷺ: «سبحان الله العظيم وبحمده». وخرَّ النبي ساجدًا، فيها خصومة مشركي العرب وأهل الكتاب

سورة الأحزاب — الآية ١٢

قال يحيى بن سلّام: ﴿وإذْ يَقُولُ المُنافِقُونَ والَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾ وهم المنافقون، وصفهم بالوجهين جميعًا، والنفاق أنهم نافقوا بقلوبهم عن ما أظهروا بألسنتهم، والمرض ما في قلوبهم: ﴿ما وعَدَنا اللَّهُ ورَسُولُهُ﴾ في ما يزعم أنّه رسوله ﴿إلّا غُرُورًا﴾، وذلك أنّه لَمّا أنزل الله في سورة البقرة: ﴿أمْ حَسِبْتُمْ أنْ تَدْخُلُوا الجَنَّةَ﴾ إلى قوله: ﴿ألا إنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ﴾ [البقرة:٢١٤] فوعد الله المؤمنين أن ينصرهم كما نصر مَن قبلهم بعد أن يُزَلْزَلوا، وهي الشدة، وأن يُحرَّكوا بالخوف كما قال النبيون حيث يقول الله: ﴿حَتّى يَقُولَ الرَّسُولُ والَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتى نَصْرُ اللَّهِ﴾. قال الله: ﴿ألا إنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ﴾. فقال المنافقون: وعدنا الله النصرَ، فلا نرانا نُنْصر، ونرانا نُقتل ونُهزم. ولم يكن في ما وعدهم الله ألا يُقتَل منهم أحد، وألّا يُهزَموا في بعض الأحايين، وقد قال في آية أخرى: ﴿وتِلْكَ الأَيّامُ نُداوِلُها بَيْنَ النّاسِ﴾ [آل عمران:١٤٠]، وإنما وعدهم النصر في العاقبة

علَّق ابنُ عطية (٣‏/‏٥٠٣) على قول ابن مسعود، وابن عباس، ومجاهد، وسعيد بن جبير من طريق سالم، والضحاك، والحسن، وأبي وائل، والقاسم بن أبي بزة، والنخعي من طريق أبي المحجل، وأبي صالح، وعطاء، والقرظي، فقال: «وهذه هي الغاية من الطرفين». واستدل ابنُ تيمية (٣‏/‏١٢١ بتصرف) لقولهم من القرآن، فقال: «دليله: قوله تعالى: ﴿مَن جاءَ بِالحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنها وهُمْ مِن فَزَعٍ يَوْمَئِذٍ آمِنُونَ * ومَن جاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَكُبَّتْ وُجُوهُهُمْ فِي النّارِ هَلْ تُجْزَوْنَ إلا ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [النمل:٨٩-٩٠]، وذلك لأنّ جميع أعمال البر هي داخلة في التوحيد، فجميع الأعمال الحسنة تضاعف لصاحبها، وجميعها من عبادة الله وحده، وهي من فروع قول: لا إله إلا الله». ثم وجَّه قولهم بقوله: ""فمَن قال: الحسنة لا إله إلا الله. لم يُرِد أنّ هذه الكلمة وحدها هي الحسنة دون العمل بمقتضاها، بل هي عنده الشجرة الجامعة، والأعمال داخلة فيها وفروع لها. وكذلك السيئة هي العمل لغير الله، وهذا هو الشرك. والذنوب كلها جزء من الشرك، وهي من فروعه، فإنها جميعها طاعة للشيطان واتباع لخطواته، قال الله تعالى: ﴿ألَمْ أعْهَدْ إلَيْكُمْ يا بَنِي آدَمَ أنْ لا تَعْبُدُوا الشَّيْطانَ إنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ * وأَنِ اعْبُدُونِي هَذا صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ﴾ [يس:٦٠-٦١]. لكن إذا كان الإنسان موحدًا وقد فعل بعض الذنوب نقص إيمانه وتوحيده بحسب ذلك، كما قال النبي ﷺ: «لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن». ورجَّح ابنُ عطية (٣‏/‏٥٠٣) مستندًا إلى دلالة العموم أنّ الظاهر هو أنّ الحسنة والسيئة لفظ عام في جميع الحسنات والسيئات

للسلف في تفسير قوله: ﴿بروجا﴾ قولان: الأول: أنها النجوم الكبار. الثاني: أنها القصور التي في السماء. وقد رجّح ابنُ جرير (١٧‏/‏٤٨٤) مستندًا إلى اللغة القولَ الثاني، فقال: ""لأن ذلك في كلام العرب ﴿ولو كنتم في بروج مشيدة﴾ [النساء:٧٨]، وقول الأخطل:كأنها برجُ رُومِيٍّ يُشَيِّده بانٍ بِحص وآجُرٍّ وأحجاريعني بالبرج: القصر"". وقال ابنُ عطية (٦‏/‏٤٥٢): «والبروج هي التي علمتها العرب بالتجربة، وكل أمة مُصحِرة، وهي الشهور عند اللغويين وأهل تعديل الأوقات، وكل برج منها على منزلتين وثلث مِن منازل القمر التي ذكرها الله تعالى في قوله: ﴿والقَمَرَ قَدَّرْناهُ مَنازِلَ﴾ [يس:٣٩]، والعرب تسمي البناء المرتفع المستغني بنفسه: برجًا، تشبيهًا ببروج السماء». وذكر ابنُ عطية القول الأول، وعلّق عليه قائلًا: «حكاه الثعلبي عن أبي صالح، وهذا غير ما بيناه إلا أنه غير مُخلَّص». وذكر ابن عطية (٦‏/‏٤٥٢) في الآية قولًا ثالثًا لم ينسبه لأحد مِن السلف: أنّ البروج قصور في الجنة. ثم انتقده مستندًا إلى الدلالة العقلية بقوله: «وأما القول بأنها قصور في الجنة فقول يحط غرض الآية في التنبيه على أشياء مُدرَكات تقوم بها الحُجَّة على كل مُنكِر لله أو جاهل به». وذكر ابنُ كثير (١٠‏/‏٣١٨) القولين، ثم رجّح مستندًا إلى النظائر الأول، فقال: «والقول الأول أظهر، اللهم إلا أن يكون الكواكب العظام هي قصور للحرس، فيجتمع القولان، كما قال تعالى: ﴿ولقد زينا السماء الدنيا بمصابيح وجعلناها رجوما للشياطين﴾ [الملك:٥]؛ ولهذا قال: ﴿تبارك الذي جعل في السماء بروجا وجعل فيها سراجا﴾ وهي الشمس المنيرة، التي هي كالسراج في الوجود، كما قال: ﴿وجعلنا سراجا وهاجا﴾ [النبأ:١٣]»