عن سعيد بن المسيب، وأبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام، وعروة بن الزبير -من طريق ابن شهاب- قالوا: بعَث رسول الله - ﷺ - عمرَو بن أميةَ الضَّمْرِيَّ وكتَب معه كتابًا إلى النَّجاشي، فقَدِم على النجاشي، فقَرَأ كتابَ رسول الله - ﷺ -، ثم دَعا جعفر بن أبي طالب والمهاجرين معه، وأرسَل النجاشيُّ إلى الرُّهْبان والقِسِّيسينَ فجمَعهم، ثم أمرَ جعفرَ بن أبي طالب أن يَقْرَأَ عليهم القرآن، فقرَأ عليهم سورة مريم، فآمَنوا بالقرآن، وفاضَت أعينُهم مِن الدمع، وهم الذين أُنزِل فيهم: ﴿ولتجدن أقربهم مودة﴾ إلى قوله: ﴿من الشاهدين﴾
عن أبي ميسرة عمرو بن شُرَحْبِيل -من طريق أبي إسحاق- قال: في المائدة ثمان عشرة فريضة، ليس في سورة من القرآن غيرها، وليس فيها منسوخ: ﴿والمنخنقة والموقوذة والمتردية والنطيحة وما أكل السبع إلا ما ذكتيم وما ذبح على النصب وأن تستقيموا بالأزلام﴾ [المائدة:٣]، و﴿الجوارح مكلبين﴾ [المائدة:٤]، ﴿وطعام الذين أوتوا الكتاب﴾ [المائدة:٥]، ﴿والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب﴾ [المائدة:٥]، وتمام الطهور ﴿إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا﴾ [المائدة:٦]، ﴿والسارق والسارقة﴾ [المائدة:٣٨]، و﴿ما جعل الله من بحيرة﴾ الآية [المائدة:١٠٣]
عن حميد بن عبد الرحمن بن عوف، عن رجل من الأنصار: أنّه كان مع رسول الله ﷺ في سفر، فقال: لأنظُرَنَّ كيف يصلي رسول الله ﷺ. قال: فنام رسول الله ﷺ، ثم استيقظ، فرفع رأسه إلى السماء، فتلا أربع آيات من آخر سورة آل عمران [١٩٠-١٩٣]: ﴿إن في خلق السموات والأرض واختلاف الليل والنهار﴾ حتى مر بالأربع، ثم أهوى إلى القربة، فأخذ سواكًا فاستنَّ به، ثم توضأ، ثم صلى، ثم نام، ثم استيقظ، فصنع كصنعه أول مرة، ويزعمون أنّه التهجد الذي أمره الله
عن صفية بنت شيبة، قالت: بينا نحن عند عائشة، فذكرت نساء قريشٍ وفضلهن، فقالت عائشة: إنّ نساءَ قريش لَفَضْلى، وإنِّي -واللهِ- ما رأيتُ أفضل مِن نساء الأنصار؛ أشدَّ تصديقًا بكتاب الله، ولا إيمانًا بالتنزيل، لقد أُنزِلت سورة النور: ﴿وليضربن بخمرهن على جيوبهن﴾، انقلب رجالُهُنَّ إليهِنَّ يتلون عليهِنَّ ما أُنزِل إليهِنَّ فيها، ويتلو الرجل على امرأته وبنته وأخته وعلى ذي قرابته، فما مِنهُنَّ امرأةٌ إلا قامت إلى مرطها، فاعْتَجَرَتْ به، تصديقًا وإيمانًا بما أنزل الله من كتابه، فأصبحن وراء رسول الله ﷺ الصبح مُعْتَجِراتٍ، كأنّ على رؤوسهن الغِرْبان
عن قتادة بن دعامة -من طريق سعيد- قال: لَمّا نزلت هذه الآيةُ قال أُناسٌ مِن أهل الضلالة: زعم صاحبُكم هذا أنّ الساعة قد اقتربت. فتَناهَوْا قليلًا، ثم عادوا إلى أعمالهم، أعمال السوء. فلمّا نزل: ﴿أتى أمر الله فلا تستعجلوه﴾ [النحل:١] قال أُناس مِن أهل الضلالة: يزعم هذا الرجلُ أنه قد أتى أمر الله. فتناهوا قليلًا، ثم عادوا؛ فأنزل الله -تبارك وتعالى- في سورة هود [٨]: ﴿ولئن أخرنا عنهم العذاب إلى أمة معدودة ليقولن ما يحبسه﴾؟ قال الله: ﴿ألا يوم يأتيهم ليس مصروفا عنهم﴾ يعني: العذاب
عن عبد الله بن عباس -من طريق عطية العَوفيّ- في قوله: ﴿وأَنِيبُوا إلى رَبِّكُمْ وأَسْلِمُوا لَهُ﴾: وإنما يعاتب الله أولي الألباب، وإنّما الحلال والحرام لأهل الإيمان، فإيّاهم عاتب، وإيّاهم أمر إذا أسرف أحدُهم على نفسه أن لا يَقْنطَ مِن رحمة الله، وأن يتوب، ولا يُنظِر بالتوبة من ذلك الإسراف والذنب الذي عمل، وقد ذكر الله في سورة آل عمران المؤمنين حين سألوا المغفرة فقالوا: ﴿رَبَّنا اغْفِرْ لَنا ذُنُوبَنا وإسْرافَنا فِي أمْرِنا﴾ [آل عمران:١٤٧]. فينبغي أن يُعلم أنهم كانوا يصيبون الإسراف، فأمرهم بالتوبة من إسرافهم
قال مقاتل بن سليمان: ﴿فَأَمّا الإنْسانُ إذا ما ابْتَلاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ ونَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أكْرَمَنِ وأَمّا إذا ما ابْتَلاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أهانَنِ﴾، قال: يقول: ﴿كلا﴾ ما أغنيتُ هذا الغني لكرامته، ولا أفقرتُ هذا الفقير لهوانه عليّ، ولكن كذلك أردتُ أنْ أُحسن إلى هذا الغني في الدنيا، وأهون على هذا الفقير حسابه يوم القيامة، ثم قال في سورة أخرى: ﴿فَإنَّ مَعَ العُسْرِ يُسْرًا إنَّ مَعَ العُسْرِ يُسْرًا﴾ [الشرح:٥-٦]. يقول: ليس من شدة إلا بعدها رخاء، ولا رخاء إلا بعده شدة
عن عبد الله بن عباس -من طريق علي- في قوله: ﴿وما كان المؤمنون لينفروا كافة﴾ يعني: ما كان المؤمنون لينفروا جميعًا، ويتركوا النَّبِيَّ ﷺ وحده، ﴿فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة﴾ يعني: عُصْبَة، يعني: السَّرايا، فلا يسيرون إلا بإذنه، فإذا رَجَعَتِ السَّرايا وقد نزل قرآنٌ تَعَلَّمه القاعدون من النبىِّ ﷺ، قالوا: إنّ الله قد أنزل على نبيِّكم بعدنا قرآنًا، وقد تَعَلَّمناه. فتَمكُثُ السَّرايا يتعلمون ما أنزل الله على نبيِّهم ﷺ بعدهم، ويبعث سرايا أُخَرَ، فذلك قوله: ﴿ليتفقهوا فى الدين﴾، يقول: يتعلمون ما أنزل الله على نبيِّه، وليُعَلموه السَّرايا إذا رجعت إليهم لعلهم يحذرون
عن إسماعيل السُّدِّيّ -من طريق أسباط- قال: دنا فرعونُ وأصحابه -بعد ما قطع موسى ببني إسرائيل البحر- من البحر، فلمّا نظر فرعون إلى البحر مُنفَلِقًا قال: ألا ترون البحر فرق مني، قد تَفَتَّح لي حتى أُدْرِك أعدائي، فأقتلهم. فذلك قول الله: ﴿وأزلفنا ثم الآخرين﴾، يقول: قرَّبنا ثَمَّ الآخرين، هم آل فرعون. فلما قام فرعون على أفواه الطرق أبت خيلُه أن تقتحم، فنزل على ماذيانة، فشامَّت الحُصُن ريح الماذيانة، فاقتحمت في إثرها، حتى إذا هَمَّ أوَّلهم أن يخرج ودخل آخرهم أمر الله البحر أن يأخذهم، فالتطم عليهم، وتفرَّد جبريلُ بفرعون بِمَقلةٍ مِن مَقلِ البحر، فجعل يدسها في فيه
ذكر ابنُ عطية اختلاف العلماء في معنى: ﴿يُحَرِّفُونَ الكَلِمَ عَنْ مَواضِعِهِ﴾، فقال: «فقال قوم -منهم عبد الله بن عباس-: تحريفهم هو بالتأويل، ولا قدرة لهم على تبديل الألفاظ في التوراة، ولا يتمكن لهم ذلك، ويدل على ذلك بقاء آية الرجم، واحتياجهم إلى أن يضع القارئ يده عليها. وقالت فرقة: بل حرَّفوا الكلام وبدَّلوه أيضًا، وفعلوا الأمْرَين جميعًا بحسب ما أمكنهم». ثم رجَّح (٣/١٣٠) مستندًا إلى دلالة القرآن، والواقع القولين معًا، فقال: «وألفاظ القرآن تحتمل المعنيين، فقوله تعالى: ﴿فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الكِتابَ بِأَيْدِيهِمْ﴾ [البقرة:٧٩] الآيةَ تقتضي التبديل، ولا شكَّ أنهم فعلوا الأمْرَين»