سورة ص — الآية ٢٤

عن أبي عمران الجوني -من طريق جعفر- في قوله: ﴿وهَلْ أتاكَ نَبَأُ الخَصْمِ﴾، قال: قال لهما: اجلِسا مجلس الخصم. فجلسا، فقال لهما: قُصّا. فقال أحدهما: ﴿إنَّ هَذا أخِي لَهُ تِسْعٌ وتِسْعُونَ نَعْجَةً ولِيَ نَعْجَةٌ واحِدَةٌ فَقالَ أكْفِلْنِيها وعَزَّنِي فِي الخِطابِ﴾. فعجب داود، وقال: ﴿لَقَدْ ظَلَمَكَ بِسُؤالِ نَعْجَتِكَ إلى نِعاجِهِ﴾. فأغلظ له أحدُهما، وارتفعا، فعرف داود أنما وُبِّخ بذنبه، فسجد مكانه أربعين يومًا وليلة، لا يرفع رأسَه إلا إلى صلاة الفريضة، حتى يبست وقرِحت جبهته، وقرِحت كفاه وركبتاه...

سورة الجمعة — الآية ٩

قال مالك بن أنس: وإنما السّعي في كتاب الله: العمل والفعل؛ ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إذا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِن يَوْمِ الجُمُعَةِ فاسْعَوْا إلى ذِكْرِ اللَّهِ﴾، يقول الله -تبارك وتعالى-: ﴿وإذا تَوَلّى سَعى فِي الأَرْضِ﴾ [البقرة:٢٠٥]، وقال تعالى: ﴿وأَمّا مَن جاءَكَ يَسْعى وهُوَ يَخْشى﴾ [عبس:٨-٩]، وقال: ﴿ثُمَّ أدْبَرَ يَسْعى﴾ [النازعات:٢٢]، وقال: ﴿إنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتّى﴾ [الليل: ٤]. قال مالك: فليس السّعي الذي ذكر الله في كتابه بالسّعي على الأقدام، ولا الاشتداد، وإنما عنى العمل والفعل

قال ابنُ جرير (٥‏/‏٥) مستندًا إلى أقوال السّلف في تأويل الآية: «يعني بذلك -تعالى ذكره-: الشيطان يعدكم أيها الناس بالصدقة وأدائكم الزكاة الواجبة عليكم في أموالكم أن تفتقروا، ﴿ويَأْمُرُكُمْ بِالفَحْشاءِ﴾ يعني: ويأمركم بمعاصي الله عز وجل، وترك الصلاةِ وطاعتِه، ﴿واللَّهُ يَعِدُكُمْ مَغْفِرَةً مِنهُ﴾ يعني: أنّ الله عز وجل يعدكم -أيها المؤمنون- أن يستر عليكم فحشاءكم بِصَفْحِهِ لكم عن عقوبتكم عليها، فيغفر لكم ذنوبكم بالصدقة التي تتصدقون، ﴿وفَضْلًا﴾ يعني: ويعدكم أن يُخْلِفَ عليكم من صدقاتكم، فَيُفْضِل عليكم من عَطاياه، ويُسْبِغ عليكم في أرزاقكم»

سورة آل عمران — الآية ٢٠

عن بَهْزِ بن حكيم، عن أبيه، عن جدِّه، قال: أتيتُ النبيَّ ﷺ، فقلتُ: يا نبيَّ الله، إنِّي أسألك بوجه الله: بِمَ بعثك ربُّنا؟ قال: «بالإسلام». قلتُ: وما آيتُه؟ قال: «أن تقول: أسلمتُ وجهي لله، وتخلَّيْتُ، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة. كلُّ المسلم عن مسلم مُحَرَّمٌ، أخوان نصيران. لا يقبل اللهُ مِن مسلم أشرك بعد ما أسلم عَمَلًا حتى يُفارِق المشركين إلى المسلمين، ما لي آخذٌ بحُجَزِكُم عن النار! ألا إنّ ربي داعِيَّ، ألا وإنّه سائلي: هل بلَّغْتَ عبادي؟ وإنِّي قائل: ربِّ، قد أبلغتُهم. فليُبْلِغْ شاهدُكم غائبَكم. ثُمَّ إنّه تدعون مُفَدَّمةً أفواهُكم بالفِدامِ)، ثُمَّ أول ما يُبِينُ عن أحدكم لفخذه وكفّه». قلت: يا رسول الله، هذا ديننا؟ قال: «هذا دينُكم، وأينما تُحْسِن يَكْفِكَ»

سورة الأعراف — الآية ٥٩

عن عُبيد بن عُمير الليثي -من طريق محمد بن إسحاق، عن مَن لا يُتَّهم- أنّه كان يُحَدِّث: أنّه بَلَغَه: أنّهم كانوا يَبْطِشُون به، يعني: نوحًا، فيخنقونه، حتى يُغْشى عليه، فإذا أفاق قال: اللَّهُمَّ، اغفر لقومي؛ فإنّهم لا يعلمون. حتى إذا تمادَوْا في المعصية، وعَظُمَت فيهم في الأرض الخطيئةُ، وتطاول عليه وعليهم الشأن، واشتد عليه منهم البلاء، وانتظر الجيلَ بعد الجيل، فلا يأتي قرنٌ إلا كان أخبثَ مِن الذي كان قبله، حتى كان الآخِرُ منهم لَيَقول: قد كان هذا مع آبائنا ومع أجدادنا هكذا مجنونًا. لا يقبلون منه شيئًا، حتى شكا ذلك من أمرهم نوح عليه الصلاة والسلام إلى الله عز وجل، وقال كما قصَّ اللهُ علينا في كتابه

سورة الأعراف — الآية ١٩٩

عن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم -من طريق ابن وهب- في قوله: ﴿خذ العفو﴾، قال: أمره، فأعرض عنهم عشر سنين بمكة. قال: ثم أمره بالغلظة عليهم، وأن يقعد لهم كل مرصد، وأن يحصرهم، ثم قال: ﴿فإن تابوا وأقاموا الصلاة﴾ الآية كلها [التوبة:٥]. وقرأ: ﴿يا أيها النبي جاهد الكفار والمنافقين واغلظ عليهم﴾ [التوبة:٧٣]. قال: وأمر المؤمنين بالغلظة عليهم، فقال: ﴿يا أيها الذين آمنوا قاتلوا الذين يلونكم من الكفار وليجدوا فيكم غلظة﴾ [التوبة:١٢٣]، بعدما كان أمرهم بالعفو. وقرأ قول الله: ﴿قل للذين آمنوا يغفروا للذين لا يرجون أيام الله﴾ [الجاثية:١٤]، ثُمَّ لم يقبل منهم بعد ذلك إلا الإسلامَ أو القتل. فنسخت هذه الآيةُ العفوَ

سورة الحجر — الآية ٨٧

عن أبي هريرة، أنّ رسول الله ﷺ قال لأُبَيِّ بن كعب: «إنِّي أُحِبُّ أن أُعَلِّمك سورةً، لم ينزل في التوراة ولا في الإنجيل ولا في الزَّبور ولا في الفرقان مثلُها». قال: نعم، يا رسول الله. قال: إني لأرجو أن لا تخرج من هذا الباب حتى تعلمها. ثم أخذ رسول الله ﷺ بيدي يُحَدِّثني، فجعلت أتَباطَأُ مخافةَ أن يبلغ الباب قبل أن ينقضي الحديث، فلمّا دنوتُ قلتُ: يا رسول الله، ما السورة التي وعدتني؟ قال: «ما تقرأ في الصلاة؟». فقرأت عليه أُمَّ القرآن، فقال: «والذي نفسي بيده، ما أُنزِل في التوراة ولا في الإنجيل ولا في الزَّبور ولا في الفرقان مثلُها، إنّها السبعُ مِن المثاني، والقرآن العظيم الذي أُعطِيتُه»

سورة المجادلة — الآية ١٢

عن قتادة بن دعامة -من طريق سعيد- ﴿يا أيها الذين آمنوا إذا ناجيتم الرسول فقدموا بين يدي نجواكم صدقة ذلك خير لكم وأطهر﴾: وذلك أنّ الناس كانوا قد أحفوا برسول الله ﷺ في المسألة، فنهاهم الله عز وجل عنه، وربما قال: فمَنعهم في هذه الآية، فكان الرجل تكون له الحاجة إلى النبي ﷺ، فلا يستطيع أن يَقضيَها حتى يُقدِّم بين يدي نجواه صدقة، فاشتدّ ذلك على أصحاب رسول الله ﷺ، فأنزل الله عز وجل بعدُ هذه الآية، فنَسَختْ ما كان قبلها مِن أمر الصدقة من نجوى، فقال: ﴿أشفقتم أن تقدموا بين يدي نجواكم صدقات فإذ لم تفعلوا وتاب الله عليكم فأقيموا الصلاة وءاتوا الزكاة﴾ وهما فريضتان واجبتان، لا رُخصةَ لأحدٍ فيهما

ذكر ابنُ تيمية (١‏/‏٤٨٧) أنّ هناك من جعل المعنى: ادخلوا كلكم. ثم رجَّح القول بأنّ المراد: جميعًا، مستندًا إلى الدلالات العقلية، فقال: «وهذا هو الصحيح؛ فإن الإنسان لا يُؤْمَرُ بعمل غيره، وإنما يُؤْمَر بما يَقْدِر عليه. وقوله: ﴿ادخلوا﴾ خطاب لهم كلهم، فقوله: ﴿كافة﴾ إن أريد به مجتمعين؛ لَزِم أن يترك الإنسانُ الإسلام حتى يسلم غيرُه، فلا يكون الإسلام مأمورًا به إلا بشرط موافقة الغير له، كالجمعة، وهذا لا يقوله مسلم. وإن أريد بـ﴿كافة﴾ أي: ادخلوا جميعكم؛ فكلُّ أوامر القرآن كقوله: ﴿آمنوا بالله ورسوله﴾ [النساء:١٣٦]، ﴿وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة﴾ [البقرة:٤٣] كلها من هذا الباب». وبنحوه قال ابنُ كثير (٢‏/‏٢٧٣-٢٧٤)

نقل ابنُ عطية (٥‏/‏٦) قولًا ولم ينسبه: أنّ قولهم: ﴿إنَّكَ لأَنْتَ الحَلِيمُ الرَّشِيدُ﴾ «قالوه على جهة الحقيقة، وأنّه اعتقادهم فيه». ثم وجَّهه بقوله: «فكأنهم فنَّدوه، أي: أنت حليمٌ رشيدٌ فلا ينبغي لك أن تأمرنا بهذه الأوامر. ويشبه هذا المعنى قولُ اليهود مِن بني قريظة حين قال لهم رسول الله ﷺ: «يا إخوة القِرَدَة»: يا محمد، ما عَلِمناك جهولًا». ثم علَّق بقوله: «والشبه بين الأمرين إنما هو بالمناسبة بين كلام شعيب عليه السلام وتلطفه، وبين ما بادر به محمد -عليه الصلاة والسّلام- بني قريظة». ونقل قولين آخرين: الأول: إنما كانت ألفاظهم: إنك لأنت الجاهل السفيه. فكنّى الله عن ذلك. والثاني: أنّ المعنى: إنك لأنت الحليم الرشيد عند نفسك. ولم يعلِّق عليهما