عن أبي سعيدٍ الخدريِّ، قال: قال رسول الله ﷺ: «أنا سيدُ ولدِ آدمَ يومَ القيامةِ ولا فخرَ، وبيدي لواءُ الحمدِ ولا فخرَ، وما مِن نبيٍّ يومَئذٍ -آدمَ فمَن سواه- إلا تحتَ لوائي، وأنا أوَّلُ مَن تنشقُّ عنه الأرضُ ولا فخرَ، فيفزَعُ الناسُ ثلاثَ فزَعاتٍ، فيأتون آدمَ، فيقولون: أنت أبونا؛ فاشفَعْ لنا إلى ربِّك. فيقولُ: إني أذنَبْتُ ذنبًا أُهبِطْتُ منه إلى الأرضِ، ولكن ائتوا نوحًا. فيأْتون نوحًا، فيقولُ: إني دعوتُ على أهلِ الأرضِ دعوة فأُهْلِكوا، ولكن اذهبوا إلى إبراهيمَ. فيأتون إبراهيمَ، فيقولُ: ائتوا موسى. فيأتون موسى، فيقولُ: إني قتَلْتُ نفسًا، ولكن ائتوا عيسى. فيأتون عيسى، فيقولُ: إني عُبِدْتُ مِن دونِ اللهِ، ولكن ائتوا محمدًا. فيأتوني، فأنطلِقُ معهم، فآخُذُ بحلْقةِ بابِ الجنةِ، فأُقَعْقِعها، فيُقالُ: مَن هذا؟ فأقولُ: محمدٌ. فيفتحُون لي، ويقولون: مرحبًا. فأخِرُّ ساجدًا، فيُلْهِمُني اللهُ مِن الثناءِ والحمدِ والمجدِ، فيُقالُ: ارفَعْ رأسَك، سلْ تُعْطَ، واشفَعْ تُشفَّعْ، وقُلْ يُسمَعْ لقولِك. فهو المقامُ المحمودُ الذي قال الله: ﴿عَسى أن يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقامًا مَّحْمُودًا﴾»
قال مقاتل بن سليمان: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أحَدٌ﴾ وذلك أنّ مشركي مكة قالوا لرسول الله ﷺ: انعتْ لنا ربّك، وصِفه لنا. وقال عامر بن الطفيل العامري: أخبرنا عن ربّك؛ أمِن ذَهب هو، أو من فِضّة، أو من حديد، أو من صُفر؟ وقالت اليهود: عُزَيز ابن الله، وقد أنزل الله عز وجل نعْته في التوراة؛ فأخبِرنا عنه، يا محمد. فأنزل الله عز وجل في قولهم: ﴿قُلْ﴾ يا محمد: ﴿هُوَ اللَّهُ أحَدٌ﴾ لا شريك له، ﴿اللَّهُ الصَّمَد﴾ يعني: الذي لا جوف له كجوف المخلوقين. ويقال: الصَّمَد: السيد الذي تَصمُد إليه الخلائق بحوائجهم وبالإقرار والخضوع، ﴿لَمْ يَلِدْ﴾ فيورث، ﴿ولَمْ يُولَدْ﴾ فيشارك، وذلك أنّ مشركي العرب قالوا: الملائكة بنات الرحمن. وقالت اليهود: عُزَير ابن الله. وقالت النصارى: المسيح ابن الله. فأكذبهم اللهُ عز وجل، فبرّأ نفسه من قولهم، فقال: ﴿لَمْ يَلِدْ﴾ يعني: لم يكن له ولد، ﴿ولَمْ يُولَدْ﴾ كما وُلد عيسى وعُزَير ومريم، ﴿ولَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أحَدٌ﴾ يقول: لم يكن له عدل ولا مثل مِن الآلهة، تبارك وتعالى علوًّا كبيرًا
انتقد ابنُ كثير (١٢/٣٤٥) -مستندًا إلى دلالة العقل، والتاريخ- ما جاء في قول يزيد من احمرار أُفق السماء، فقال: «وذكروا أيضًا في مقتل الحسين أنه ما قُلب حجر يومئذ إلا وُجد تحته دم عبيط، وأنه كُسفت الشمس، واحمرّ الأُفق، وسقطت حجارة. وفي كلّ مِن ذلك نظر، والظاهر أنه مِن سخَف الشيعة وكذبهم؛ ليعظّموا الأمر -ولا شك أنه عظيم-، ولكن لم يقع هذا الذي اختلقوه وكذبوه، وقد وقع ما هو أعظم مِن ذلك ولم يقع شيء مما ذكروه، فإنه قد قُتل أبوه علي بن أبي طالب، وهو أفضل منه بالإجماع، ولم يقع شيء من ذلك، وعثمان بن عفان قُتل محصورًا مظلومًا، ولم يكن شيء من ذلك، وعمر بن الخطاب رضي الله عنه قُتل في المحراب في صلاة الصبح، وكأن المسلمين لم تطرقهم مصيبة قبل ذلك، ولم يكن شيء من ذلك. وهذا رسول الله ﷺ وهو سيّد البشر في الدنيا والآخرة يوم مات لم يكن شيء مما ذكروه. ويوم مات إبراهيم بن النبي ﷺ خُسفت الشمس، فقال الناس: الشمس خُسفت لموت إبراهيم، فصلى بهم رسول الله ﷺ صلاة الكسوف، وخطبهم وبيّن لهم أن الشمس والقمر لا ينخسفان لموت أحد ولا لحياته»
عن محمد بن إسحاق -من طريق سلمة بن الفضل-: أنّ أبْرَهَة بنى كنيسة بصنعاء، وكان نصرانيًّا، فسماها: القُلَّيْس؛ لم يُر مثلها في زمانها بشيء من الأرض؛ وكتب إلى النجاشيّ ملِك الحبشة: إني قد بنيتُ لك -أيها الملِك- كنيسة لم يُبن مثلها لملِك كان قبلك، ولستُ بمنتهٍ حتى أصرف إليها حاجّ العرب. فلما تحدّثت العرب بكتاب أبْرَهَة ذلك للنجاشيّ غضِب رجلٌ من النّسَأة أحد بني فُقَيم، ثم أحد بني مالك، فخرج حتى أتى القُلَّيْس، فقعد فيها، ثم خرج فلحق بأرضه، فأُخبر أبْرَهَة بذلك، فقال: مَن صنع هذا؟ فقيل: صنعه رجل من أهل هذا البيت الذي تحجّ العرب إليه بمكة؛ لما سمع من قولك: أصرف إليه حاجّ العرب، فغضب، فجاء فقعد فيها، أي: أنها ليستْ لذلك بأهل. فغضب عند ذلك أبْرَهَة، وحلف ليسيرنّ إلى البيت فيهدمه، وعند أبْرَهَة رجال من العرب قد قدموا عليه يلتمسون فضله، منهم محمد بن خُزاعيّ بن حزابة الذَّكواني، ثم السُّلمي، في نفر من قومه، معه أخ له يُقال له: قيس بن خُزاعيّ، فبينما هم عنده غشيهم عبد لأَبْرَهَة، فبعث إليهم فيه بغذائه، وكان يأكل الخُصى، فلما أتى القوم بغذائه قالوا: واللهِ، لئن أكلنا هذا لا تزال تسبّنا به العرب ما بقينا. فقام محمد بن خُزاعيّ، فجاء أبْرَهَة، فقال: أيها الملِك، إنّ هذا يوم عيد لنا، لا نأكل فيه إلا الجُنوب والأيدى. فقال له أبْرَهَة: فسنبعث إليكم ما أحببتم، فإنما أكرمتكم بغذائي لمنزلتكم عندي. ثم إن أبْرَهَة توّج محمد بن خزاعي، وأمّره على مُضر أن يسير في الناس، يدعوهم إلى حجّ القُلَّيْس، كنيسته التي بناها، فسار محمد بن خُزاعيّ، حتى إذا نزل ببعض أرض بني كنانة، وقد بلغ أهل تِهامة أمره، وما جاء له، بعثوا إليه رجلًا من هُذَيل يقال له: عروة بن حياض الملاصيّ، فرماه بسهم، فقتله، وكان مع محمد بن خُزاعيّ أخوه قيس بن خُزاعيّ، فهرب حين قُتل أخوه، فلحق بأَبْرَهَة، فأخبره بقتْله، فزاد ذلك أبْرَهَة غضبًا وحنقًا، وحلف ليغزونّ بني كنانة، وليهدمنّ البيت. ثم إن أبْرَهَة حين أجمع السير إلى البيت أمر الحُبْشان، فتهيّأتْ وتجهّزتْ، وخرج معه بالفيل، وسمعت العرب بذلك، فأعظموه، وفظعوا به، ورأوا جهاده حقًّا عليهم حين سمعوا أنه يريد هدْم الكعبة بيت الله الحرام، فخرج رجل كان مِن أشراف أهل اليمن وملوكهم، يقال: له ذو نفر، فدعا قومه ومن أجابه من سائر العرب إلى حرب أبْرَهَة وجهاده عن بيت الله، وما يريد من هدمه وإخرابه، فأجابه من أجابه إلى ذلك، وعرض له، وقاتله، فهُزم، وتفرّق أصحابه، وأُخذ له ذو نَفر أسيرًا، فأُتي به، فلما أراد قتله قال له ذو نَفْر: أيها الملِك، لا تقتلني، فإنّه عسى أن يكون بقائي معك خيرًا لك مِن قتْلي. فتركه من القتل، وحبسه عنده في وثاق، وكان أبْرَهَة رجلًا حليمًا. ثم مضى أبْرَهَة على وجهه ذلك يريد ما خرج له، حتى إذا كان بأرض خثعم عرض له نُفَيل بن حبيب الخثعميّ في قبيلي خثعم: شهران، وناهس، ومن معه من قبائل العرب، فقاتله، فهزمه أبْرَهَة، وأُخذ له أسيرًا، فأُتي به، فلما همّ بقتْله قال له نُفَيل: أيها الملِك، لا تقتلني، فإني دليلك بأرض العرب، وهاتان يداي لك على قبيتليّ خثعم؛ شهران، وناهس، بالسمع والطاعة. فأعفاه، وخلّى سبيله، وخرج به معه يدلّه على الطريق، حتى إذا مَرّ بالطائف خرج إليه مسعود بن مُعتِّب في رجال ثقيف، فقال: أيها الملِك، إنما نحن عبيدك، سامعون لك مطيعون، ليس لك عندنا خلاف، وليس بيتنا هذا بالبيت الذي تريد -يعنون: اللّات-، إنما تريد البيت الذي بمكة -يعنون: الكعبة-، ونحن نبعث معك مَن يدلّك، فتجاوز عنهم، وبعثوا معه أبا رغال، فخرج أبْرَهَة ومعه أبو رِغال حتى أنزله المُغَمِّس، فلما أنزله به مات أبو رِغال هناك، فرَجمت العربُ قبره، فهو القبر الذي ترجم الناس بالمُغَمِّس. ولما نزل أبْرَهَة المُغَمِّس بعث رجلًا من الحبشة -يقال له: الأسود بن مقصود- على خيل له حتى انتهى إلى مكة، فساق إليه أموال أهل مكة من قريش وغيرهم، وأصاب منها مائتي بعير لعبد المُطَّلِب بن هاشم، وهو يومئذ كبير قريش وسيّدها، وهمّتْ قريش وكنانة وهُذيل ومَن كان بالحَرم من سائر الناس بقتاله، ثم عرفوا أنهم لا طاقة لهم به، فتركوا ذلك، وبعث أبْرَهَة حُناطة الحِمْيريّ إلى مكة، وقال له: سل عن سيّد هذا البلد وشريفهم، ثم قُل له: إنّ الملك يقول لكم: إني لم آتِ لحربكم، إنما جئتُ لهدْم البيت، فإن لم تعرضوا دونه بحرب فلا حاجة لي بدمائكم. فإن لم يُرد حربي فأْتني به. فلما دخل حُناطة مكة سأل عن سيّد قريش وشريفها، فقيل له: عبد المُطَّلِب بن هاشم بن عبد مناف بن قُصَي، فجاءه، فقال له ما أمره به أبْرَهَة، فقال له عبد المُطَّلِب: واللهِ، ما نريد حربه، وما لنا بذلك من طاقة، هذا بيت الله الحرام، وبيت خليله إبراهيم عليه السلام أو كما قال-، فإن يمنعه فهو بيته وحَرمه، وإن يُخلّ بينه وبينه -فواللهِ- ما عندنا له مِن دفْع عنه. أو كما قال له، فقال له حُناطة: فانطلِق إلى الملِك، فإنه قد أمرني أنْ آتيه بك. فانطلق معه عبد المُطَّلِب، ومعه بعض بنيه، حتى أتى العسكر، فسأل عن ذي نَفْر، وكان له صديقًا، فدُلّ عليه، فجاءه وهو في محبسه، فقال: يا ذا نَفْر، هل عندك غناء فيما نزل بنا؟ فقال له ذو نَفْر: وما غناء رجل أسير بيدي ملِك، ينتظر أن يقتله غدوًّا أو عشيًّا؟ ما عندي غناء في شيء مما نزل بك، إلا أنّ أُنَيْسًا سائس الفيل لي صديق، فسأرسل إليه، فأوصيه بك، وأُعظِّم عليه حقّك، وأسأله أن يستأذن لك على الملِك، فتكلّمه بما تريد، ويشفع لك عنده بخير، إن قدر على ذلك. قال: حسبي. فبعث ذو نَفْر إلى أُنَيْس، فجاء به، فقال: يا أُنَيْس، إنّ عبد المُطَّلِب سيد قريش، وصاحب عِير مكة، يُطعم الناس بالسهل، والوحوش في رؤوس الجبال، وقد أصاب الملِك له مائتي بعير، فاستأذِن له عليه، وانفعه عنده بما استطعتَ. فقال: أفعل. فكلّم أُنَيْس أبْرَهَة، فقال: أيها الملِك، هذا سيّد قريش ببابك، يستأذن عليك، وهو صاحب عِير مكة، يُطعم الناس بالسهل، والوحوش في رؤوس الجبال، فأْذن له عليك، فليكلّمك بحاجته، وأحسِن إليه. قال: فأذن له أبْرَهَة، وكان عبد المُطَّلِب رجلًا عظيمًا وسيمًا جسيمًا؛ فلما رآه أبْرَهَة أجلّه وأكرمه أن يجلس تحته، وكره أن تراه الحبشة يُجلسه معه على سرير مُلكه، فنزل أبْرَهَة عن سريره، فجلس على بساطه، فأجلسه معه عليه إلى جنبه، ثم قال لتُرْجُمانه: قُل له: ما حاجتك إلى الملِك؟ فقال له ذلك التُّرجُمان، فقال له عبد المُطَّلِب: حاجتي إلى الملِك أن يردّ عليّ مائتي بعير أصابها لي. فلما قال له ذلك قال أبْرَهَة لتُرْجُمانه: قُل له: قد كنتَ أعجبتني حين رأيتُك، ثم زهدتُ فيك حين كلّمتني، أتكلّمني في مائتي بعير أصبتُها لك، وتترك بيتًا هو دينك ودين آبائك، قد جئتُ لهدْمه فلا تكلّمني فيه؟! قال له عبد المُطَّلِب: إني أنا ربّ الإبل، وإنّ للبيت ربًّا سيمنعه. قال: ما كان ليُمنع مني. قال: أنتَ وذاك، اردد إليّ إبلي. وكان -فيما زعم بعض أهل العلم- قد ذهب مع عبد المُطَّلِب إلى أبْرَهَة، حين بعث إليه حُناطة، يعمُر بن نُفاثة بن عدي بن الدُّئل بن بكر بن عبد مَناة بن كنانة، وهو يومئذ سيّد بني كنانة، وخُوَيْلد بن واثلة الهُذلي وهو يومئذ سيّد هُذيل، فعرضوا على أبْرَهَة ثُلُث أموال تِهامة على أن يرجع عنهم، ولا يهدم البيت، فأبى عليهم، والله أعلم. وكان أبْرَهَة قد ردّ على عبد المُطَّلِب الإبل التي أصاب له، فلما انصرفوا عنه انصرف عبد المُطَّلِب إلى قريش، فأخبرهم الخبر، وأمرهم بالخروج من مكة، والتحرُّز في شَعْف الجبال والشِّعاب، تخوّفًا عليهم من مَعرّة الجيش، ثم قام عبد المُطَّلِب، فأخذ بحلقة الباب باب الكعبة، وقام معه نفر من قريش يدعون الله ويستنصرونه على أبْرَهَة وجنده، فقال عبد المُطَّلِب وهو آخذ حلقة باب الكعبة: يا ربِّ لا أرجو لهم سِواكا يا ربِّ فامنع منهم حِماكا إن عدوَّ البيت مَن عاداكا امنعهم أن يُخْربوا قراكا لاهُمّ إن العبد يمـــ ــنع رحْله فامنع حِلالك لا يغلبنّ صليبُهم ومِحالهم غدوا مِحالك فلئن فعلتَ فربما أولى فأمرٌ ما بدا لك ولئن فعلتَ فإنه أمرٌ تُتم به فِعالك وكنتَ إذا أتى باغٍ بسَلْم نُرجِّي أن تكون لنا كذلك فولَّوا لم ينالوا غير خِزي وكان الحين يُهلكهم هنالك ولم أسمع بأرجسَ من رجال أرادوا العز فانتهكوا حَرامك جرُّوا جموع بلادهم والفيل كي يَسْبوا عيالك ثم أرسل عبد المُطَّلِب حلقة باب الكعبة، وانطلق هو ومَن معه من قريش إلى شَعْف الجبال، فتحرّزوا فيها ينتظرون ما أبْرَهَة فاعل بمكة إذا دخلها؛ فلما أصبح أبْرَهَة تهيّأ لدخول مكة، وهيّأ فيله، وعبّأ جيشه، وكان اسم الفيل: محمودًا، وأَبْرَهَة مُجمع لهدْم البيت، ثم الانصراف إلى اليمن، فلما وجّهوا الفيل أقبل نُفَيل بن حبيب الخثعميّ، حتى قام إلى جنبه، ثم أخذ بأُذنه، فقال: ابرُك محمود، وارجع راشدًا من حيث جئتَ؛ فإنك في بلد الله الحرام. ثم أرسل أُذنه، فبَرك الفيل، وخرج نُفَيل بن حبيب يشتدّ حتى أصعد في الجبل، وضربوا الفيل ليقوم فأبى، وضربوا في رأسه بالطَّبَرْزين ليقوم، فأبى، فأدخلوا محاجن لهم في مَراقِّه، فبَزغوه بها ليقوم، فأبى، فوجّهوه راجعًا إلى اليمن، فقام يهرول، ووجّهوه إلى الشام، ففعل مثل ذلك، ووجّهوه إلى المشرق، ففعل مثل ذلك، ووجّهوه إلى مكة فبَرك، وأرسل الله عليهم طيرًا من البحر أمثال الخطاطيف، مع كلّ طير ثلاثة أحجار يحملها: حجر في منقاره، وحجران في رجليه مثل الحِمَّص والعَدَس، لا يصيب منهم أحدًا إلا هلك، وليس كلّهم أصابتْ، وخرجوا هاربين يبتدرون الطريق الذي منه جاؤوا، ويسألون عن نُفَيل بن حبيب، ليدلّهم على الطريق إلى اليمن، فقال نُفَيل بن حبيب حين رأى ما أنزل الله بهم من نِقمته: أين المفرّ والإله الطالب؟! والأشرمُ المغلوبُ غير الغالب فخرجوا يتساقطون بكلّ طريق، ويهلكون على كلّ منْهل، فأصيب أبْرَهَة في جسده، وخرجوا به معهم، تسقط أنامله أُنمُلة أُنمُلة، كلما سقطت أُنمُلة أتبعتها مِدّة تُمثُّ قيحًا ودمًا، حتى قدموا به صنعاء، وهو مثل فرخ الطير، فما مات حتى انصدع صدره عن قلبه فيما يزعمون
عن جابر بن عبد الله: أنّ رسول الله ﷺ أقام أيّامًا لم يَطْعَم طعامًا، حتى شقَّ ذلك عليه، فطاف في منازل أزواجِه، فلم يجد عند واحدةٍ منهُنَّ شيئًا، فأتى فاطمة، فقال: «يا بُنَيَّة، هل عندكِ شيءٌ آكلُه؟ فإنِّي جائِعٌ». فقالت: لا، واللهِ. فلمّا خرج مِن عندها بَعَثت إليها جارةٌ لها برغيفين وقطعة لحم، فأخذته منها، فوضعته في جَفْنَةٍ لها، وقالت: واللهِ، لأُوثِرَنَّ بهذا رسولَ الله ﷺ على نفسي ومَن عندي. وكانوا جميعًا محتاجين إلى شُبْعَةِ طعام، فبعثت حَسَنًا أو حُسينًا إلى رسول الله ﷺ، فرجع إليها، فقالت له: بأبي أنت وأُمِّي، قد أتى اللهُ بشيء، قد خَبَّأْتُه لك. فقال: «هَلُمِّي -يا بُنَيَّة- بالجَفْنَة». فكشفت عن الجَفْنة، فإذا هي مملوءةٌ خبزًا ولحمًا، فلمّا نظرت إليها بُهِتَتْ، وعرفتْ أنّها بَرَكةٌ مِن الله، فحمدت الله تعالى، وقدَّمَتْهُ إلى النبي ﷺ، فلَمّا رآه حمد الله، وقال: «مِن أين لكِ هذا، يا بُنَيَّة؟». قالتْ: يا أبتِ، هو من عند الله، إنّ الله يرزق من يشاء بغير حساب. فحمد الله، ثم قال: «الحمد لله الذي جعلكِ شبيهةَ سيدةِ نساءِ بني إسرائيل، فإنّها كانت إذا رزقها الله رزقًا، فسُئِلَتْ عنه؛ قالت: ﴿هو من عند الله إن الله يرزق من يشاء بغير حساب﴾»
عن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم -من طريق ابن وهْب- قال: لَمّا أنجى الله عز وجل بني إسرائيل من فرعون، وأغرق فرعون ومن معه؛ قال موسى لأخيه هارون: ﴿اخلفني في قومي وأصلح ولا تتبع سبيل المفسدين﴾ [الأعراف:١٤٢]. قال: لَمّا خرج موسى، وأمر هارون بما أمره به، وخرج موسى متعجلًا مسرورًا إلى الله، قد عرف موسى أنّ المرء إذا نجح في حاجة سيده كان يُسْرُه أن يَتَعَجَّل إليه. قال: وكان حين خرجوا استعاروا حُلِيًّا وثيابًا من آل فرعون، فقال لهم هارون: إنّ هذه الثياب والحُلِيَّ لا تَحِلُّ لكم، فاجمعوا نارًا، فألقوه فيها، فأحرقوه. قال: فجمعوا نارًا، قال: وكان السامري قد نظر إلى أثَرِ دابة جبريل، وكان جبريل على فرس أنثى، وكان السامري في قوم موسى، قال: فنظر إلى أثره، فقبض منه قبضة، فيَبِسَت عليها يده، فلما ألقى قوم موسى الحلي في النار، وألقى السامري معهم القبضة؛ صَوَّرَ الله -جل وعز- ذلك لهم عِجْلًا ذَهَبًا، فدخلته الريح، فكان له خوار، فقالوا: ما هذا؟ فقال السامري الخبيث: ﴿هذا إلهكم وإله موسى فنسي﴾ الآية، إلى قوله: ﴿حتى يرجع إلينا موسى﴾ [طه:٨٨-٩١]. قال: حتى إذا أتى موسى الموعد، قال الله: ﴿وما أعجلك عن قومك يا موسى قال هم أولاء على أثري﴾. فقرأ حتى بلغ: ﴿أفطال عليكم العهد﴾ [طه:٨٣-٨٦]
عن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم -من طريق ابن وهب- قال: لَمّا أنجى الله عز وجل بني إسرائيل مِن فرعون، وأغرق فرعون ومَن معه؛ قال موسى لأخيه هارون: ﴿اخلفني في قومي وأصلح ولا تتبع سبيل المفسدين﴾ [الأعراف:١٤٢]. قال: لَمّا خرج موسى وأمر هارون بما أمره به وخرج موسى مُتَعَجِّلًا مسرورًا إلى الله، قد عرف موسى أن المرء إذا نجح في حاجة سيده كان يُسره أن يتعجل إليه. قال: وكان حين خرجوا استعاروا حليًّا وثيابًا مِن آل فرعون، فقال لهم هارون: إنّ هذه الثياب والحلي لا تَحِلُّ لكم، فاجمعوا نارًا، فألقوه فيها، فأحرقوه. قال: فجمعوا نارًا. قال: وكان السامريُّ قد نظر إلى أثر دابة جبريل، وكان جبريل على فرس أنثى، وكان السامريُّ في قوم موسى. قال: فنظر إلى أثره، فقبض منه قبضة، فيبست عليها يده، فلما ألقى قوم موسى الحلي في النار، وألقى السامري معهم القبضة؛ صوَّر الله -جلَّ وعزَّ- ذلك لهم عِجْلًا ذهبًا، فدخلته الريح، فكان له خوار، فقالوا: ما هذا؟ فقال السامريُّ الخبيث: ﴿هذا إلهكم وإله موسى فنسي﴾ الآيةَ إلى قوله: ﴿حتى يرجع إلينا موسى﴾. قال: حتى إذا أتى موسى الموعدَ قال الله: ﴿وما أعجلك عن قومك يا موسى قال هم أولاء على أثري﴾ فقرأ حتى بلغ: ﴿أفطال عليكم العهد﴾
عن محمد بن إسحاق، عن أبي عتاب -رجل مِن تَغْلِب كان نصرانيًا عُمُرًا مِن دهره، ثم أسلم بعد، فقرأ القرآن، وفقِه في الدين، وكان فيما ذكِر أنه كان نصرانيًّا أربعين سنة، ثم عُمِّر في الإسلام أربعين سنة- قال: كان آخر أنبياء بني إسرائيل نبيًّا بعثه الله إليهم، فقال لهم: يا بني إسرائيل، إن الله يقول لكم: إني قد سبَبتُ أصواتكم، وأبغضتكم بكثرة أحداثِكم. فَهَمُّوا به ليقتلوه، فقال الله -تبارك وتعالى- له: ائتهم، واضرب لي ولهم مثلًا، فقل لهم: إنّ الله -تبارك وتعالى- يقول لكم: اقضُوا بيني وبين كَرْمِي، ألم اختر له البلاد، وطيَّبتُ له المَدَرَةَ، وحظَرتُه بالسِّياج، وعرَّشتُه السَّويق والشوك والسِّياج والعَوْسَجَ، وأحطته بردائي، ومنعته من العالم وفضَّلتُه؟ فلقِيني بالشوك والجذوع، وكل شجرة لا تؤكل، ما لهذا اخترت البلدة، ولا طيَّبتُ المَدَرَةَ، ولا حظَرتُه بالسَّياج، ولا عرَّشتُه السويق، ولا حُطْتُه بردائي، ولا منعته من العالم، فضلتكم وأتممت عليكم نعمتي، ثم استقبلتموني بكل ما أكره من معصيتي وخلاف أمري، لِمَهْ؟! إنّ الحمار ليعرف مِزودَه، لِمَهْ؟! إنّ البقرة لتعرف سيدها. حلفت بعزتي العزيزة، وبذراعي الشديد، لآخذن ردائي، ولأمرُجَنَّ الحائط، ولأجعلنكم تحت أرجل العالم. قال: فوثبوا على نبيهم، فقتلوه، فضرب الله عليهم الذلَّ، ونزع منهم المُلك، فليسوا في أمة من الأمم إلا وعليهم ذلٌّ وصَغارٌ وجزيةٌ يؤدُّونها، والملك في غيرهم من الناس، فلن يزالوا كذلك أبدًا، ما كانوا على ما هم عليه
أصل الإحصان: المنع والحِفظ، وتستعمله العرب في أربعة أشياء: في الزواج، وفي الحرية، وفي الإسلام، وفي العفة. وعلى ذلك تصرفت اللفظة في كتاب الله عز وجل. وبناء على الاستعمال اللغوي اختلف المفسِّرون في المراد بالمحصنات في قوله تعالى: ﴿والمحصنات من النساء إلا ما ملكت أيمانكم﴾ على ثمانية أقوال: أولها: أنّ المراد بهن: ذوات الأزواج. ومعنى الآية: وذوات الأزواج حرام على غير أزواجهن، إلا ما ملكت أيمانكم بالسبي. وهذا قول عليٍّ، وابن عباس، وأبي قلابة، والزهري، ومكحول، وابن زيد. وثانيها: أنّ المراد بهن: ذوات الأزواج. ومعنى الآية: وذوات الأزواج حرامٌ على غير أزواجهن، إلا ما ملكت أيمانكم من الإماء بالشراء؛ فبيعُ الأَمَةِ طلاقُها. وهذا قول ابن مسعود، وأُبَيِّ بن كعب، وجابر بن عبد الله، وأنس بن مالك، وسعيد بن المسيب، والحسن، وابن عباس من طريق عكرمة. وثالثها: أنّ المراد بهن: ذوات الأزواج. غير أنّ الذي حرّم منهن في هذه الآية الزِّنا بِهِنَّ، ولا يُبحْنَ إلا بخُلُوٍّ من زوج أو بملك يمين. وهذا قول ابن عباس من طريق عليّ بن أبي طلحة، ومجاهد من طريق ابن أبي نجيح. ورابعها: أنّ المراد بهن: ذوات الأزواج. ونزلت هذه الآية في نساءٍ كُنَّ هاجَرن إلى رسول الله ﷺ ولهن أزواج، فتزوجهن المسلمون، ثم قدم أزواجهن مهاجرين، فنهي المسلمون عن نكاحهن. وهذا قول أبي سعيد الخدريِّ. وخامسها: أنّ المراد بهن: العفائف. ومعنى الآية: والعفائف من النساء حرام عليكم أيضًا، إلا ما ملكت أيمانكم بالنكاح أو ملك اليمين. وهذا قول عمر، وسعيد بن جبير، وأبي العالية، وعبيدة السلمانيِّ، وعطاء، والسديِّ. وسادسها: أنّ المراد بهن: العفائف، وذوات الأزواج. ومعنى الآية: والعفائف وذوات الأزواج حرامٌ كلٌّ من الصنفين، إلا ما ملكت أيمانكم بنكاح، أو ملك يمين. وهذا قول الزهريّ. وسابعها: أنّ المراد بهن: الحرائر. وهذا قول عَزْرة. وثامنها: أنّ المراد بهن: نساء أهل الكتاب. وهذا قول أبي مجلز. وذَهَبَ ابنُ كثير (٣/٤٢٤) إلى القول الأول مستندًا إلى سبب النزول، حيث بَيَّنَ أنّ معناها: «وحرم عليكم الأجنبيات المحصنات، وهنّ المزوَّجات، ﴿إلا ما ملكت أيمانكم﴾ يعني: إلا ما ملكتموهن بالسبي؛ فإنه يحل لكم وطؤهن إذا استبرأتموهن؛ فإنّ الآية نزلت في ذلك». وذَهَبَ ابنُ عطية (٢/٥١٤) إلى القول السادس، وهو أنّ المراد بهن: العفائف وذوات الأزواج، مستندًا إلى العمومِ، حيث قال: «هذا قول حسنٌ، عمَّمَ لفظَ الإحصان، ولفظ ملك اليمين». ورجَّحَ ابنُ جرير (٦/٥٧٥-٥٧٦) أنّ الآية تَعُمُّ كُلَّ ما ذُكِرَ مستندًا إلى العمومِ، وعدم المخصّص. وانتَقَدَ ابنُ جرير (٦/٥٧٥-٥٧٦ بتصرف) القولَ بأنّ بيع الأمة طلاقها، الذي يفيده القول الثاني؛ استنادًا إلى السُّنَّة، والدلالة العقلية، فقال: «وأما الأَمَة التي لها زوجٌ، فإنها لا تَحِلُّ لمالكها إلا بعد طلاق زوجها إياها، أو وفاته وانقضاء عدتها منه. فأمّا بيعُ سيِّدها إيّاها فغيرُ موجِبٍ بينها وبين زوجها فِراقًا ولا تحليلًا لمشتريها؛ لِصِحَّة الخبر عن رسول الله ﷺ: أنه خَيَّرَ بَرِيرة إذ أعتقتها عائشةُ بين المُقام مع زوجها الذي كان سادَتُها زوَّجوها منه في حال رِقِّها، وبين فراقه، ولو كان عِتقُها وزوالُ مِلك عائشة إيّاها لها طلاقًا لم يكن لتخيير النبيِّ ﷺ إياها بين المقام مع زوجها والفراق معنًى». وزاد ابنُ القيم (١/٢٧٠-٢٧١): «أنّه لو كان صحيحًا لكان وطؤها حلالًا لسيِّدها إذا زوَّجها؛ لأنها ملك يمينه، فكما اجتمع مِلك سيدها لها وحِلُّها للزوج فكذلك يجتمع مِلْكُ مشتريها لها وحِلُّها للزوج، وتناول اللفظ لهما واحدٌ ما دامت مُزَوَّجة. الثاني: أنّ المشتريَ خليفةُ البائع، فانتقل إليه بعقد الشراء ما كان يملكه بائعُها، وهو كان يملك رقبتها مسلوبةً مَنفَعَة البضع»
عن أبي رافع مولى رسول الله ﷺ -من طريق عكرمة مولى ابن عباس- قال: كنت غلامًا للعباس بن عبد المطلب، وكان الإسلام قد دخلنا أهل البيت، وأسلمَتْ أم الفضل، وأسلمتُ، وكان العباس يهابُ قومه، ويكره خلافهم، وكان يكتم إسلامه، وكان ذا مال كثير متفرق في قومه، وكان أبو لهب عدو الله قد تخلَّف عن بدر، وبعث مكانه العاص بن هشام بن المغيرة، فلما جاءه الخبر عن مصاب أصحاب بدر كَبَتَه الله وأخزاه، ووجدنا في أنفسنا قوة وعِزًّا، وكنت رجلًا ضعيفًا، وكنت أعمل القِداح وأَنْحَتُها في حجرة زمزم، فوالله إني لجالس أنْحَتُ القِداح، وعندي أم الفضل جالسة، إذ أقبل الفاسق أبو لهب يجر رجليه حتى جلس على طُنُبِ الحجرة، فكان ظهره إلى ظهري، فبينما هو جالس إذ قال الناس: هذا أبو سفيان بن الحارث بن عبد المطلب قد قدم. فقال أبو لهب: إلَيَّ يا ابن أخي، فعندك الخبر. فجلس إليه والناس قيام عليه، قال: يا ابن أخي، أخبرني كيف كان أمر الناس؟ قال: لا شيء والله إن كان إلا أن لقيناهم فمنحناهم أكتافنا يقتلوننا ويأسروننا كيف شاءوا، وايم الله مع ذلك ما لُمْت الناس، لقينا رجالًا بيضًا على خيل بُلْقٍ بين السماء والأرض، لا والله ما تُلِيقُ شيئًا، ولا يقوم لها شيء. قال أبو رافع: فرفعت طُنُبَ الحجرة بيدي، ثم قلت: تلك والله الملائكة. قال: فرفع أبو لهب يده فضرب وجهي ضربة شديدة، فثاوَرْتُه، فاحتملني فضرب بي الأرض، ثم برك علي يضربني، وكنت رجلًا ضعيفًا، فقامت أم الفضل إلى عمود من عُمُد الحجرة، فأخذته فضربته به ضربة فَلَقَتْ في رأسه شَجَّةً مُنكَرة، وقالت: تستضعفه أنْ غاب عنه سيده؟ فقام مُوَلِّيًا ذليلًا، فوالله ما عاش إلا سبع ليال حتى رماه الله بالعَدَسَةُ فقتلته