قال ابنُ كثير (٣/٣٦٧): «هذه الآية الكريمة، والتي بعدها، والآية التي هي خاتمة هذه السورة؛ هُنَّ آياتُ علم الفرائض، وهو مستنبط مِن هذه الآيات الثلاث، ومِن الأحاديث الواردة في ذلك مما هو كالتفسير لذلك». وقال أيضًا (٣/٣٧١ بتصرف): «وقد استنبط بعضُ الأذكياء مِن هذه الآية: أنّه تعالى أرحمُ بخلقه من الوالدة بولدها، حيث أوصى الوالدين بأولادهم، فعُلِم أنّه أرحم بهم منهم، كما جاء في الحديث الصحيح وقد رأى امرأةً مِن السبي فُرِّق بينها وبين ولدها، فجعلت تدور على ولدها، فلما وجدته مِن السبي أخذته فألصقته بصدرها وأرضعته، فقال رسول الله ﷺ لأصحابه: «أترون هذه طارِحَةً ولدَها في النار وهي تقدِرُ على ذلك؟». قالوا: لا، يا رسول الله. قال: «فواللهِ، لَلهُ أرحمُ بعباده مِن هذه بولدها»»
اختُلِف في تفسير هذه الآية؛ فقال قوم: تفسيره: أنّه ذو جدال. وقال آخرون: معناه: أنّه غير مستقيم الخصومة. وقال غيرهم: هو كاذب في قوله. وذَكَر ابنُ جرير (٣/٥٨٠) أنّ القولين الأوليين متقاربي المعنى، فقال: «وكِلا هذين القولين متقاربُ المعنى؛ لأنّ الاعوجاج في الخصومة من الجِدال واللَّجَج». ثم ذكر أنّ القول الثالث الذي قاله الحسن يحتمل أن يكون معناه معنى القولين الأولين إن كان أراد به قائلُه: أنّه يخاصم بالباطل من القول والكذب منه جدلًا واعوجاجًا عن الحق
عن عبد الله بن عباس -من طريق سعيد بن جبير- قال: أتت اليهود محمدًا ﷺ حين أنزل الله: ﴿من ذا الذي يقرض الله قرضا حسنا﴾ [البقرة:٢٤٥]، فقالوا: يا محمد، أفقير ربنا يسأل عباده القرض؟! فأنزل الله: ﴿لقد سمع الله قول الذين قالوا﴾ الآية
عن قتادة بن دِعامة -من طريق سعيد- في قوله: ﴿لقد سمع الله﴾ الآية، قال: ذُكِرَ لنا: أنها نزلت في حُيَيّ بن أخطب، لَمّا أنزل الله: ﴿من ذا الذي يقرض الله قرضا حسنا فيضاعفه له أضعافا كثيرة﴾ [البقرة:٢٤٥] قال: يستقرضنا ربنا، إنما يستقرض الفقيرُ الغنيَّ
قال مقاتل بن سليمان:... فكان هذا قبل أن تنزِل آيةُ المواريث، ثُمَّ نزل: ﴿والَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ ويَذَرُونَ أزْواجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أرْبَعَةَ أشْهُرٍ وعَشْرًا﴾ [البقرة:٢٣٤]. نَسَخَتْ هذه الحولَ، ثُمَّ أنزل الله عز وجل آيةَ المواريث، فجعل لَهُنَّ الربع والثمن، فنَسَخَتْ نصيبَها مِن الميراث نفقةَ سَنَةٍ
قال مقاتل بن سليمان: ﴿أنّى يُحْيِي هذِهِ اللَّهُ﴾ يعني: أهْل هذه القرية، ﴿بَعْدَ مَوْتِها﴾ بعد هلاكهم، لَمْ يَشُكَّ في البعثِ، ولكِنَّه أحَبَّ أن يُرِيَه اللهُ عز وجل كيف يبعث الموتى، كما سأل إبراهيم عليه السلام ربه عز وجل: ﴿أرِنِي كَيْفَ تُحْيِ المَوْتى﴾ [البقرة:٢٦٠]
عن محمد ابن شهاب الزهري، قال: أُنزِلَت في كفار قريشٍ والعربِ: ﴿وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين لله﴾ [البقرة:١٩٣]، وأُنزلت في أهل الكتاب: ﴿قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر﴾ إلى قوله: ﴿حتى يعطوا الجزية﴾. فكان أوَّلَ مَن أعطى الجزيةَ أهلُ نجران
عن الربيع بن أنس -من طريق أبي جعفر- قال: لَمّا نزَلت آيةُ البقرة قال رسول الله ﷺ: «إن ربَّكم يُقَدِّمُ في تحريم الخمر». ثم نزَلت آيةُ النساء، فقال النبي ﷺ: «إنّ ربَّكم يُقَرِّبُ في تحريم الخمر». ثم نزلَت آيةُ المائدة، فحُرِّمَتِ الخمر عندَ ذلك
قال مقاتل بن سليمان: ﴿قال﴾ لهم: ﴿يا قوم ألم يعدكم ربكم وعدا حسنا﴾ يعني: حقًّا. كقوله سبحانه في البقرة [٨٠]: ﴿وقولوا للناس حسنا﴾، يعني: حقًّا في محمد ﷺ، أن يعطيكم التوراة فيها بيانُ كلِّ شيء. والوعد حين قال عز وجل: ﴿وواعدناكم جانب الطور الأيمن﴾
قال مقاتل بن سليمان: ﴿وما أرسلنا من قبلك من رسول ولا نبي إلا إذا تمنى﴾ يعني: إذا حدَّث نفسه ﴿ألقى الشيطان في أمنيته﴾ يعني: في حديثه. مثل قوله: ﴿ومنهم أميون لا يعلمون الكتاب إلا أماني﴾ [البقرة:١٧٨]، يقول: إلا ما يُحَدَّثوا عنها، يعني: التوراة