ذكر ابنُ عطية (٨/٤٠١) أنّ ﴿الروح﴾ هو جبريل عند الجمهور، وأنه خَصّصه بالذكر تشريفًا. وذكر قولين آخرين: الأول: أنّ الروح: ملائكة حفظة للملائكة الحافظين لبني آدم، لا تراهم الملائكة كما لا نرى نحن الملائكة. ونسبه لمجاهد. الثاني: أنه اسم الجنس في أرواح الحيوان. ونسبه لبعض المفسرين. وذكر ابنُ كثير (١٤/١٢٥) قولًا ثالثًا، ونسبه لأبي صالح، وهو أنّ الروح خَلْقٌ من خَلْق الله، يُشبِهون الناس، وليسوا أناسًا. ثم علَّق بقوله: «ويحتمل أن يكون المراد به جبريل، ويكون من باب عطف الخاص على العام. ويحتمل أن يكون اسم جنس لأرواح بني آدم، فإنها إذا قُبِضتْ يُصعَد بها إلى السماء، كما دلّ عليه حديث البراء»
عن عبد الله بن مسعود، وناس من أصحاب النبي - ﷺ - -من طريق السدي، عن مُرَّة الهمداني-، وعبد الله بن عباس -من طريق السدي، عن أبي مالك وأبي صالح-: لَمّا فرغ الله من خلق ما أحبَّ؛ اسْتَوى على العرش، فجعل إبليسَ على مُلْك سماء الدنيا، وكان من قبيلة من الملائكة يقال لهم: الجن. وإنما سُّمُوا الجِنَّ لأنهم خزانُ الجنة، وكان إبليس مع مُلْكِه خازِنًا، فوقع في صدره كِبْر، وقال: ما أعطاني الله هذا إلا لمزيد لي على الملائكة. فلما وقع ذلك الكِبْر في نفسه؛ اطَّلَع الله على ذلك منه، فقال الله للملائكة: ﴿إني جاعل في الأرض خليفة﴾. قالوا: ربَّنا، وما يكون ذلك الخليفة؟ قال: يكون له ذرية، يفسدون في الأرض، ويتحاسدون، ويقتل بعضهم بعضًا. قالوا: ربنا، ﴿أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء﴾
عن قتادة -من طريق سعيد-: ﴿أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء﴾ وقد علِمَت الملائكة من عِلْمِ الله أنّه لا شيء أكره إلى الله من سفك الدماء والفساد في الأرض، ﴿ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك قال إني أعلم ما لا تعلمون﴾. فكان في علم الله -جَلَّ ثناؤُه- أنّه سيكون من ذلك الخليفة أنبياء، ورسل، وقوم صالحون، وساكنو الجنة، قال قتادة: وذُكِر لنا أنّ ابن عباس كان يقول: إنّ الله لَمّا أخذ في خلق آدم قالت الملائكة: ما الله خالقٌ خَلْقًا أكرم عليه مِنّا، ولا أعلم مِنّا. فابْتُلُوا بخلق آدم، وكل خَلْقٍ مُبْتَلًى، كما ابتُلِيَت السموات والأرض بالطاعة، فقال الله: ﴿ائتيا طوعا أو كرها قالتا أتينا طائعين﴾ [فصلت: ١١]
عن الحسن البصري -من طريق أبي عبيدة الناجي- في حديث ذَكَرَه بطوله، قال: وقال أقوام على عهد نبيهم: واللهِ، يا محمد، إنّا لَنُحِبُّ ربَّنا. فأنزل الله عز وجل في ذلك قرآنًا، فقال: ﴿قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله﴾، فجعل الله اتِّباع نبيِّه ﷺ عَلَمًا لِحُبِّه، وكَذِبِ مَن خالفها، ثم جعل على كُلِّ قولٍ دليلًا مِن عملٍ يُصَدِّقه أو يُكذِّبُه، فإذا قال العبد قولًا حسنًا، وعمل عملًا حسنًا؛ رفع اللهُ قولَه بعمله، وإذا قال العبدُ قولًا حسنًا، وعمل عملًا سيِّئًا؛ ردَّ اللهُ القول على العمل، وذلك في كتابه: ﴿إليه يصعد الكلم الطيب والعمل الصالح يرفعه﴾ [فاطر:١٠]
عن عبد الله بن عباس -من طريق الكلبي، عن أبي صالح- في قوله: ﴿ألم تر إلى الذين يزعمون أنهم آمنوا﴾ الآية، قال: نزلت في رجل من المنافقين يُقال له: بِشْر، خاصم يهوديًّا، فدعاه اليهوديُّ إلى النبي ﷺ، ودعاه المنافق إلى كعب بن الأشرف، ثُمَّ إنّهما احْتَكَما إلى النبي ﷺ فقَضى لليهوديِّ، فلم يَرْضَ المنافق، وقال: تعالَ نتحاكم إلى عمر بن الخطاب. فقال اليهوديُّ لعمر: قضى لنا رسول الله ﷺ، فلم يرض بقضائه. فقال للمنافق: أكذلك؟ قال: نعم. فقال عمر: مكانَكما حتى أخرج إليكما. فدخل عمر، فاشتمل على سيفه، ثم خرج، فضرب عُنُق المنافق حتى برد، ثم قال: هكذا أقضي لمن لم يَرْضَ بقضاء الله ورسوله. فنزلت
عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جدِّه: سمعتُ رسول الله ﷺ يقول: «يُمَثَّلُ القرآن يومَ القيامة رجلًا، فيؤتى الرجلُ قد حمَله فخالَف أمْرَه، فيَنتَتِلُ له خصمًا، فيقول: يا ربِّ، حمَّلْتَه إياي، فبئْسَ حاملي؛ تعدّى حدُودِي، وضيَّع فَرائضِي، وركِب مَعْصِيَتي، وترَك طاعتي. فما يزالُ يَقذِفُ عليه بالحُجَج حتى يقال: فشأنَكَ. فيأخُذُ بيده، فما يُرسِلُه حتى يكُبَّه على مَنخَرِه في النار، ويؤتى بالرجل الصالح قد كان حمَله، وحفِظ أمرَه، فيَنتَتِل له خصمًا دونَه، فيقول: يا ربِّ، حمَّلْتَه إياي؛ فحفِظ حدودي، وعمِل بفرائضِي، واجتنَب معصيتي، واتَّبَع طاعتي. فما يزالُ يقذِفُ له بالحجج حتى يقال له: شأنَكَ به. فيأخُذُ بيده، فما يُرْسِلُه حتى يُلبِسَه حُلَّةَ الإستبرق، ويَعقِدَ عليه تاجَ الملك، ويَسقيَه كأس الخمر»
عن ثوبان، عن النبي ﷺ، قال: «إنّ العبد لَيلتمس مرضاةَ الله، فلا يزال كذلك، فيقول الله لجبريل: يا جبريل، إنّ عبدي فلانًا يلتمس أن يرضيني، فرضائي عليه. فيقول جبريل: رحمة الله على فلان. ويقوله حملة العرش، ويقول الذين يلونهم، حتى يقول أهل السموات السبع، ثم يهبط إلى الأرض». قال رسول الله ﷺ: «وهي الآيةُ التي أنزل الله في كتابه: ﴿إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات سيجعل لهم الرحمن ودا﴾. وإنّ العبد لَيَلْتَمِسُ سَخَطَ الله، فيقول الله: يا جبريل، إنّ فلانًا يسخطني، ألا وإنّ غضبي عليه؛ فيقول جبريل: غضب الله على فلان، ويقوله حملة العرش، ويقوله مَن دونهم، حتى يقوله أهل السموات السبع، ثم يهبط إلى الأرض»
أفادت الآثارُ الاختلاف في مدة حمل عيسى. ورجَّح ابنُ كثير (٩/٢٣٠) أنها تسعة أشهر كما قال الحسن مستندًا إلى ظاهر القرآن، فقال: «فالمشهور الظاهر -والله على كل شيء قدير- أنها حملت به كما تحمل النساء بأولادهن؛ ولهذا لَمّا ظهرت مَخايِلُ الحملِ عليها، وكان معها في المسجد رجلٌ صالح مِن قَراباتها يخدم معها البيت المقدس، يُقال له: يوسف النجار، فلمّا رأى ثِقَل بطنها وكِبَرِه أنكر ذلك مِن أمرها، ثُمَّ صرفه ما يعلم مِن براءتها ونزاهتها ودينها وعبادتها...». وذكر (٩/٢٢٩) أنّ هذا هو رأي الجمهور. وكذا ذكر ابنُ عطية (٦/٢١). وذكر ابنُ عطية أن ظاهر قوله: ﴿فأجاءها المخاض﴾ يقتضي أنها حملت على عُرْف البشر
اختلف السلف فيمن عُني بقوله: ﴿ومنهم من أخذته الصيحة﴾ على قولين: الأول: أنهم ثمود قوم صالح. الثاني: أنهم ثمود وقوم شعيب. وقد رجّح ابنُ جرير (١٨/٤٠٢) مستندًا إلى ظاهر القرآن عموم المعنى في كل مَن أخذتهم الصيحة، فقال: «والصواب من القول في ذلك أن يُقال: إنّ الله قد أخبر عن ثمود وقوم شعيب مِن أهل مدين أنه أهلكهم بالصيحة في كتابه في غير هذا الموضع، ثم قال -جلَّ ثناؤه- لنبيه ﷺ: فمِن الأمم التي أهلكناهم مَن أرسلنا عليهم حاصبًا، ومنهم مَن أخذته الصيحة، فلم يخصص الخبر بذلك عن بعضِ مَن أخذته الصيحة مِن الأمم دون بعض، وكِلا الأُمَّتين -أعني ثمود ومدين- قد أخذتهم الصيحة»
عن محمد بن السائب الكلبي، قال: أولُ نبي بعثه اللهُ في الأرض إدريس، وهو أخْنُوخُ بن يَرْدَ، وهو يارد بن مَهْلائيل بن قَيْنان بن أنُوش بن شِيث بن آدم، ثم انقطعت الرسل، حتى بعث نوح بن لَمْك بن مَتُّوشَلَخَ بن أخْنُوخَ بن يارد، وقد كان سام بن نوح نبيا، ثم انقطعت الرسل حتى بعث الله إبراهيم نبيا، وهو إبراهيم بن تاِرحَ، وتارِحُ هو آزَر بن ناحُورَ بن شارُوخَ بن أرْغُو بن فالَغ -وفالَغ هُوَ فالَخ، وهو الذي قسم الأرض- ابن عابَرَ بن شالَخَ بنِ أرْفَخْشَدَ بن سامِ بن نوح، ثم إسماعيل بن إبراهيم، فمات بمكة، ودُفِن بها، ثم إسحاق بن إبراهيم مات بالشام، ولوط بن هاران بن تارِحَ، وإبراهيم عمه، هو ابن أخي إبراهيم، ثم يعقوب وهو إسرائيل بن إسحاق، ثم يوسف بن يعقوب، ثم شعيب بن يَوْبَب بن عنقا بن مدين بن إبراهيم، ثم هود بن عبد الله بن الخُلُود بن عاد بن عَوْص بنِ إرَمَ بن سام بن نوح، ثم صالح بن آسفَ بن كماشجَ بن أروِمَ بن ثمود بن جابر بن إرَم بن سام بن نوح، ثم موسى وهارون ابنا عمران بن قاهَِتَ بن لاوِي بن يعقوب، ثم أيوب بن رازحَ بن أموصى بن ليفزن بن العِيصِ بن إسحاق بن إبراهيم، ثم الخضر، وهو خضرون بن عمرائيل بن ليفزن بن العِيصِ، ثم داود بن إيشا بن عُويد بن باعرَ بن سَلْمون بن بخشونَ بن عميناذب بن رام بن خصرون بن فارصَ بن يهوذا بن يعقوب، ثم سليمان بن داود، ثم يونس بن متى من سبط بنيامين بن يعقوب، ثم اليسع من سبط رُوبِيل بن يعقوب وإلياس بن بشير بن العاذر بن هارون بن عمران، وذا الكفل اسمه عويديا، من سبط يهوذا بن يعقوب، وبين موسى بن عمران وبين مريم بنت عمران أم عيسى ألف سنة وسبعمائة سنة، وليسا من سبط، ثم محمد ﷺ. وكل نبي ذكر في القرآن من ولد إبراهيم، غير إدريس، ونوح، ولوط، وهود، وصالح. ولم يكن من العرب أنبياء، إلا خمسة: هود، وصالح، وإسماعيل، وشعيب، ومحمد ﷺ، وإنّما سُمُّوا عربًا لأنّه لم يتكلم أحدٌ من الأنبياء بالعربية غيرهم، فلذلك سُمُّوا عربًا