اختلف في المأمور بأخذ الأسلحة؛ فقال قوم: هم الطائفة المصلية. وقال آخرون: الحارسة. ورجَّح ابنُ عطية (٣‏/‏١٠) العموم، فقال: «ولفظ الآية يتناول الكل». واختُلف في المشار إليه بقوله: ﴿فليكونوا﴾؛ فقيل: هم الطائفة التي لم تصل. وقيل: إنهم المصلون معه أُمروا إذا سجدوا أن ينصرفوا إلى الحراسة. واختلف العلماء كيف ينصرفون بعد السجود؛ فقال قوم: إذا أتموا مع الإمام ركعةً أتموا لأنفسهم ركعةً، ثم سلموا، وانصرفوا، وقد تمت صلاتهم. وقال آخرون: ينصرفون عن ركعةٍ. واختلف هؤلاء؛ فقال بعضهم: إذا صلوا مع الإمام ركعة وسلموا، فهي تجزئهم. وقال آخرون: بل ينصرفون عن تلك الركعة إلى الحراسة وهم على صلاتهم، فيكونون في وجه العدو مكان الطائفة الأخرى التي لم تصل، وتأتي تلك الطائفة. واختلفوا في الطائفة الأخرى؛ فقال قوم: إذا صلى بهم الإمام أطال التشهد حتى يقضوا الركعة الفائِتة، ثم يسلّم بهم. وقال آخرون: بل يسلم هو عند فراغه من الصلاة بهم، فإذا سلم قضوا ما فاتهم. وقال آخرون: بل يصلي بالطائفة الثانية ركعة، ويسلم هو، ولا تسلم هي، بل ترجع إلى وجه العدو، ثم تجيء الأولى، فتقضي ما بقي من صلاتها وتسلم، وتمضي وتجيء الأخرى، فتتم صلاتها. ورجَّح ابنُ جرير (٧‏/‏٤٤٢) أن تقوم مع الإمام طائفة تصلى ركعتها، ثم تُتِمُّ لنفسها وتنصرف، ثم تأتي الطائفة الأخرى لتصلي مع الإمام الركعة التي بقيت. مستندًا في ذلك إلى السنة، وقال: «وذلك نظير الخبر الذي روي عن رسول الله ﷺ: أنّه فعله يوم ذات الرقاع. والخبر الذي روى سهل بن أبي حثْمة». وانتَقَدَ (٧‏/‏٤٤٢-٤٤٤) القول بأن الطائفة الأولى إذا سجدت مع الإمام فقد انقضت صلاتها استنادًا لِما رجَّحه قبل من أن القصر في قوله: ﴿إن خفتم... ﴾ قصر كيفية لا كمية. وانتقد من قال بالتقدم والتأخر مستندًا لمخالفته ظاهر الآية، ودلالة العقل، فقال: «وذلك أنّ الله -جل ثناؤه- يقول: ﴿ولتأت طائفة أخرى لم يصلوا فليصلوا معك﴾. وكلتا الطائفتين قد كانت صلَّت مع النبي ﷺ ركعته الأولى في صلاته بعسفان، ومحالٌ أن تكون التي صلَّت مع النبي ﷺ هي التي لم تصلِّ معه، وإذْ كان ذلك كذلك ولم يكن في الآية أمر من الله -تعالى ذكرهُ- للطائفة الأولى بتأخير قضاء ما بقي عليها من صلاتها إلى فراغ الإمام من بقية صلاته، ولا على المسلمين الذين بإزاء العدوّ في اشتغالها بقضاء ذلك ضرر؛ لم يكن لأمرها بتأخير ذلك وانصرافها قبل قضاء باقي صلاتها عن موضعها معنى». ثم قال: «غير أن الأمر وإن كان كذلك فإنّا نرى أنّ مَن صلاها من الأئمة، فوافقت صلاتُه بعض الوجوه التي ذكرناها عن رسول الله ﷺ أنّه صلاها؛ فصلاته مجزئة عنه تامة لصحّة الأخبار بكل ذلك عن رسول الله ﷺ»

سورة الأعراف — الآية ١٥٧

عن وهب بن منبِّهٍ -من طريق إدريس بن سنان- قال: إنّ الله أوحى في الزَّبورِ: يا داود، إنّه سيأتي مِن بعدك نبيٌّ اسمُه: أحمدُ، ومحمدٌ، صادِقًا نبيًّا، لا أغضَبُ عليه أبدًا، ولا يَعصِيني أبدًا، وقد غفرتُ له أن يعصيَني ما تقدَّم مِن ذنبه وما تأخَّر، وأمَّتُه مرحومةٌ، أعْطَيتُهم من النوافلِ مثل ما أعطَيتُ الأنبياءَ، وافترَضْتُ عليهم الفرائض التي افترَضْتُ على الأنبياء والرسل؛ حتى يأتوني يوم القيامة ونورهم مثل نور الأنبياء، وذلك أنِّي افترَضتُ عليهم أن يَتَطَهَّروا لي لكُلِّ صلاةٍ كما افترَضْتُ على الأنبياء قبلهم، وأمَرتُهم بالغُسلِ من الجنابةِ كما أمَرتُ الأنبياء قبلهم، وأمرتُهم بالحجِّ كما أمرتُ الأنبياء قبلهم، وأمَرْتُهم بالجهاد كما أمرتُ الرُّسُلَ قبلهم. يا داود، إنِّي فضَّلتُ محمدًا وأمَّتَه على الأُمَم كلِّها، أعطَيتُهم سِتَّ خِصالٍ لم أُعطِها غيرَهم من الأُمَم: لا أؤاخِذُهم بالخطأ والنسيان، وكلُّ ذنبٍ ركِبوه على غيرِ عمدٍ إذا استغفَروني منه غفَرْتُه، وما قدَّموا لآخِرَتِهم من شيءٍ طيبةً به أنفسُهم عجَّلْتُه لهم أضعافًا مضاعفةً، ولهم عندي أضعافٌ مُضاعَفةٌ وأفضلُ من ذلك، وأعطَيتُهم على المصائب في البلايا -إذا صبَروا وقالوا: إنّا لله وإنا إليه راجعون- الصلاةَ والرحمةَ والهدى إلى جناتِ النعيمِ، فإن دَعَوْني استجَبْتُ لهم؛ فإمّا أن يَرَوه عاجلًا، وإمّا أن أصرِفَ عنهم سُوءًا، وإمّا أن أدَّخِرَه لهم في الآخرةِ. يا داودُ، مَن لقِيَني من أُمَّةِ محمدٍ يشهدُ: أن لا إله إلا أنا وحدي لا شريكَ لي صادقًا بها؛ فهو معي في جنَّتي وكرامتي، ومَن لَقِيَني وقد كذَّب مُحَمَّدًا وكذَّب بما جاء به واستهزَأ بكتابي؛ صبَبْتُ عليه في قبرِه العذاب صبًّا، وضرَبَتِ الملائكةُ وجهَه ودُبُرَه عند منشَرِه من قبره، ثم أُدخِلُه في الدَّرْك الأسفل من النار

سورة البقرة — الآية ١٨٧

وعن عَدِيِّ بن حاتم، قال: أتيتُ رسول الله ﷺ، فعَلَّمني الإسلام، ونَعَتَ لي الصلوات كيف أُصَلِّي كلَّ صلاة لوقتها، ثم قال: «إذا جاء رمضانُ فكُلْ واشرب، حتى يتبين لك الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر، ثم أتمّ الصيام إلى الليل». ولم أدرِ ما هو، ففتلتُ خيطين من أبيض وأسود، فنظرتُ فيهما عند الفجر، فرأيتُهما سواء، فأتيتُ رسول الله ﷺ، فقلتُ: يا رسول الله، كلَّ شيء أوصيتني قد حفظتُ، غير الخيط الأبيض من الخيط الأسود. قال: «وما منعك، يا ابن حاتم؟». وتَبَسَّم، كأنّه قد عَلِم ما فعلتُ، قلتُ: فَتَلْتُ خيطين من أبيض وأسود، فنظرت فيهما من الليل، فوجدتهما سواء. فضحك رسول الله ﷺ حتى رُئي نواجذُه، ثم قال: «ألم أقل لك: من الفجر؟ إنما هو ضوء النهار من ظلمة الليل»

سورة المائدة — الآية ٥٤

عن قتادة بن دِعامة -من طريق سعيد- قال: أنزَل الله هذه الآية وقد علِم أنه سيرتدُّ مرتدُّون من الناس، فلمّا قبَض الله نبيه ارتد عامَّةُ العربِ عن الإسلام، إلا ثلاثةَ مساجدَ؛ أهل المدينة، وأهل مكة، وأهل الجُواثا من عبد القيس. وقال الذين ارتدوا: نُصَلِّي الصلاةَ ولا نزكِّي، واللهِ، لا تُغصَبُ أموالُنا. فكُلِّمَ أبو بكرٍ في ذلك ليَتَجاوزَ عنهم، وقيل له: إنهم لو قد فُقِّهوا أدَّوُا الزكاة. فقال: واللهِ، لا أُفَرِّقُ بين شيءٍ جمَعه الله، ولو منَعوني عِقالًا مما فرَض اللهُ ورسوله لقاتَلتُهم عليه. فبعَث اللهُ عصائبَ مع أبي بكر فقاتلوا حتى أقرُّوا بالماعون، وهو الزكاة. قال قتادة: فكنا نُحَدَّثُ: أن هذه الآية نزلت في أبي بكر وأصحابه: ﴿فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه﴾ إلى آخر الآية

سورة المائدة — الآية ٩١

قال مقاتل بن سليمان: ﴿إنَّما يُرِيدُ الشَّيْطانُ أنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ العَداوَةَ﴾ يعني: أن يُغْرِي بينكم العداوة، ﴿والبَغْضاءَ﴾ الذي كان بين سعد وبين الأنصاري حتى كسر أنف سعد، ﴿فِي الخَمْرِ والمَيْسِرِ﴾ ورث ذلك العداوة والبغضاء، ﴿و﴾يريد الشيطان أن ﴿يَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ﴾ يقول: إذا سكرتم لم تذكروا الله عز وجل، ﴿وعَنِ الصَّلاةِ﴾ يقول: إذا سكرتم لم تصلوا، ﴿فَهَلْ أنْتُمْ مُنْتَهُونَ﴾ فهذا وعيد بعد النهي والتحريم، قالوا: انتهينا، يا ربَّنا. فقال النبي ﷺ: «يا أيها الذين آمنوا، إنّ الله حرَّم عليكم الخمرَ، فمَن كان عنده منها شيءٌ فلا يشربها، ولا يبيعها، ولا يسقيها غيره». قال: وقال أنس بن مالك: لقد نزل تحريم الخمر وما بالمدينة يومئذ خمر، إنما كانوا يشربون الفضيخ

سورة المائدة — الآية ٩١

عن ابن عمر: أنّ أبا بكر وعمر وناسًا جلَسوا بعدَ وفاة النبي ﷺ، فذكَروا أعظمَ الكبائر، فلم يكنْ عندَهم فيها عِلمٌ، فأرْسَلوني إلى عبد الله بن عمرو أسألُه، فأخبَرني أنّ أعظم الكبائر شُرْبُ الخمر، فأتيتُهم فأخبَرتُهم، فأنكَروا ذلك، ووثَبوا إليه جميعًا حتى أتَوه في داره، فأخبرَهم أن رسول الله ﷺ قال: «إنّ مَلِكًا من ملوك بني إسرائيل أخَذ رجلًا، فخيَّره بينَ أن يَشرَبَ الخمر، أو يقتُلَ نفسًا، أو يزني، أو يأكُلَ لحم الخنزير، أو يقتُلوه، فاختار الخمر، وإنّه لَمّا شَرِبه لم يَمْتَنِعْ من شيءٍ أرادوه منه». وإنّ رسول الله ﷺ قال: «ما مِن أحدٍ يَشرَبُها فتُقْبَلَ له صلاةٌ أربعينَ ليلةً، ولا يموتُ وفي مثانتِه منه شيءٌ إلا حُرِّمَت عليه بها الجنة، فإن مات في أربعينَ ليلةً مات مِيتةً جاهليةً»

سورة الحديد — الآية ٢٩

عن أبي موسى الأشعري، عن النبي ﷺ، قال: «مَثل المسلمين واليهود والنصارى كمَثل رجل استأجر قومًا يعملون له عملًا إلى الليل على أجرٍ معلوم، فعملوا إلى نصف النهار، فقالوا: لا حاجة لنا إلى أجرك الذي شرطتَ لنا، وما عملناه باطل. فقال لهم: لا تفعلوا، أكمِلوا بقيّة عملكم، وخُذوا أجركم كاملًا. فأبَوا، وتركوا. واستأجر قومًا آخرين بعدهم، فقال: أكمِلوا بقيّة يومكم هذا، ولكم الذي شرطتُ لهم من الأجر. فعملوا حتى إذا كان حين صلاة العصر قالوا: ما عملنا باطل، ولك الأجر الذي جعلتَ لنا فيه. فقال: أكمِلوا بقيّة عملكم، فإنما بقي من النهار شيء يسير. فأبَوا. فاستأجر قومًا أن يعملوا له بقيّة يومهم، فعملوا بقيّة يومهم حتى غابت الشمس، فاستكملوا أجر الفريقين كليهما، فذلك مَثلهم ومَثل ما قبلوا من هذا النور»

سورة المزمل — الآية ٢٠

عن عبد الله بن عمرو، قال: قال رسول الله ﷺ: «خَلّتان لا يُحصيهما رجل مسلم إلا أدخلتاه الجنة، وهما يسير، ومَن يعمل بهما قليل: يُسبّح الله في دُبُر كلّ صلاة عشرًا، ويَحمده عشرًا، ويُكبّره عشرًا». قال: فأنا رأيتُ رسول الله ﷺ يَعقدها بيده، قال: «فتلك خمسون ومائة باللسان، وألف وخمسمائة في الميزان. وإذا أوى إلى فراشه سبّح وحمد وكبّر مائة، قال: فتلك مائة باللسان، وألف في الميزان، فأيّكم يعمل في اليوم الواحد ألفين وخمسمائة سيئة؟!». قالوا: فكيف لا نُحصيهما؟ قال: «ويأتي أحدكم الشيطان وهو في صلاته، فيقول: اذكر كذا، اذكر كذا. حتى يَنفَتل، ولعله لا يَعقل، ويأتيه وهو في مَضجعه فلا يزال ينوّمه حتى ينام»

عن عبد الله بن عباس، قال: قلتُ: يا أمير المؤمنين، إنّ أُبيًّا يزعم أنك تركتَ من آيات الله آية لم تكتبها. قال: واللهِ، لأسألنّ أُبيًّا، فإنْ أنكر لتُكذّبن. فلما صلّى صلاة الغداة غدا على أُبيّ، فأذن له، وطرح له وسادة، وقال: يزعم هذا أنك تزعم أني تركتُ آيةً من كتاب الله لم أكتبها. فقال: إني سمعتُ رسول الله ﷺ يقول: (لَوْ أنَّ لِابْنِ آدَمَ وادِيَيْنِ مِن مّالٍ لّابْتَغى إلَيْهِما وادِيًا ثالِثًا، ولا يَمْلَأُ جَوْفَ ابْنِ آدَمَ إلّا التُّرابُ، ويَتُوبُ اللهُ عَلى مَن تابَ). فقال عمر: أفأكتبها؟ قال: لا أنهاك. قال: فكأن أُبيًّا شكّ؛ أقَوْلٌ من رسول الله ﷺ، أو قرآن مُنّزل؟

ذَكَر ابنُ عطية (١‏/‏٢٢٠) ما جاء في قول مقاتل وغيره، ووجَّهَه، فقال: «قال قتادة، والسدي، وعطاء، وغيرهم: القبلة هنا: بيت المقدس. والمعنى لم نجعلها حين أمرناك بها أولا إلا فتنة لنعلم من يتَّبعُك من العرب الذين إنما يألفون مسجد مكة، أو من اليهود على ما قال الضحاك من أن الأحبار قالوا للنبي ﷺ: إن بيت المقدس هو قبلة الأنبياء، فإن صلَّيت إليه اتبعناك، فأمره الله بالصلاة إليه امتحانًا لهم فلم يؤمنوا». ثم ذكر قولًا لابن عباس بأن القبلة الكعبة، فقال: «وقال ابن عباس: القبلة في الآية الكعبة». ووجَّهَه فقال: «و﴿كنْتَ﴾ [يعني: على هذا القول] بمعنى: أنت؛ كقوله تعالى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنّاسِ﴾ [آل عمران:١١٠] بمعنى: أنتم، أي: وما جعلناها وصرفناك إليها إلا فتنة»