عن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم -من طريق ابن وهب- وقرأ: ﴿الر كتاب أحكمت آياته ثم فصلت من لدن حكيم خبير﴾ [هود:١]، قال: وذَكَرَ حديثَ رسول الله ﷺ في أربع وعشرين آية منها، وحديثَ نوح في أربع وعشرين آية منها، ثُمَّ قال: ﴿تلك من أنباء الغيب﴾ [هود:٤٩]، ثم ذَكَر: ﴿وإلى عاد﴾ [هود:٥٠] فقرأ حتى بلغ: ﴿استغفروا ربكم﴾ [هود:٥٢]، ثُمَّ مَضى، ثُمَّ ذَكَر صالحًا وإبراهيم ولوطًا وشعيبًا، وفرغ من ذلك، وهذا يقينٌ، ذلك يقينٌ أُحْكِمَت آياته ثُمَّ فُصِّلَتْ. قال: والمتشابهُ ذِكْرُ موسى في أمْكِنَةٍ كثيرة، وهو متشابه، وهو كُلُّه معنًى واحد ومتشابه: ﴿فاسلك فيها﴾ [المؤمنون:٢٧]، ﴿احمل فيها﴾ [هود:٤٠]. ﴿اسلك يدك﴾ [القصص:٣٢]، ﴿وأدخل يدك﴾ [النمل:١٢]. ﴿حية تسعى﴾ [طه:٢٠]، ﴿ثعبان مبين﴾ [الأعراف:١٠٧، والشعراء:٣٢]. قال: ثم ذكر هودًا في عشر آيات منها، وصالحًا في ثماني آيات منها، وإبراهيم في ثماني آيات أخرى، ولوطًا في ثماني آيات منها، وشعيبًا في ثلاث عشرة آية، وموسى في أربع آيات، كل هذا يقضي بين الأنبياء وبين قومهم في هذه السورة، فانتهى ذلك إلى مائة آية من سورة هود، ثم قال: ﴿ذلك من أنباء القرى نقصه عليك منها قائم وحصيد﴾ [هود:١٠٠]. وقال في المتشابه من القرآن: مَن يُرِدِ الله به البلاءَ والضلالةَ يقولُ: ما شَأْنُ هذا لا يكون هكذا؟! وما شأَنْ هذا لا يكون هكذا؟!
عن الرَّبيع بن أنس، قال: إنّ الله جعل طاعته نورًا، ومعصيته ظُلْمَةً، إنّ الإيمان في الدنيا هو النورُ يوم القيامة، ثم إنّه لا خير في قولٍ ولا عملٍ ليس له أصلٌ ولا فرعٌ، وإنّه قد ضرب مَثَل الإيمان والكفر، فقال: ﴿ألم تَرَ كيف ضربَ الله مثلًا كلمةً طيبةً﴾ إلى قوله: ﴿وفرعُها في السماءِ﴾. وإنّما هي الأمثالُ في الإيمان والكفر، فذكر أنّ العبد المؤمن المخلص هو الشجرةُ، إنّما ثَبَت أصلُه في الأرض وبلغ فرعُه في السماء؛ إنّ الأصلَ الثابت الإخلاصُ للهِ وحده وعبادته لا شريك له، ثم إنّ الفرع هي الحسنةُ، ثم يصعد عملُه أوَّل النهار وآخره، فهي ﴿تُؤتي أكُلها كلَّ حين بإذن ربها﴾، ثم هي أربعةُ أعمالٍ إذا جمعها العبدُ؛ الإخلاص لله وحده وعبادته لا شريك له، وخشيته، وحبُّه، وذِكْره، إذا جَمَع ذلك فلا تضرُّه الفِتَنُ
عن سعيد بن جبير -من طريق جعفر- في قوله: ﴿وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم﴾، قال: أخرج ذريته من ظهره كهيئة الذر، فعرضهم على آدم بأسمائهم وأسماء آبائهم وآجالهم، قال: فعرض عليه روح داود في نور ساطع، فقال: مَن هذا؟ قال: هذا مِن ذريتك نبيٌّ خليفة. قال: كم عمره؟ قال: ستون سنة. قال: زيدوه من عمري أربعين سنة. قال: والأقلام رطبة تجري. فأثبت لداود الأربعون، وكان عُمُرُ آدمَ عليه السلام ألفَ سنة، فلما استكملها إلا الأربعين سنة بُعِث إليه ملك الموت، فقال: يا آدم، أُمِرْتُ أن أقبضك. قال: ألم يبقَ من عمري أربعون سنة؟ قال: فرجع ملك الموت إلى ربه، فقال: إنّ آدم يَدَّعِي من عمره أربعين سنة. قال: أخبِر آدمَ أنّه جعلها لابنه داود والأقلام رطبة، فأُثْبِتَت لداود
عن أبي الزبير، أنّه سمع جابر بن عبد الله يُسْأَل عن الورود. فقال: نحن يوم القيامة على كوى أو كدى فوق الناس، فتُدْعى الأمم بأوثانها وما كانت تَعْبُدُ الأولَ فالأولَ، فينطلق بهم، ويتبعونه. قال: ويُعْطى كلُّ إنسانٍ منافقٌ ومؤمنٌ نورًا، وتَغْشى ظلمةٌ، ثم يتبعونه، وعلى جسر جهنم حَسَك وكلاليب تأخذ مَن شاء الله، فيطفأ نور المنافق، وينجو المؤمنون، فتنجو أولُ زمرةٍ كالقمر ليلة البدر، وسبعون ألفًا لا حساب عليهم، ثم الذين يلونهم كأَضْوَإ نجم في السماء، ثم كذلك، ثم تحل الشفاعة فيشفعون، ويخرج من النار مَن قال: «لا إله إلا الله» مِمَّن في قلبه وزنُ شعيرة مِن خير، ثُمَّ يلقون تلقاء الجنة، ويُهَرِيقُ عليهم أهلُ الجنة الماء، فينبتون نبات الشيء في السيل، ثم يسألون فيجعل لهم الدنيا وعشرة أمثالها
عن عبد الله بن عباس -من طريق الضَّحّاك- قال: لَمّا عيَّر المشركون رسولَ الله ﷺ بالفاقة قالوا: ﴿مال هذا الرسول يأكل الطعام ويمشي في الأسواق﴾؛ حزِن رسولُ الله ﷺ، فنزل جبريل، فقال: إنّ ربَّك يُقرِئك السلامَ، ويقول: ﴿وما أرسلنا قبلك من المرسلين إلا إنهم ليأكلون الطعام ويمشون في الأسواق﴾. ثم أتاه رضوان خازِن الجِنان، ومعه سفط من نور يتلألأ، فقال: هذه مفاتيح خزائن الدنيا. فنظر النبيُّ ﷺ إلى جبريل كالمستشير له، فضرب جبريلُ بيده إلى الأرض: أن تواضع. فقال: يا رضوان، لا حاجة لي فيها. فنُودي: أن أرفع بصرك. فرفع، فإذا السموات فتحت أبوابها إلى العرش، وبدت جنةُ عدن، فرأى منازلَ الأنبياءَ، وعَرَفَهم، وإذا منازله فوق منازل الأنبياء، فقال: «رضيتُ». ويرون أنّ هذه الآية أنزلها رضوان: ﴿تبارك الذي إن شاء جعل لك خيرًا من ذلك﴾ الآية
عن عبد الله بن عباس، قال: قال النبي ﷺ: «رأيتُ ربِّي في أحسن صورةٍ، فقال لي: يا محمد، هل تدري فيمَ يختصم الملأُ الأعلى؟ فقلتُ: لا، يا ربّ. فوضع يده بين كتفيّ، فوجدت بَرْدها بين ثدييّ، فعلمتُ ما في السماء والأرض، فقلتُ: يا ربّ، في الدّرجات والكفّارات، ونقْل الأقدام إلى الجماعات، وانتظار الصلاة بعد الصلاة. فقلتُ: يا ربِّ، إنّك اتخذتَ إبراهيم خليلًا، وكلّمتَ موسى تكليمًا، وفعلتَ، وفعلتَ. فقال: ألم أشرح لك صدرك؟! ألم أضع عنك وِزْرك؟! ألم أفعل بك؟! ألم أفعل؟! فأفضى إلَيّ بأشياء لم يُؤذن لي أن أُحَدِّثُكُمُوها، فذلك قوله: ﴿ثُمَّ دَنا فَتَدَلّى فَكانَ قابَ قَوْسَيْنِ أوْ أدْنى فَأَوْحى إلى عَبْدِهِ ما أوْحى ما كَذَبَ الفُؤادُ ما رَأى﴾. فجعل نورَ بصري في فؤادي، فنظرت إليه بفؤادي»
اختُلِف في المراد بوصف الكتاب بالمبين على أقوال: الأول: أنّ وصفه بالمبين مِن جهة أحكامه، وحلاله، وحرامه. الثاني: أنّه وُصف بالمبين من جهة مواعظه، وهداه، ونوره. الثالث: من جهة بيان اللسان العربي وجودته؛ إذ فيه ستة أحرف لم تجتمع في لسان. ورجَّح ابنُ جرير (٦/١٣) العموم، فقال: «والصواب من القول في ذلك عندي أن يُقال: معناه: هذه آيات الكتاب المبين لِمَن تلاه، وتدَبَّر ما فيه مِن حلاله وحرامه ونهيه وسائر ما حواه مِن صنوف معانيه؛ لأنّ الله -جل ثناؤه- أخبر أنه مبين، ولم يَخُصَّ إبانتَه عن بعضِ ما فيه دون جميعه، فذلك على جميعه، إذ كان جميعه مُبِينًا عما فيه». وذكر ابنُ عطية (٥/٣٨) قولًا آخر، فقال: «ويحتمل أن يكون مُبِينًا لِنُبُوَّة محمد بإعجازه». ثُمَّ رجَّح العموم، فقال: «والصواب أنّه مُبين بجميع هذه الوجوه»
عن أبي صخر، أنّ محمد بن كعب القرظي حدَّثه، قال: كان رسول الله ﷺ إذا قرأ في الصلاة أجابه مَن وراءه، وإذا قال: ﴿بسم الله الرحمن الرحيم﴾ قالوا مثلَ ما يقول حتى يقضي فاتحة القرآن والسورة، فلبث ما شاء الله أن يلبث، ثم نزل: ﴿إذا قرئ القرآن فاستمعوا له وأنصتوا لعلكم ترحمون﴾ [الأعراف:٢٠٤]، فقرأ ونَصَتُوا، ثم نزل: ﴿حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى وقوموا لله قانتين﴾. قال القرظي: كلُّ شيء ذُكِر من القنوت في القرآن فهي الطاعة إلا واحدة، وهي تصير إلى الطاعة، قول الله: ﴿والصلاة الوسطى وقوموا لله قانتين﴾، وهي -يا هذا-: ساكتين
عن قتادة بن دِعامة -من طريق سعيد- في قوله: ﴿وإن جنحوا للسلم﴾ أي: للصُّلْح، ﴿فاجنح لها﴾. قال: كانت قبلَ براءة، وكان النبيّ ﷺ يُوادِعُ الناس إلى أجلٍ، فإمّا أن يُسلموا وإمّا أن يُقاتِلَهم، ثم نُسِخ ذلك في براءة، فقال: ﴿فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم﴾ [التوبة:٥]، وقال: ﴿وقاتلوا المشركين كافة﴾ [التوبة:٣٦]، نَبَذَ إلى كلِّ ذي عَهْدٍ بعهدِه، وأمَره أن يُقاتِلَهم حتى يقولوا: لا إله إلا الله. ويُسْلِموا، وألّا يَقْبَلَ منهم إلا ذلك، وكلُّ عهدٍ كان في هذه السورة وغيرها، وكلُّ صُلْحٍ يصالِحُ به المسلمون المشركين يَتوادَعون به، فإن براءة جاءت بنسخ ذلك، فأُمِر بقتالِهم قبلَها على كلِّ حال حتى يقولوا: لا إله إلا الله
عن أبي هريرة -من طريق أبي حازم- قال: قال أبو جهل: هل يُعفِّر محمد وجهه إلا بين أظهركم؟ قالوا: نعم. فقال: واللّاتِ والعُزّى، لَئِن رأيتُه يُصلِّي كذلك لَأَطَأَنّ على رقبته، ولأُعفِّرنّ وجهه في التراب. فأتى رسولَ الله ﷺ وهو يُصلّي ليطأ على رقبته، قال: فما فجئهم منه إلا وهو يَنكِص على عَقِبيه، ويتّقي بيديه، فقيل له: ما لك؟ قال: إنّ بيني وبينه خندقًا مِن نار، وهَوْلًا، وأجنحة. فقال رسول الله ﷺ: «لو دنا مني لاختطفتْه الملائكة عضوًا عضوًا». قال: وأنزل الله: ﴿كَلّا إنَّ الإنْسانَ لَيَطْغى أنْ رَآهُ اسْتَغْنى﴾ إلى آخر السورة