انتقد ابنُ تيمية (٦‏/‏٤٣٩) القول بنزول الآية في علي وفاطمة وابنيهما مستندًا لأحوال النزول، والنظائر، والواقع، فقال: «أمّا نزول: ﴿هل أتى﴾ في عليٍّ فمما اتفق أهل العلم بالحديث على أنه كذبٌ موضوع، وإنما يذكره من المفسرين مَن جرتْ عادته بذكر أشياء من الموضوعات، والدليل الظاهر على أنه كذبٌ: أنّ سورة ﴿هل أتى﴾ مكّيّة باتفاق الناس، نزلت قبل الهجرة، وقبل أن يتزوج عليٌّ بفاطمة، ويُولد الحسن والحُسين، ... ولم يَنزل قطّ قرآنٌ في إنفاق علي بخصوصه؛ لأنه لم يكن له مال، بل كان قبل الهجرة في عيال النبي ﷺ، وبعد الهجرة كان أحيانًا يُؤجّر نفسه كلّ دلو بتمرة، ولما تزوّج بفاطمة لم يكن له مهر إلا دِرعه، وإنما أنفق على العُرس ما حصل له من غزوة بدر»

سورة القلم — الآية ٤٢

عن عبد الله بن مسعود، عن النبي ﷺ، قال: «يَجمع الله الناس يوم القيامة، ويَنزل الله في ظُلل من الغمام، فيُنادي منادٍ: يا أيها الناس، ألم تَرضَوا من ربكم الذي خَلَقكم وصوَّركم ورزقكم أن يُولِيّ كلّ إنسان منكم ما كان يعبد في الدنيا ويَتولّى، أليس ذلك مِن ربكم عَدلًا؟ قالوا: بلى. قال: فليَنطلِق كلُّ إنسان منكم إلى ما كان يَتولّى في الدنيا. ويَتمثّل لهم ما كانوا يعبدون في الدنيا، ويُمثَّل لِمَن كان يعبد عيسى شيطان عيسى، ويُمثَّل لِمَن كان يعبد عُزَيرًا شيطان عُزَير، حتى يُمثَّل لهم الشجرة والعُود والحَجر، ويَبقى أهل الإسلام جُثومًا، فيَتمثَّل لهم الرّبّ عز وجل، فيقول لهم: ما لكم لم تَنطلِقوا كما انطَلق الناس؟ فيقولون: إنّ لنا ربًّا ما رأيناه بعد. فيقول: فبِم تَعرفون ربَّكم إن رأيتموه؟ قالوا: بيننا وبينه علامة؛ إن رأيناه عَرفناه. قال: وما هي؟ قالوا: يَكشف عن ساق. فيَكشف عند ذلك عن ساقٍ، فيَخرّ كلُّ مَن كان يَسجد طائعًا ساجدًا، ويَبقى قومٌ ظهورُهم كصَياصِيّ البقر، يريدون السجود فلا يستطيعون، ثم يؤمرون، فيَرفعون رؤوسهم، فيُعطَون نورهم على قدْر أعمالهم، فمنهم مَن يُعطى نوره مثل الجبل بين يديه، ومنهم مَن يُعطى نوره فوق ذلك، ومنهم مَن يُعطى نوره مثل النّخلة بيمينه، ومنهم مَن يُعطى نوره دون ذلك بيمينه، حتى يكون آخر ذلك مَن يُعطى نوره على إبهام قَدميه، يضيء مرة ويُطفِئ مرة، فإذا أضاء قَدّم قدمه، وإذا طُفئ قام فيَمُرّ، ويَمُرُّون على الصراط، والصراط كحدّ السيف دَحْض مَزَلَّة، فيقال لهم: انجُوا على قدْر نوركم. فمنهم مَن يَمُرّ كانقضاض الكوكب، ومنهم مَن يَمُرّ كالطّرف، ومنهم مَن يَمُرّ كالريح، ومنهم مَن يَمُرّ كشدّ الرَّحل ويَرمُل رَمَلًا، يَمُرّون على قدْر أعمالهم، حتى يَمُرّ الذي نوره على إبهام قدمه؛ يَجُرّ يدًا ويُعلّق يدًا، ويَجُرّ رِجلًا ويُعلّق رِجلًا، وتُصيب جوانبه النار، فيَخلُصُون، فإذا خَلَصُوا قالوا: الحمد لله الذي نجّانا منك بعد الذي أراناك، لقد أعطانا الله ما لم يُعط أحدًا. فيَنطلِقون إلى ضَحْضاح عند باب الجنة، فيَغتسِلون، فيعود إليهم ريحُ أهل الجنة وألوانهم، ويَرون من خَلَلِ باب الجنة وهو مُصْفَقٌ منزلًا في أدنى الجنة، فيقولون: ربّنا، أعطِنا ذلك المنزل. فيقول لهم: أتسألون الجنة وقد نَجّيتكم من النار؟! فيقولون: ربّنا، أعطِنا، اجعل بيننا وبين النار هذا الباب، لا نَسمع حَسيسها. فيقول لهم: لعلّكم إنْ أُعطيتموه أن تسألوا غيره؟ فيقولون: لا، وعزّتك، لا نسألك غيره، وأي منزل يكون أحسن منه؟! قال: فيَدخلون الجنة، ويُرفع لهم منزلٌ أمام ذلك كأن الذي رَأوا قبل ذلك حُلْمٌ عنده، فيقولون: ربّنا، أعطِنا ذلك المنزل. فيقول: لعلّكم إنْ أعطيتكموه أن تسألوني غيره؟ فيقولون: لا، وعزّتك، لا نسأل غيره، وأي منزل أحسن منه؟! فيُعطَونه، ثم يُرفع لهم أمام ذلك منزل آخر كأن الذي أُعطوه قبل ذلك حُلْمٌ عند الذي رَأوا، فيقولون: ربّنا، أعطِنا ذلك المنزل. فيقول: لعلّكم إنْ أُعطيتموه أن تسألوني غيره؟ فيقولون: لا، وعزّتك، لا نسألك غيره، وأي منزل أحسن منه؟! ثم يَسكتون، فيقال لهم: ما لكم لا تَسألون؟ فيقولون: ربّنا، قد سألناك حتى استحيينا. فيقال لهم: ألم تَرضَوا أنْ أُعطيكم مثل الدنيا منذ يوم خَلَقتُها إلى يوم أفنيتُها وعشرة أضعافها؟ فيقولون: أتستهزئ بنا وأنت ربّ العالمين؟!». قال مسروق: فلمّا بلغ عبد الله هذا المكان من الحديث ضحك، وقال: سمعتُ رسول الله ﷺ يُحدّثه مرارًا، فما بلغ هذا المكان من الحديث إلا ضحك حتى تَبدوَ لهَواتُه، ويَبدوَ آخر ضِرس مِن أضراسه لقول الإنسان، قال: «فيقول: لا، ولكني على ذلك قادر فسلوني. قالوا: ربّنا، ألحِقنا بالناس. فيقال لهم: الحقُوا الناس. فينطَلِقون يَرْمُلون في الجنة، حتى يَبدوُ للرجل منهم في الجنة قصر؛ دُرّة مُجَوّفة، فيَخِرّ ساجدًا، فيقال له: ارفع رأسك. فيَرفع رأسه، فيقول: رأيتُ ربي! فيقال له: إنما ذلك منزل من منازلك. فيَنطلِق، فيستقبله رجل، فيَتهيّأ للسجود، فيُقال له: ما لك؟ فيقول: رأيتُ مَلكًا! فيقال له: إنما ذلك قَهْرمان من قهارمتكَ، عبد من عبيدك. فيأتيه، فيقول: إنما أنا قَهْرمان من قهارمتكَ على هذا القصر، تحت يدي ألف قَهْرمان، كلّهم على ما أنا عليه. فيَنطلِق به عند ذلك حتى يفتح له القصر، وهي درة مجوفة، سقائفها وأغلاقها وأبوابها ومفاتيحها منها. قال: فيفتح له القصر، فتستقبله جوهرة خضراء مُبطّنة بحمراء سبعون ذراعًا فيها ستون بابًا، كلّ باب يُفضي إلى جوهرة على غير لون صاحبتها، في كلّ جوهرة سُررٌ وأزواج ونصائف، أو قال: ووصائف. فيَدخل فيه، فإذا هو بحَوْراء عَيناء عليها سبعون حُلّة، يُرى مخ ساقها من وراء حُلَلها، كبدها مرآته، وكبده مرآتها، إذا أعرض عنها إعراضة ازدادت في عينه سبعين ضعفًا عما كانت قبل ذلك، وإذا أعرضتْ عنه إعراضة ازداد في عينها سبعين ضعفًا عما كان قبل ذلك، فتقول: لقد ازددتَ في عيني سبعين ضعفًا. ويقول لها مثل ذلك. قال: فيُشرف على مُلكه مَدّ بصره، مسيرة مائة عام». قال: فقال عمر بن الخطاب عند ذلك: ألا تسمع -يا كعب- ما يُحدّثنا به ابن أُمّ عبد عن أدنى أهل الجنة ماله، فكيف بأعلاهم؟! فقال: يا أمير المؤمنين، ما لا عينٌ رأتْ ولا أذنٌ سمعتْ، إنّ الله كان فوق العرش والماء، فخَلَق لنفسه دارًا بيده، فزيَّنها بما شاء، وجَعل فيها ما شاء من الثمرات والشراب، ثم أطبقَها، فلم يَرها أحد من خَلْقه منذ خَلَقها، لا جبريل ولا غيره من الملائكة. ثم قرأ كعب: ﴿فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ ما أُخْفِيَ لَهُمْ مِن قُرَّةِ أعْيُنٍ﴾ الآية [السجدة:١٧]. وخَلَق دون ذلك جَنّتين، فزيّنهما بما شاء، وجعل فيهما ما ذَكر من الحرير والسُّندس والإسْتَبرق، وأراهما مَن شاء من خَلْقه من الملائكة، فمَن كان كتابه في عِلّيّين نَزل تلك الدار، فإذا ركب الرجل من أهل عِلّيّين في مُلكه لم يَبق خَيمة من خِيام الجنة إلا دخلها من ضوء وجهه، حتى إنهم ليَستنشِقون ريحه، ويقولون: واهًا لهذه الريح الطّيّبة. ويقولون: لقد أشرف علينا اليوم رجل من أهل عِلّيّين. فقال عمر: ويحك -يا كعب- إنّ هذه القلوب قد استَرسلتْ، فاقْبضها. فقال كعب: يا أمير المؤمنين، إنّ لِجهنم زَفرةً ما من مَلك ولا نبي إلا يَخرّ لرُكْبته، حتى يقول إبراهيم خليل الله: ربّ، نفسي نفسي. وحتى لو كان لك عمل سبعين نبيًّا إلى عملك لَظننتَ أن لن تَنجو منها

سورة يوسف — الآية ٩٣

عن وهب بن مُنَبِّه، قال: لَمّا كان مِن أمرِ إخوة يوسف ما كان كتب يعقوبُ إلى يوسف وهو لا يعلم أنّه يوسف: بسم الله الرحمن الرحيم، من يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم إلى عزيز آل فرعون، سلام عليك، فإنِّي أحمَدُ إليك اللهَ الذي لا إله إلا هو، أما بعد، فإنّا أهل بيت مُولَعٌ بنا أسباب البلاء؛ كان جَدي إبراهيم خليل الله أُلْقِي في النار في طاعة ربه، فجعلها الله عليه بردًا وسلامًا. وأمر الله جَدِّي أن يذبح له أبي، ففداه الله بما فداه به. وكان لي ابنٌ، وكان مِن أحب الناس إلَيَّ، ففقدته، فأذهب حزني عليه نورَ بصري، وكان له أخ مِن أُمَّه، كنتُ إذا ذكرتُه ضممتُه إلى صدري، فأذهب عنِّى بعضَ وجدي، وهو المحبوس عندك في السرقة، وإنِّي أُخبرُك أنِّي لم أسرق ولم ألِد سارقًا. فلمّا قرأ يوسف عليه السلام الكتاب بكى، وصاح، وقال: ﴿اذهبوا بقميصى هذا فألقوه على وجه أبى يأت بصيرًا﴾

سورة الأعراف — الآية ١٧٢

عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ: «لَمّا خلق الله آدمَ مسَح ظهره، فسقَط مِن ظهره كلُّ نَسَمة هو خالقُها مِن ذُرِّيَّتِه إلى يوم القيامة، وجعل بين عينَي كلِّ إنسانٍ منهم وبِيصًا مِن نور، ثم عرَضهم على آدم، فقال: أيْ ربِّ، مَن هؤلاء؟ قال: هؤلاء ذرِّيَّتُك. فرأى رجلًا منهم فأعجًبه وبِيصُ ما بينَ عينَيه، فقال: أيْ ربِّ، مَن هذا؟ فقال: هذا رجلٌ مِن آخر الأمم مِن ذريتك، يُقال له: داود. قال: أيْ ربِّ، وكم جعَلَت عُمُرَه؟ قال: ستين سنة. قال: أيْ ربِّ، زِدْه مِن عُمُري أربعين سنة. فلما انقَضى عُمُر آدم جاء مَلَكُ الموت، فقال: أوَلَمْ يَبْقَ مِن عمري أربعون سنة؟ قال: أوَلم تُعْطِها ابنَك داود؟! قال: «فجحَد فجحَدَتْ ذرِّيَّتُه، ونسِي فنَسِيت ذرِّيَّتُه»

سورة الحديد — الآية ١٣

عن أبي فاخِتة، قال: يجمع اللهُ الخلائقَ يوم القيامة، ويُرسل الله على الناس ظُلمةً، فيستغيثون ربَّهم، فيؤتي الله كلَّ مؤمن يومئذ نورًا، ويؤتي المنافقين نورًا، فينطلِقون جميعًا متوجّهين إلى الجنة معهم نورهم، فبينما هم كذلك إذ طفَأ الله نور المنافقين، فيتردّدون في الظّلمة، ويسبقهم المؤمنون بنورهم بين أيديهم، فينادونهم: ﴿انْظُرُونا نَقْتَبِسْ مِن نُورِكُمْ﴾، ﴿فَضُرِبَ بَيْنَهُمْ بِسُورٍ لَهُ بابٌ باطِنُهُ﴾ حيث ذهب المؤمنون ﴿فِيهِ الرَّحْمَةُ﴾ ومن قِبَله الجنة، ويناديهم المنافقون: ﴿ألَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ﴾. قالوا: ﴿بَلى ولَكِنَّكُمْ فَتَنْتُمْ أنْفُسَكُمْ وتَرَبَّصْتُمْ وارْتَبْتُمْ﴾. فيقول المنافقون بعضهم لبعض، وهم يَتَسَكَّعُون في الظُّلمة: تعالوا نلتمسْ إلى المؤمنيين سبيلًا، فيَسْقُطون على هُوّةٍ، فيقول بعضهم لبعض: إنّ هذا ينفُقُ بكم إلى المؤمنين. فيتهافتون فيها، فلا يزالون يهوون فيها حتى ينتهوا إلى قَعْرِ جهنم، فهنالك خُدع المنافقون كما قال الله: ﴿وهُوَ خادِعُهُمْ﴾ [النساء:١٤٢]

في قوله: ﴿كورت﴾ قولان: الأول: ذهب ضوؤها. الثاني: رُمي بها. وقد جمع بينهما ابنُ جرير (٢٤‏/‏١٣١) مستندًا إلى اللغة، فقال: «والصواب من القول في ذلك عندنا: أن يُقال: ﴿كورت﴾ كما قال الله -جلّ ثناؤه-، والتكوير في كلام العرب: جَمْع بعض الشيء إلى بعض، وذلك كتكوير العمامة، وهو لفّها على الرأس، وكتكوير الكارة، وهي جمع الثياب بعضها إلى بعض، ولفّها. وكذلك قوله: ﴿إذا الشمس كورت﴾ إنما معناه: جمْع بعضها إلى بعض، ثم لُفّتْ فرُمي بها، وإذا فُعل ذلك بها ذهب ضوؤها. فعلى التأويل الذي تأولناه وبيّناه لكلا القولين اللذين ذكرتُ عن أهل التأويل وجه صحيح، وذلك أنها إذا كُوّرتْ ورُمي بها: ذهب ضوؤها». وبنحوه قال ابنُ عطية (٨‏/‏٥٤٤)، : «وتكوير الشمس: هو أن تدار ويُذهب بها إلى حيث شاء الله كما يدار كور العمامة، وعبّر المفسِّرون عن ذلك بعبارات؛ فمنهم مَن قال: ذهب نورها. ومنهم مَن قال: رُمي بها. قاله الربيع بن خثيم. وغير ذلك مما هو أشياء تابعة لتكويرها»

زاد ابنُ عطية (٨‏/‏٥٩٨-٥٩٩) في معنى الآية أقوالًا أخرى، وعلَّق على بعضها، فقال: «وقيل: الضريع: العِشْرِقُ. وقال النبي ﷺ: «الضريع شوك في النار». وقال بعض اللغويين: الضريع يَبِسُ العَرْفَج إذا تحطّم. وقال آخرون: هو رَطْبُ العَرْفج. وقال الزَّجّاج: هو نَبْتٌ كالعَوْسج. وقال بعض المفسرين: الضّريع نبتٌ في البحر أخضر منتن مُجَوَّف مستطيل له نَوْر فيه كبير... وكلّ مَن ذَكر شيئًا مما قدمناه فإنما يعني أنّ ذلك من نار ولا بُدّ، وكلّ ما في النار فهو نار. وقال قوم: ضَرِيع وادٍ في جهنم. وقال جماعة من المتأولين: الضّريعُ طعام أهل النار. ولم يُرِد أن يخصص شيئًا مما ذُكِر، قال بعض اللغويين: وهذا مما لا تعرفه العرب. وقيل: الضّريع: الجلدة التي على العظم تحت اللحم». ثم علَّق بقوله: «ولا أعرف مَن تأوَّل الآية بهذا، وأهل هذه الأقاويل يقولون: الزّقوم لطائفة، والضّريع لطائفة، والغِسْلين لطائفة»

سورة قريش — الآية ٢

عن عمر بن عبد العزيز، قال: كانت قريش في الجاهلية تَعْتَفِد، وكان اعتفادها أنّ أهل البيت منهم كانوا إذا سافتْ -يعني: هلكتْ- أموالهم خرجوا إلى بَراز من الأرض، فضربوا على أنفسهم الأخبية، ثم تناوبوا فيها حتى يموتوا، من قبل أن يُعلم بخَلّتهم، حتى نشأ هاشم بن عبد مناف، فلما وبَل وعظم قدره في قومه قال: يا معشر قريش، إنّ العِزّ مع كثرة العدد، وقد أصبحتم أكثر العرب أموالًا، وأعزّهم نفرًا، وإنّ هذا الاعتفاد قد أتى على كثير منكم، وقد رأيتُ رأيًا. قالوا: رأيك رشدٌ، فمُرنا نأتمر. قال: رأيتُ أنْ أخلط فقراءكم بأغنيائكم، فأعمد إلى رجل غني فأضم إليه فقيرًا، عياله بعدد عياله، فيكون يوازره في الرحلتين؛ رحلة الصيف إلى الشام، ورحلة الشتاء إلى اليمن، فما كان في مال الغني من فضل عاش الفقير وعياله في ظِلّه، وكان ذلك قطعًا للاعتفاد. قالوا: نِعم ما رأيتَ. فألّف بين الناس، فلما كان من أمر الفيل وأصحابه ما كان، وأنزل الله ما أنزل، وكان ذلك مفتاح النبوة، وأول عِزّ قريش حتى هابهم الناس كلّهم، وقالوا: أهل الله، والله معهم. وكان مولد النبيِّ ﷺ في ذلك العام، فلما بعث الله رسوله ﷺ كان فيما أنزل عليه يعرّف قومه ما صنع إليهم، وما نصرهم من الفيل وأهله: ﴿ألَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحابِ الفِيلِ﴾ إلى آخر السورة. ثم قال: ولِمَ فعلتُ ذلك -يا محمد- بقومك، وهم يومئذ أهل عبادة أوثان؟! فقال: ﴿لِإيلافِ قُرَيْشٍ﴾ إلى آخر السورة. أي: لتراحمهم وتواصلهم، وإن كان الذي آمنهم منه من الخوف؛ خوفَ الفيل وأصحابه، وإطعامَهم إياهم من الجوع؛ من جوع الاعتفاد

سورة المدثر — الآية ١

قال مقاتل بن سليمان: ﴿يا أيُّها المُدَّثِّر﴾، يعني: النبي ﷺ، وذلك أنّ كفار مكة آذَوه، فانطَلق إلى جبل حِراء ليتوارى عنهم، فبينما هو يمشي إذ سمع مناديًا يقول: يا محمد. فنظر يمينًا وشمالًا وإلى السماء، فلم يرَ شيئًا، فمَضى على وجهه، فنُودي الثانية: يا محمد. فنظر يمينًا وشمالًا ومن خلفه، فلم يرَ شيئًا إلا السماء، ففَزع، وقال: لعلّ هذا شيطان يدعوني. فمَضى على وجهه، فنودي في قفاه: يا محمد، يا محمد. فنظر خلفه وعن يمينه وعن شماله، ثم نظر إلى السماء، فرأى مثل السرير بين السماء والأرض، وعليه دَرْبوكة قد غَطَّت الأُفُق، وعليه جبريل عليه السلام مثل النور المتوقِّد يتلألأ، حتى كاد أن يَغشى البصر، ففَزع فزعًا شديدًا، ثم وقَع مغشيًّا عليه، ولبث ساعة، ثم أفاق، فقام يمشي -وبه رِعْدة شديدة، ورِجلاه تَصطكّان- راجعًا حتى دخل على خديجة، فدعا بماء، فصَبّه عليه، فقال: دثِّروني. فدَثَّروه بقَطيفة حتى استدفأ، فلمّا أفاق قال: لقد أشفقتُ على نفسي. قالت له خديجة: أبشِر، فواللهِ، لا يسوءُك الله أبدًا؛ لأنك تَصدق الحديث، وتَصِل الرَّحِم، وتَحمل الكَلّ، وتَقري الضيف، وتُعين على نوائب الخير. فأتاه جبريل عليه السلام وهو مُتَقنِّع بالقَطيفة، فقال: يا أيها المُتَدَثِّر بقَطيفته، المُتَقَنِّع فيها

ذَهَبَ ابنُ جرير (١٩‏/‏٤٩٢)، وكذا ابنُ كثير (١٢‏/‏٦) إلى أنّ الصافات: نوع من الملائكة استنادًا إلى أقوال السلف، فقال ابنُ جرير: «أما الصافات: فإنها الملائكة الصافات لربها في السماء، وهي جمع صافة، فالصافات: جمع جمع، وبذلك جاء تأويل أهل التأويل». وقال في موضع لاحق (١٩‏/‏٤٩٤): «الله -تعالى ذكره- ابتدأ القسم بنوع من الملائكة، وهم الصافون، بإجماع من أهل التأويل». وذَكَرَ ابنُ عطية (٧‏/‏٢٧٠) قولًا آخر، فقال: «قالت فرقة: أراد: كل من يصف من بني آدم في قتال في سبيل الله، أو في صلاة وطاعة، والتقدير: والجماعات الصافات». ثم علَّقَ قائلًا: «واللفظ يحتمل أن يعم جميع هذه المذكورات». وذَكَرَ ابنُ القيم (٢‏/‏٣٦٥) قولًا آخر استنادًا إلى النظائر، فقال: «الصافات: الطير، كما قال تعالى: ﴿أوَلَمْ يَرَوْا إلى الطَّيْرِ فَوْقَهُمْ صافّاتٍ ويَقْبِضْن﴾ [الملك:١٩]، وقال تعالى: ﴿والطَّيْرُ صافّاتٍ﴾ [النور:٤١]». ثم علَّقَ قائلًا: «واللفظ يحتمل ذلك كله، وإن كان أحق مَن دخل فيه وأولى الملائكة؛ فإن الإقسام كالدليل والآية على صحة ما أقسم عليه من التوحيد، وما ذكر مِن غير الملائكة فهو من آثار الملائكة، وبواسطتها كان»