سورة البقرة — الآية ٦٠

قال مقاتل بن سليمان: ﴿وإذ استسقى موسى لقومه﴾ وهم في التِّيه، قالوا: من أين لنا شراب نشرب؟ فدعا موسى عليه السلام ربه أن يسقيهم، فأوحى الله عز وجل إلى موسى عليه السلام: ﴿فقلنا اضرب بعصاك الحجر﴾. وكان الحجر خفيفًا مُرَبَّعًا، فضربه، ﴿فانفجرت منه﴾ من الحجر ﴿اثنتا عشرة عينا﴾، فَرَووا بإذن الله عز وجل، وكانوا اثني عشر سبطًا، لكل سبط من بني إسرائيل عين تجري على حِدَة، لا يخالطهم غيرهم، فذلك قوله سبحانه: ﴿قد علم كل أناس مشربهم﴾، يعني: كل سبط مشربهم. يقول الله عز وجل: ﴿كلوا﴾ من المن والسلوى، ﴿واشربوا﴾ من العيون، وهو من رزق الله حلالًا طيبًا، فذلك قوله سبحانه: ﴿كلوا من طيبات ما رزقناكم﴾ [طه:٨١]... وكان موسى عليه السلام إذا ظَعَنَ حمل الحجر معه، وتنصَبُّ العيون منه، ثم إنهم قالوا: يا موسى، فأين اللباس؟ فجعلت الثياب تطول مع أولادهم، وتبقى على كبارهم، ولا تمزق، ولا تبلى، ولا تدنس، وكان لهم عمود من نور يضيء لهم بالليل إذا ارتحلوا وغاب القمر

سورة الحشر — الآية ١٩

عن نعيم بن محمد الرَّحبيّ، قال: كان في خطبة أبي بكر الصديق: واعلموا أنكم تَغدُون وترُوحون في أجلٍ قد غُيِّب عنكم علمه، فإن استطعتم أن ينقضي الأجل وأنتم على حَذر فافعلوا، ولن تستطيعوا ذلك إلا بالله، وإنّ أقوامًا جعلوا أعمالهم لغيرهم، فنهاكم الله أن تكونوا أمثالهم، فقال: ﴿ولا تَكُونُوا كالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنْساهُمْ أنْفُسَهُمْ أُولَئِكَ هُمُ الفاسِقُونَ﴾ أين مَن كنتم تعرفون مِن إخوانكم؟! قد انتهتْ عنهم أعمالُهم، وورَدوا على ما قَدَّموا، أين الجبّارون الأوّلون الذين بَنَوا المدائن وحصّنوها بالحوائط؟! قد صاروا تحت الصّخر والآكام، هذا كتاب الله لا تَفنى عجائبه، ولا يُطفَأ نوره، استضيئوا منه ليوم الظّلمة، واستنصِحوا كتابه وتِبْيانه، فإنّ الله قد أثنى على قوم فقال: ﴿إنَّهُمْ كانُوا يُسارِعُونَ فِي الخَيْراتِ ويَدْعُونَنا رَغَبًا ورَهَبًا وكانُوا لَنا خاشِعِينَ﴾ [الأنبياء:٩٠]. لا خير في قولٍ لا يُبتغى به وجه الله، ولا خير في مالٍ لا يُنفقُ في سبيل الله، ولا خير فيمن يَغلب غضبُه حِلمَه، ولا خير في رجل يخاف في الله لومة لائم

سورة البقرة — الآية ٢٢٧

عن محمد بن مَعْن، قال: أتَت امرأةٌ إلى عمر بن الخطاب، فقالت: يا أمير المؤمنين، إنّ زوجي يصوم النهار، ويقوم الليل، وأنا أكره أن أشكوه إليك وهو يقوم بطاعة الله. فقال لها: جزاك الله خيرًا من مُثْنِيَةٍ على زوجها. فجعلت تُكَرِّر عليه القول، وهو يُكَرِّر عليها الجواب، وكان كعب بن سُور الأَسْدِيُّ حاضرًا، فقال له: اقضِ -يا أمير المؤمنين- بينها وبين زوجها. فقال: وهل فيما ذَكَرَتْ قضاءٌ؟ فقال: إنّها تشكو مُباعَدَة زوجها لها عن فراشها، وتطلب حقها في ذلك. فقال له عمر: أما لِأَن فهمتَ ذلك فاقضِ بينهما. فقال كعب: عَلَيَّ بزوجها. فأُحضِر، فقال: إنّ امرأتك تشكوك. فقال: أقصّرتُ في شيء من نفقتها؟ قال: لا. فقالت المرأة: يا أيها القاضي الحليمُ رُشْدُهْ ألْهى خليلِي عن فِراشي مسجِدُهْ نهــاره وليله ما يَرْقُدُه فلست في حكم النساء أحمَدُهُ زهَّدَهُ في مَضْجَعِي تعبّدُهْ فاقْضِ القضا يا كعب لا تُردِّدُهُ فقال زوجها: زهَّدني في فَرْشِها وفي الحَجَلْ أنِّي امرؤ أزهدني ما قد نزل في سورة النحل وفي السبع الطُّوَل وفي كتاب الله تخويف جَلَل فقال كعب: إن خير القاضيَين من عَدَل وقضى بالحق جهرًا وفَصَلْ إنّ لها حقًّا عليك يا رجل تصيبها في أربع لمن عَقَلْ قضية من ربها عز وجل فأعطها ذاك ودع عنك العِلَلْ ثم قال: إنّ الله قد أباح لك النساء أربعًا، فلك ثلاثة أيام ولياليها تعبد فيها ربَّك، ولها يوم وليلة. فقال عمر: واللهِ، ما أدري من أيِّ أمرَيْك أعجب؛ أمِن فهمك أمرَهما، أم من حكمك بينهما؟! اذهب فقد ولَّيْتُك قضاء البصرة

سورة التوبة — الآية ١

قال مقاتل بن سليمان: لَمّا نزلت براءةُ بَعَثَ النبيُّ ﷺ أبا بكر الصديق على حَجِّ الناس، وبعث معه ببراءة مِن أول السورة إلى تسع آيات. فنزل جبريل، فقال: يا محمد، إنّه لا يُؤَدِّي عنك إلا رجل منك. ثم أتبعه عليَّ بن أبي طالب، فأدركه بذي الحُلَيْفَة على ناقة رسول الله ﷺ، فأخذها منه، ثم رجع أبو بكر إلى النبي ﷺ، فقال له: بأبي أنت وأمي، هل أنزل الله فِيَّ مِن شيء؟ قال: «لا، ولكن لا يُبَلِّغ عني إلّا رجلٌ مِنِّي، أما ترضى -يا أبا بكر- أنّك صاحبي في الغار، وأنّك أخي في الإسلام، وأنّك تَرِدُ عَلَيَّ الحوض يوم القيامة؟». قال: بلى، يا رسول الله. فمضى أبو بكر على الناس، ومضى عليٌّ ببراءة من أول السورة إلى تسع آيات، فقام عليٌّ يومَ النحر بمنًى فقرأها على الناس. ﴿بَراءَةٌ مِنَ اللَّهِ ورَسُولِهِ﴾ من العهد غير أربعة أشهر، ﴿إلى الَّذِينَ عاهَدْتُمْ مِنَ المُشْرِكِينَ﴾ نزلت في ثلاثة أحياء من العرب، منهم: خزاعة، ومنهم هلال بن عويمر، وفي مدلج منهم سراقة بن مالك بن [جُشْعُم] الكناني، وفي بني خزيمة بن عامر، وهما حيّان من كنانة، كان النبي ﷺ عاهدهم بالحديبية سنتين، صالح عليهم المخش بن خويلد بن عمارة بن المخش، فجعل الله عز وجل للذين كانوا في العهد أجلهم أربعة أشهر من يوم النحر إلى عشر من ربيع الآخر، ﴿فَسِيحُوا فِي الأَرْضِ﴾ يقول: سيروا في الأرض ﴿أرْبَعَةَ أشْهُرٍ﴾ آمِنين حيثُ شِئتُم، ... ثم جعل مَن لا عهد له أجلُه خمسين يومًا من يوم النحر إلى انسلاخ الـمُحَرَّم

سورة النجم — الآية ٢٠

عن يونس بن محمد بن فضالة الظفري، عن أبيه، وكثير بن زيد، عن المُطَّلِب بن عبد الله بن حَنطَب، قالا: رأى رسولُ الله ﷺ من قومه كفًّا عنه، فجلس خاليًا، فتمنّى، فقال: «ليتَه لا ينزل عليّ شيء ينفّرهم عَنِّي». وقارب رسول الله ﷺ قومه، ودنا منهم، ودَنَوا منه، فجلس يومًا مجلسًا في نادٍ مِن تلك الأندية حول الكعبة، فقرأ عليهم: ﴿والنجم إذا هوى﴾ حتى إذا بلغ: ﴿أفرأيتم اللات والعزى ومناة الثالثة الأخرى﴾ ألقى الشيطان كلمتين على لسانه: تلك الغَرانيق العُلا، وإنّ شفاعتهنّ لتُرتجى. فتكلم رسول الله ﷺ بهما، ثم مضى فقرأ السورة كلّها، وسجد، وسجد القوم جميعًا، ورفع الوليد بن المغيرة ترابًا إلى جبهته، فسجد عليه، وكان شيخًا كبيرًا لا يقدر على السجود، ويقال: إنّ أبا أُحيحة سعيد بن العاص أخذ ترابًا، فسجد عليه، رفعه إلى جبهته، وكان شيخًا كبيرًا، فبعض الناس يقول: إنما الذي رفع التراب الوليد. وبعضهم يقول: أبو أُحيحة. وبعضهم يقول: كلاهما جميعًا فعل ذلك. فرضُوا بما تكلّم به رسول الله ﷺ، وقالوا: قد عرفنا أنّ الله يُحيي ويُميت ويخلُق ويرزُق، ولكن آلهتنا هذه تشفع لنا عنده، وأمّا إذ جعلتَ لها نصيبًا فنحن معك. فكبُر ذلك على رسول الله ﷺ من قولهم، حتى جلس في البيت، فلما أمسى أتاه جبريل عليه السلام، فعرض عليه السورة، فقال جبريل: ما جئتُك بهاتين الكلمتين. فقال رسول الله ﷺ: «قلتُ على الله ما لم يقل!». فأوحى الله إليه: ﴿وإن كادوا ليفتنونك عن الذي أوحينا إليك لتفتري علينا غيره وإذًا لاتخذوك خليلًا﴾ إلى قوله: ﴿ثم لا تجد لك علينا نصيرًا﴾ [الإسراء:٧٣-٧٥]

سورة البقرة — الآية ١

عن ابن جُرَيْج -من طريق محمد بن ثور- قال: إنّ اليهود كانوا يَجِدون محمدًا وأمته: أنّ محمدًا مبعوث. ولا يدرون ما مُدَّة أُمَّة محمد، فلمّا بعث اللهمحمدًا - ﷺ -، وأنزل ﴿الم﴾؛ قالوا: قد كُنّا نعلم أن هذه الأمة مبعوثة، وكنا لا ندري كم مدتها، فإن كان محمد صادقًا فهو نبي هذه الأمة، قد بُيّن لنا كم مدة محمد -لأن ﴿الم﴾ في حساب جُمَّلِهم إحدى وسبعون سنة-، فما نصنع بدين إنما هو واحد وسبعون سنة؟! فلمّا نزلت ﴿الر﴾ -وكانت في حساب جُمَّلهم مائتي سنة وإحدى وثلاثين سنة-، فقالوا: هذه الآن مائتان وإحدى وثلاثون سنة، وواحدة وسبعون. قيل: ثم أُنزل ﴿المر﴾ -فكان في حساب جُمَّلِهم مائتي سنة وإحدى وسبعين سنة- في نحو هذا من صدور السور. فقالوا: قد التبس علينا أمرُه

سورة البقرة — الآية ٢٨٤

عن سعيد بن مرجانة: أنّه بينما هو جالس مع ابن عمر تلا هذه الآية: ﴿وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أوْ تُخْفُوهُ﴾ الآية. قال: واللهِ، لَئِن واخذنا الله بهذا لنهلكن. ثم بكى حتى سُمِع نَشِيجُه، قال ابن مرجانة: فقمتُ حتى أتيتُ ابن عباس، فذكرت له ما قال ابن عمر، وما فعل حين تلاها، فقال ابن عباس: يغفرُ اللهُ لأبي عبد الرحمن، لَعَمْرِي لقد وجد المسلمون منها حين أُنزلت مثل ما وجد عبد الله بن عمر؛ فأنزل الله بعدها: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ إلى آخر السورة. قال ابن عباس: فكانت هذه الوسوسة مما لا طاقة للمسلمين بها، وصار الأمر إلى أن قضى الله أنّ للنفس ما كسبت، وعليها ما اكتسبت من القول والعمل

سورة العلق — الآية ٩

عن العباس بن عبد المُطَّلب، قال: كنت يومًا في المسجد، فأقبل أبو جهل، فقال: إنّ لله عليّ إن رأيتُ محمدًا ساجدًا لَأطأنّ على رقبته. فخرجتُ على رسول الله ﷺ حتى دخلتُ عليه، فأخبرتُه بقول أبي جهل، فخرج غضبان حتى جاء المسجد، فعجل أن يدخل مِن الباب، فاقتحم الحائط، فقلتُ: هذا يوم شرٍّ. فأْتَزَرْتُ، ثم تبعتُه، فدخل رسول الله ﷺ يقرأ: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾، فلما بلغ شأن أبي جهل: ﴿كَلّا إنَّ الإنْسانَ لَيَطْغى﴾ قال إنسان لأبي جهل: يا أبا الحكم، هذا محمد. فقال: ألا ترون ما أرى؟! واللهِ، لقد سُدّ أُفُق السماء عليَّ. فلما بلغ رسول الله ﷺ آخر السورة سجد

عن حمزة بن يوسف بن عبد الله بن سلام، أنّ عبد الله بن سلام قال لأحبار اليهود: إني أردتُ أنْ أُحدث بمسجد أبينا إبراهيم عهدًا. فانطلق إلى رسول الله ﷺ وهو بمكة، فوافاه بمِنى والناس حوله، فقام مع الناس، فلما نظر إليه رسول الله ﷺ قال له: «أنتَ عبد الله بن سلام؟». قال: نعم. قال: «ادْنُ». فدنا منه، فقال: «أنشدك بالله، أما تجدني في التوراة رسول الله؟». فقال له: انعتْ لنا ربّك. فجاء جبريل، فقال: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أحَدٌ﴾ إلى آخر السورة، فقرأها رسول الله ﷺ، فقال ابن سلام: أشهد أن لا إله إلا الله، وأنك رسول الله. ثم انصرف إلى المدينة، وكتم إسلامه

قال ابنُ كثير (٣‏/‏٣٦٧): «هذه الآية الكريمة، والتي بعدها، والآية التي هي خاتمة هذه السورة؛ هُنَّ آياتُ علم الفرائض، وهو مستنبط مِن هذه الآيات الثلاث، ومِن الأحاديث الواردة في ذلك مما هو كالتفسير لذلك». وقال أيضًا (٣‏/‏٣٧١ بتصرف): «وقد استنبط بعضُ الأذكياء مِن هذه الآية: أنّه تعالى أرحمُ بخلقه من الوالدة بولدها، حيث أوصى الوالدين بأولادهم، فعُلِم أنّه أرحم بهم منهم، كما جاء في الحديث الصحيح وقد رأى امرأةً مِن السبي فُرِّق بينها وبين ولدها، فجعلت تدور على ولدها، فلما وجدته مِن السبي أخذته فألصقته بصدرها وأرضعته، فقال رسول الله ﷺ لأصحابه: «أترون هذه طارِحَةً ولدَها في النار وهي تقدِرُ على ذلك؟». قالوا: لا، يا رسول الله. قال: «فواللهِ، لَلهُ أرحمُ بعباده مِن هذه بولدها»»