رجَّح ابنُ كثير (٦‏/‏٢٢٦) مستندًا إلى النظائر قول السدي، ووصفه بأنّه أقوى وأظهر، وقال: «لأنّه قال: ﴿فَمَن أظْلَمُ مِمَّنْ كَذَّبَ بِآياتِ اللَّهِ وصَدَفَ عَنْها﴾ كما تقدم في أول السورة: ﴿وهُمْ يَنْهَوْنَ عَنْهُ ويَنْأَوْنَ عَنْهُ وإنْ يُهْلِكُونَ إلا أنْفُسَهُمْ﴾ [الأنعام:٢٦]، وقال تعالى: ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا وصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ زِدْناهُمْ عَذابًا فَوْقَ العَذابِ﴾ [النحل:٨٨]، وقال في هذه الآية الكريمة: ﴿سَنَجْزِي الَّذِينَ يَصْدِفُونَ عَنْ آياتِنا سُوءَ العَذابِ بِما كانُوا يَصْدِفُونَ﴾». ووجَّه قول ابن عباس، ومجاهد، وقتادة، بأن مرادهم: «أي: لا آمن بها ولا عمل بها، كقوله تعالى: ﴿فَلا صَدَّقَ ولا صَلّى * ولَكِنْ كَذَّبَ وتَوَلّى﴾ [القيامة:٣١-٣٢]، ونحو ذلك من الآيات الدالة على اشتمال الكافر على التكذيب بقلبه، وترك العمل بجوارحه»

ذكر ابنُ عطية (٧‏/‏٩) في معنى قوله تعالى: ﴿وعْدَ اللَّهِ لا يُخْلِفُ اللَّهُ وعْدَهُ ولَكِنَّ أكْثَرَ النّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾: أنّ الكُفّار من قريش والعرب لا يعلمون أنّ الأمور مِن عند الله -تبارك وتعالى-، وأن وعْده لا يتخلَّف، وأن ما يورده نبيه -عليه الصلاة والسلام- حقٌّ. ورجَّح هذا المعنى قائلًا: «وهذا الذي ذكرناه هو عمدة ما قيل». ثم انتقد مستندًا إلى الإجماع ما حكاه ابنُ جرير من روايات للنزول تفيد مدنية الآية، فقال: «وقد حكى الطبريُّ وغيرُه روايات يردُّها النظر أوَّل قول، من ذلك أن بعضهم قال: إنما نزلت ﴿وعْدَ اللَّهِ لا يُخْلِفُ اللَّهُ وعْدَهُ﴾ بعد غلبة الروم لفارس ووصول الخبر بذلك. فهذا يقتضي أن الآية مدنية، والسورة كلها مكية بإجماع، ونحو هذا من الأقوال»

سورة النساء — الآية ٤٣

عن شَقِيق، قال: كنتُ مع عبد الله بن مسعود وأبي موسى الأشعري، فقال أبو موسى: يا أبا عبد الرحمن، أرأيتَ رجلًا أجْنَبَ، فلم يجد الماء شهرًا، أيَتَيَّمم؟ فقال عبد الله: لا يتَيَمَّم، وإن لم يجد الماءَ شهرًا. فقال أبو موسى: فكيف تصنعون بهذه الآية في سورة المائدة: ﴿فتيمموا صعيدا طيبا﴾؟! فقال عبد الله: إن رُخِّص لهم في هذا لَأَوْشَكُوا إذا بَرَد عليهم الماءُ أن يَتَيَمَّموا بالصعيد. فقال له أبو موسى: إنّما كرهتم هذا لهذا؟ قال: نعم. قال أبو موسى: ألم تسمع قول عمار لعمر: بعثني رسول الله ﷺ في حاجةٍ، فأجنبتُ، فلم أجد الماءَ، فتمرَّغْتُ في الصعيد كما تَمَرَّغُ الدابَّةُ، قال: فذكرتُ ذلك للنبي ﷺ، فقال: «إنما يكفيك أن تصنع هكذا». وضرب بكفيه ضربة واحدة، ومسح بهما وجهه، ومسح كفيه؟ قال عبد الله: ألم تر عمر لم يقنع لقول عمار

سورة النساء — الآية ٢٨

عن عبد الله بن عباس -من طريق قتادة- قال: ثماني آيات نزلت في سورة النساء هُنَّ خيرٌ لهذه الأمة مما طلعت عليه الشمس وغربت: أولهن: ﴿يريد الله ليبين لكم ويهديكم سنن الذين من قبلكم ويتوب عليكم والله عليم حكيم﴾. والثانية: ﴿والله يريد أن يتوب عليكم ويريد الذين يتبعون الشهوات أن تميلوا ميلا عظيما﴾. والثالثة: ﴿يريد الله أن يخفف عنكم وخلق الإنسان ضعيفا﴾. والرابعة: ﴿إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه نكفر عنكم سيئاتكم وندخلكم مدخلا كريما (٣١)﴾. والخامسة: ﴿إن الله لا يظلم مثقال ذرة﴾ الآية [٤٠]. والسادسة: ﴿ومن يعمل سوءا أو يظلم نفسه ثم يستغفر الله﴾ الآية [١١٠]. والسابعة: ﴿إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك﴾ الآية [٤٨]. والثامنة:﴿والذين آمنوا بالله ورسله ولم يفرقوا بين أحد منهم أولئك سوف يؤتيهم أجورهم وكان الله﴾ للذين عملوا الذنوب ﴿غفورا رحيما (١٥٢)﴾

سورة التوبة — الآية ٢٦

عن مصعب بن شيبة بن عثمان الحَجَبي، عن أبيه، قال: خرجتُ مع النَّبِيّ ﷺ يوم حُنين، واللهِ، ما خرجتُ إسلامًا، ولَكِنِّي خرجتُ أنَفًا أن تَظهَرَ هَوازِنُ على قريش، فواللهِ، إنِّي لَواقِفٌ مع رسول الله ﷺ إذ قلتُ: يا نبيَّ الله، إنِّي لأَرى خَيْلًا بُلْقًا. قال: «يا شيبةُ، إنّه لا يراها إلا كافر». فضرب بيده صَدْري، فقال: «اللَّهُمَّ، اهدِ شَيْبَةَ». ففعَل ذلك ثلاثًا، فما رفَع النبيُّ ﷺ يَدَه عن صَدْري الثالثة حتى ما أحدٌ مِن خلق الله أحبَّ إلَيَّ منه. فقال: فالتقى المسلمون، فقُتِل مَن قُتِل، ثم أقبَل النَّبِيُّ ﷺ وعمرُ آخِذٌ باللِّجام، والعباسُ آخِذٌ بالثَّفَرِ، فنادى العباسُ: أين المهاجرون؟ أين أصحابُ سورة البقرة؟ -بصوتٍ عالٍ- هذا رسول الله ﷺ. فأقبَل الناسُ والنبيُّ ﷺ يقول: «أنا النَّبِيُّ غيرَ كَذِبٍ، أنا ابنُ عبد المطلب». فأقبَل المسلمون فاصْطَكُّوا بالسيوف، فقال النبيُّ ﷺ: «الآنَ حمِيَ الوَطِيسُ»

سورة النجم — الآية ١٤

قال مقاتل بن سليمان: ﴿عِنْدَ سِدْرَةِ المُنْتَهى﴾ أغصانها اللؤلؤ والياقوت والزَّبَرْجد، وهي شجرة عن يمين العرش فوق السماء السابعة العليا... وإنما سُمّيت: المنتهى؛ لأنها ينتهي إليها عِلْمُ كلِّ مَلك مخلوق، ولا يعلم ما وراءها أحدٌ إلا الله عز وجل، كلّ ورقة منها تُظِلُّ أُمّةً مِن الأمم، على كلّ ورقة منها مَلَك يذكرُ الله عز وجل، ولو أنّ ورقة منها وُضِعَت في الأرض لأضاءت لأهل الأرض نورًا، تحمل لهم الحُلل والثمار من جميع الألوان، ولو أنّ رجلًا ركب حِقَّةً فطاف على ساقها ما بلغ المكان الذي ركب منه حتى يقتله الهَرَم، وهي طوبى التي ذكر الله تعالى في كتابه: ﴿طُوبى لَهُمْ وحُسْنُ مَآبٍ﴾ [الرعد:٢٩]، ينبع مِن ساق السّدرة عينان؛ أحدهما السلسبيل، والأخرى الكوثر، فينفجر من الكوثر أربعة أنهار، التي ذكر الله تعالى في سورة محمد ﷺ؛ الماء، واللبن، والعسل، والخمر

عن أُبيّ بن كعب، أنّ رسول الله ﷺ قال: «يا أُبيّ، إني أُمرتُ أنْ أُقرئك سورة». فأقرأنيها: (ما كانَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن أهْلِ الكِتابِ والمُشْرِكِينَ مُنفَكِّينَ حَتّى تَأْتِيَهُمُ البَيِّنَةُ * رَسُولٌ مِّنَ اللهِ يَتْلُو صُحُفًا مُّطَهَّرَةً * فِيها كُتُبٌ قَيِّمَةٌ، أيْ لا ذات اليَهُودِيَّةِ والنَّصْرانِيَّةِ، إنَّ أقْوَمَ الدِّينِ الحَنِيفِيَّةُ مُسْلِمَةٌ غَيْرُ مُشْرِكَةٍ ومَن يَعْمَلْ صالِحًا فَلَن يُكْفَرَهُ، وما اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ إلّا مِن بَعْدِ ما جاءَتْهُمُ البَيِّنَةُ، إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وصَدُّوا عَن سَبِيلِ اللهِ وفارَقُوا الكِتابَ لَمّا جَآءَهُمْ أُولَئِكَ عِندَ اللهِ شَرُّ البَرِيَّةِ، ما كانَ النّاسُ إلّا أُمَّةً واحِدَةً ثُمَّ أرْسَلَ اللهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ ومُنذِرِينَ يَأْمُرُونَ النّاسَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ ويُؤْتُونَ الزَّكاةَ، ويَعْبُدُونَ اللهَ وحْدَهُ، أُولَئِكَ عِند اللهِ هُمْ خَيْرُ البَرِيَّةِ، جَزَآؤُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ جَنّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأَنْهارُ خالِدِينَ فِيهَآ أبَدًا رضي الله عنهم ورَضُوا عَنْهُ ذَلِكَ لِمَن خَشِيَ رَبَّهُ)

سورة الأعراف — الآية ١٧٢

عن أُبَيِّ بن كعب -من طريق أبي العالية- في قوله: ﴿وإذْ أخَذَ رَبُّك مِن بَنِي آدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيّاتِهمْ﴾ إلى قوله: ﴿بما فعل المبطلون﴾، قال: جمَعهم جميعًا، فجعَلهم أرواحًا في صُوَرِهم، ثم استَنطَقهم، فتكلَّموا، ثم أخَذ عليهم العهد والميثاق، وأشهدهم على أنفسِهم: ألستُ بربِّكم؟ قالوا: بلى. قال: فإنِّي أُشْهِدُ عليكم السماوات السبع، وأُشْهِدُ عليكم أباكم آدم؛ أن تقولوا يوم القيامة: إنّا لم نعْلَم بهذا. اعلَموا أنّه لا إله غيري، ولا ربَّ غيري، ولا تُشركوا بي شيئًا، إني سأُرْسِلُ إليكم رسلي يُذكِّرونكم عهدي وميثاقي، وأُنزِلُ عليكم كتبي. قالوا: شَهِدْنا بأنّك ربُّنا وإلهُنا، لا ربَّ لنا غيرُك، ولا إلهَ لنا غيرُك. فأقَرُّوا، ورُفِع عليهم آدم ينظُرُ إليهم، فرأى الغني والفقير، وحسنَ الصورة ودونَ ذلك، فقال: يا ربِّ، لولا سوَّيْتَ بينَ عبادِك؟ قال: إني أحبَبْتُ أن أُشْكَر. ورأى الأنبياءَ فيهم مثلَ السُّرُج، عليهم النور، وخُصُّوا بميثاقٍ آخر في الرسالة والنبوة أن يُبلِّغوا، وهو قوله: ﴿وإذ أخذنا من النبيين ميثاقهم﴾ الآية [الأحزاب:٧]. وهو قوله: ﴿فطرت الله التي فطر الناس عليها﴾ [الروم:٣٠]. وفي ذلك قال: ﴿وما وجدنا لأكثرهم من عهد وإن وجدنا أكثرهم لفاسقين﴾ [الأعراف:١٠٢]. وفي ذلك قال: ﴿فما كانوا ليؤمنوا بما كذبوا به من قبل﴾ [يونس:٧٤]. قال: فكان في علم الله يومئذٍ مَن يُكذِّبُ به، ومَن يُصَدِّقُ به

سورة البقرة — الآية ٣٠

عن عبد الله بن عباس -من طريق أبي رَوْق، عن الضحاك- قال: كان إبليس من حَيٍّ من أحياء الملائكة يقال لهم: الجن، خُلِقوا من نار السموم من بين الملائكة. قال: وكان اسمه الحارث. قال: وكان خازنًا من خُزّان الجنة. قال: وخُلِقَت الملائكة كلهم من نورٍ غير هذا الحي. قال: وخلقت الجن الذين ذكروا في القرآن من مارِج من نار -وهو لسان النار الذي يكون في طرفها إذا أُلهِبَت-. قال: وخُلِق الإنسان من طين، فأول من سكن الأرضَ الجنُّ، فأفسدوا فيها، وسفكوا الدماء، وقتل بعضهم بعضًا. قال: فبعث الله إليهم إبليسَ في جُندٍ من الملائكة -وهم هذا الحي الذين يقال لهم: الجن-، فقتلهم إبليس ومَن معه، حتى ألحقهم بجزائر البحور وأطراف الجبال، فلما فعل إبليس ذلك اغْتَرَّ في نفسه، وقال: قد صنعت شيئًا لم يصنعْه أحد. قال: فاطَّلع الله على ذلك من قلبه، ولم تطَّلع عليه الملائكة الذين كانوا معه، فقال الله للملائكة الذين معه: ﴿إني جاعل في الأرض خليفة﴾. فقالت الملائكة مجيبين له: ﴿أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء﴾، كما أفسدت الجن، وسفكت الدماء، وإنما بعثتنا عليهم لذلك

سورة الأعراف — الآية ١٥٠

عن كعب الأحبار، قال: لَمّا أراد الله أن يكتب لموسى التوراة قال لجبريل: ادخل الجنَّةَ، فائْتِنِي بلوحين من شجرة الجنة. فدخل جبريل الجنةَ، فاستقبلته شجرةٌ من شجر الجنة من ياقوت الجنة، فقطع منها لوحين، فتابعته على ما أمره الرحمن -تبارك وتعالى-، فأتى بهما الرحمنَ، فأخذهما بيده، فعاد اللوحان نورًا لَمّا مسَّهما الرحمنُ -تبارك وتعالى-، وتحت العرش نهرٌ يجري من نور لا يدري حَمَلَةُ العرش أين يجيءُ، ولا أين يذهب منذُ خلق اللهُ الخلقَ، فلَمّا استمدَّ منه الرحمنُ جَفَّ فلم يَجْرِ، فلمّا كتب لموسى التوراةَ بيده ناول اللوحين موسى، فلمّا أخذهما موسى عادا حِجارةً، فلمّا رجع إلى بني إسرائيل وإلى هارون وهو مُغْضَبٌ أخذ بلحيته ورأسه يَجُرُّه إليه، فقال له هارون: يا ابن أمِّ، إنّ القوم استضعفوني، وكادوا يقتلونني، ومع ذلك إنِّي خفت أن آتيك، فتقول: فرَّقت بين بني إسرائيل ولم تنتظر قولي. فاستغفر موسى ربَّه -تبارك وتعالى-، واستغفر لأخيه، وقد تكسَّرت الألواحُ لَمّا ألقاها من يده