اختُلِف في تأويل قوله تعالى: ﴿والمرسلات عُرْفًا﴾ على أربعة أقوال: الأول: أنها الملائكة تُرسَل مُتتابعة بالمعروف. وهو قول أبي هريرة، وابن مسعود، ومسروق، وأبي صالح في رواية عنه. وتأويل الكلام على ذلك: والملائكة التي أُرسلتْ بأمر الله ونهيه، وذلك هو العُرْف. والثاني: أنهم الرُّسُل يُرسَلون بما يُعرفون به من المعجزات، إفضالًا من الله على عباده ببعثتهم. وهو قول أبي صالح. والثالث: أنها الرياح تُرسَل بما عرفها الله تعالى. وهو قول لابن مسعود، وابن عباس، ومجاهد، وقتادة. والرابع: أنها السحب لما فيها من نعمة ونقمة عارفة بما أُرسلتْ فيه، ومَن أُرسلتْ إليه. وذَهَبَ ابنُ جرير (٢٣‏/‏٥٧٣) إلى العموم، فقال: «الصواب من القول في ذلك عندنا أن يُقال: إنّ الله -تعالى ذِكْره- أقسم بالمرسلات عُرْفًا، وقد تُرسل عُرفًا الملائكة، وتُرسَل كذلك الرياح، ولا دلالة تدل على أنّ المعنيّ بذلك أحد الجنسين دون الآخر، وقد عمّ -جلّ ثناؤه- بإقسامه بكلّ ما كانت صفته ما وصف، فكلّ مَن كان صفته كذلك، فداخلٌ في قسَمه ذلك، مَلكًا أو ريحًا أو رسولًا من بني آدم مرسلًا». وذَهَبَ ابنُ كثير (١٤‏/‏٢٢٠) إلى القول الثالث استنادًا إلى النظائر، فقال: «الأظهر أنّ المرسلات هي الرياح كما قال تعالى: ﴿وأرسلنا الرياح لواقح﴾ [الحجر:٢٢]، وقال تعالى: ﴿وهو الذي يرسل الرياح بشرا بين يدي رحمته﴾ [الأعراف:٥٧]». وانتقد ابنُ القيم (٣‏/‏٢٤٣) القول الثاني لمخالفته النظائر، والسياق، والأفصح لغة، فقال: «الإرسال المُقسم به هاهنا مُقيّد بالعُرف؛ فإما أن يكون ضد المنكر فهو إرسال رُسله من الملائكة، ولا يَدخل في ذلك إرسال الرياح ولا الصواعق ولا الشياطين، وأما إرسال الأنبياء فلو أُريد لقال:»والمرسلين«، وليس بالفصيح تسمية الأنبياء»مرسلات«، وتكلّف الجماعات المرسلات خلاف المعهود من استعمال اللفظ، فلم يُطلق في القرآن جمع ذلك إلا جمع تذكير لا جمع تأنيث، وأيضًا فاقتران اللفظة بما بعدها من الأقسام لا يناسب تفسيرها بالأنبياء، وأيضًا فإنّ الرُّسُل مُقسمٌ عليهم في القرآن لا مُقسمٌ بهم، كقوله: ﴿تاللَّهِ لَقَدْ أرْسَلْنا إلى أُمَمٍ مِن قَبْلِكَ﴾ [النحل:٦٣]، وقوله: ﴿وإنَّكَ لَمِنَ المُرْسَلِينَ﴾ [البقرة:٢٥٢]، وقوله: ﴿يس والقُرْآنِ الحَكِيمِ إنَّكَ لَمِنَ المُرْسَلِينَ﴾ [يس:١-٣]». وذكر ابنُ عطية (٨‏/‏٥٠٢) احتمالين آخرين في معنى: ﴿عُرْفًا﴾ على القول بأنّ ﴿والمرسلات﴾: الرياح: الأول: «أن يكون ﴿عُرْفًا﴾ بمعنى: ﴿والمرسلات﴾ الرياح التي يعرفها الناس ويعهدونها، ثم عقَّب بذكر الصنف المستنكر الضارِّ وهي العاصفات». والثاني: «أن يريد بالعُرف مع الرياح: التتابع كعُرف الفرس ونحوه، وتقول العرب: هبَّ عُرف من ريح». وعلَّق بقوله: «والقول في العُرف مع أنّ المُرْسَلات هي الرياح يطَّرد على أنّ المُرْسَلاتِ هي السحاب»

سورة التوبة — الآية ١٢٠

عن عليٍّ: أنّ النبيَّ ﷺ أراد أن يغزو، فدعا جعفرًا، فأمره أن يتخلَّف على المدينة، فقال: لا أتخلَّف بعدَك أبدًا. فأرسل رسولُ الله ﷺ فدعاني، فعزم عَلَيَّ لَما تَخَلَّفْتُ قبل أن أتَكَلَّم، فبَكَيْتُ، فقال رسول الله ﷺ: «ما يُبكيك؟». قلت: يبكيني خصال غير واحدة؛ تقول قريش غدًا: ما أسرع ما تَخَلَّف عن ابنِ عمِّه وخَذَله، وتبكيني خصلة أخرى، كنت أريد أن أتَعَرَّض للجهاد في سبيل الله؛ لأنّ الله عز وجل يقول: ﴿ولا يَطَئُونَ مَوْطِئًا يَغِيظُ الكُفّارَ ولا يَنالُونَ مِن عَدُوٍّ نَيْلًا إلّا كُتِبَ لَهُمْ بِهِ عَمَلٌ صالِحٌ إنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أجْرَ المُحْسِنِينَ﴾، فكنت أريدُ أن أتَعَرَّض للأجر، وتبكيني خصلة أخرى، كنت أريد أن أتَعَرَّض لفضل الله. فقال رسول الله ﷺ: «أمّا قولك: تقول قريش: ما أسرع ما تخَلَّف عن ابن عمِّه وخذله. فإنّ لك فِيَّ أسوة، قد قالوا لي: ساحِر، وكاهن، وكذّاب. وأمّا قولك: أتعرض للأجر مِن الله. أما ترضى أن تكون مِنِّي بمنزلة هارون من موسى، إلا أنّه لا نبيَّ بعدي. وأما قولك: أتعرَّض لفضل الله، فهذان بهاران من فلفل جاءنا من اليمن، فبِعْهُ، واستمتع به أنت وفاطمة حتى يأتيكما الله من فضله»

سورة المائدة — الآية ٥٥

عن عبد الله بن عباس -من طريق الكلبي، عن أبي صالح- قال: أتى عبد الله بن سلام ورهطٌ معه من أهل الكتاب نبي الله ﷺ عند الظهر، فقالوا: يا رسول الله، إنّ بيوتَنا قاصيةٌ، لا نجدُ أحدًا يُجالِسُنا ويُخالِطُنا دونَ هذا المسجد، وإنّ قومنا لما رَأَوْنا قد صَدَّقْنا اللهَ ورسوله وتركْنا دينَهم أظهَروا العداوةَ، وأقسموا ألّا يُخالِطونا، ولا يؤاكلونا، فشقَّ ذلك علينا. فبينا هم يشكُون ذلك إلى رسول الله ﷺ إذ نزَلت هذه الآية على رسول الله ﷺ: ﴿إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم راكعون﴾. ونوديَ بالصلاة؛ صلاة الظهر، وخرج رسول الله ﷺ إلى المسجد، والناس يصلُّون بين راكع وساجد وقائم وقاعد، فإذا مسكينٌ يسأل، فدخل رسول الله ﷺ، فقال: «أعطاكَ أحدٌ شيئًا؟». قال: نعم. قال: «مَن؟». قال: ذاك الرجلُ القائم. قال: «على أيِّ حالٍ أعطاكَهُ؟». قال: وهو راكع. قال: وذلك عليُّ بن أبي طالب. فكبَّر رسول الله ﷺ عند ذلك وهو يقول: ﴿ومن يتول الله ورسوله والذين آمنوا فإن حزب الله هم الغالبون﴾

سورة القلم — الآية ١٧

عن عبد الله بن عباس -من طريق الكلبي، عن أبي صالح- في قوله عز وجل: ﴿إنّا بَلَوْناهُمْ كَما بَلَوْنا أصْحابُ الجَنَّةِ﴾، قال: كان بُستانٌ باليمن يقال له: الضَّرَوان، دون صنعاء بفَرسَخيْن، يطؤه أهل الطريق، كان غَرسَه قومٌ مِن أهل الصلاة، وكان لرجل، فمات، فورثه ثلاثة بنين له، وكان يكون للمساكين إذا صَرموا نخلهم كلُّ شيء تَعدّاه المِنجَل فلم يجزُّه، وإذا طُرح من فوق النخل إلى البساط فكلّ شيء يَسقط على البساط فهو أيضًا للمساكين، وإذا حَصدوا زَرْعهم فكلّ شيء تَعدّاه المِنجَل فهو للمساكين، وإذا داسُوه كان لهم كلّ شيء يَنتثر أيضًا، فلمّا مات الأب ووَرثه هؤلاء الإخوة عن أبيهم فقالوا: واللهِ، إنّ المال لَقليل، وإنّ العيال لَكثير، وإنما كان هذا الأمر يفعل إذ كان المال كثيرًا والعيال قليلًا، فأمّا إذا قلَّ المال وكثُر العيال فإنّا لا نستطيع أن نفعل هذا. فتَحالفوا بينهم يومًا لَيَغدُوُّن غدوة قبل خروج الناس، فليصرِمُنَّ نخلهم، ولم يستثنوا، يقول: لم يقولوا: إن شاء الله. فغدا القوم بِسُدْفَة من الليل إلى جنتهم لِيَصرموها قبل أن يَخرج المساكين، فرَأوها مُسوَدَّة، وقد طاف عليها من الليل طائف من العذاب، فأَحرقها، فأصبحت كالصريم

سورة الإنسان — الآية ١١

قال مقاتل بن سليمان: فشَكر الله أمْرهم، فقال: ﴿فَوَقاهُمُ اللَّهُ شَرَّ ذلِكَ اليَوْمِ﴾ يعني: يوم القيامة شرّ جهنم، ﴿ولَقّاهُمْ نَضْرَةً وسُرُورًا﴾ نَضرةً في الوجوه، وسرورًا في القلوب، وذلك أنّ المسلم إذا خَرج من قبره يوم القيامة نَظر أمامه، فإذا هو بإنسان وجهه مثل الشمس يَضحك، طيّب النفس، وعليه ثياب بِيض، وعلى رأسه تاج، فيَنظر إليه حتى يَدنو منه، فيقول: سلام عليك، يا وليّ الله. فيقول: وعليك السلام، مَن أنت يا عبد الله؟ أنت مَلَك من الملائكة؟ فيقول: لا، واللهِ. فيقول: أنتَ نبي من الأنبياء؟ فيقول: لا، والله. فيقول: أنتَ من المُقرّبين؟ فيقول: لا، والله. فيقول: مَن أنتَ؟ فيقول: أنا عملك الصالح، أُبشِّرك بالجنة، والنجاة من النار. فيقول له: يا عبد الله، أبعلمٍ تُبشّرني؟ فيقول: نعم. فيقول: ما تريد مني؟ فيقول له: اركبني. فيقول: يا سبحان الله، ما ينبغي لمثلك أن يُركب عليه. فيقول: بلى، فإني طالما رَكبتك في دار الدنيا، فإنى أسألك بوجه الله إلا ما رَكبتني. فيركبه، فيقول: لا تَخفْ، أنا دليلك إلى الجنة. فيعمّ ذلك الفرح في وجهه حتى يتلألأ، ويُرى النورُ والسرورُ في قلبه، فذلك قوله: ﴿ولَقّاهُمْ نَضْرَةً وسُرُورًا﴾...

رجَّح ابن جرير (٩‏/‏٦٧٧) مستندًا إلى أنّه أظهر معاني الكلام قولَ الربيع، وقتادة، وأنّ المعنى: ثم آتينا موسى الكتاب تمامًا لِنِعَمِنا عنده على الذي أحسن موسى في قيامه بأمرنا ونهينا. وعلَّل ذلك، فقال: «لأنّ ذلك أظهر معانيه في الكلام، وأنّ إيتاء موسى كتابه نعمةٌ من الله عليه، ومِنَّةٌ عظيمةٌ، فأخبر -جلَّ ثناؤه- أنّه أنْعم بذلك عليه لما سَلَف له من صالح عملٍ، وحسن طاعةٍ». ثم انتَقَد (٩‏/‏٦٧٨) قولَ ابن زيد، فقال: «ولو كان التأويل على ما قاله ابنُ زيد كان الكلام: ثم آتينا موسى الكتاب تمامًا على الذي أحسنّا. أو: ثم آتى الله موسى الكتاب تمامًا على الذي أحسن. وفي وصفه -جلَّ ثناؤُه- نفسَه بإيتائه الكتاب، ثم صَرْفِه الخبر بقوله: ﴿أحْسَنَ﴾ إلى غير المُخْبِر عن نفسه، بِقُرْبِ ما بين الخبرين؛ الدليلُ الواضح على أنّ القول غيرُ الذي قاله ابن زيد». وانتقد أيضًا قولَ مجاهد، فقال: «وأمّا ما ذُكِر عن مجاهدٍ من توجيهه ﴿الَّذِي﴾ إلى معنى الجميع، فلا دليل في الكلام يدل على صحة ما قال من ذلك، بل ظاهر الكلام بالذي اخترنا من القول أشْبَه، وإذا تُنُوزِع في تأويل الكلام كان أوْلى معانيه به أغلبه على الظاهر، إلا أن يكون من العقل أو الخبر دليلٌ واضحٌ على أنه معنيٌّ به غير ذلك»

اختُلِف في قراءة ﴿تبلوا﴾؛ فقرأ قوم: ﴿تبلوا﴾. وقرأ آخرون: ﴿تتلوا﴾. وذكر ابنُ جرير (١٢‏/‏١٧٣-١٧٤) أنّ قراءة الباء بمعنى: عند ذلك تُختَبَر كلُّ نفس ما قدمت [كذا أثبتها وصححها الشيخ شاكر ١٥‏/‏٨٠، وفي طبعة التركي: بما قدمت] مِن خير أو شر. وبيَّن أن قراءة التاء اختُلِف في تفسيرها؛ فمنهم مَن فسرها بمعنى: تتبع ما قدَّمته من خير وشر. وفسَّرها آخرون: بالقراءة. وفسرها غيرهم: بالمعاينة. وبنحوه قال ابنُ عطية (٤‏/‏٤٧٧). وكذا ابنُ كثير (٧‏/‏٣٥٩-٣٦٠). ورجَّح ابنُ جرير (١٢‏/‏١٧٤-١٧٥) صِحَّة كِلتا القراءتين مستندًا إلى شهرتهما، واستفاضتهما، فقال: «والصوابُ من القول في ذلك أن يُقال: إنّهما قراءتان مشهورتان، قد قرأ بكلِّ واحدة منهما أئمةٌ مِن القراء، وهما متقاربتا المعنى؛ وذلك أنّ مَن تبع في الآخرة ما أسلف من العمل في الدنيا هُجِم به على مَورده، فيُخبَر هنالك ما أسلف من صالح أو سيِّءٍ في الدنيا، وإنّ مِن خَبَر ما أسلف في الدنيا مِن أعماله في الآخرة فإنما يُخبَر بعد مصيره إلى حيث أحلّه ما قدم في الدنيا من عمله، فهو في كلتا الحالتين مُتَّبِعٌ ما أسلف مِن عمله، مُخْتَبِر له، فبأيتهما قرأ القارِئُ كما وصفنا فمصيبٌ الصوابَ في ذلك»

اختلف السلف في تفسير قوله: ﴿ظهر الفساد في البر والبحر﴾ على أقوال: الأول: أن البر: هو الفيافي. والبحر: القرى والأمصار. الثاني: البر: أهل العمود. والبحر: أهل القرى والريف. الثالث: البر: ظهر الأرض؛ الأمصار وغيرها. والبحر: هو البحر المعروف. وقد رجّح ابنُ جرير (١٨‏/‏٥١٢) مستندًا إلى اللغة قائلًا: «أن الله -تعالى ذِكْرُه- أخبر أنّ الفساد قد ظهر في البر والبحر، والبر عند العرب: الأرض القفار. والبحر بحران: بحر ملح، وبحر عذب، وهما جميعًا عندهم بحر. ولم يخصص -جل ثناؤه- الخبر عن ظهور ذلك في بحر دون بحر، فذلك على ما وقع عليه اسم بحر عذبًا كان أو ملحًا، وإذا كان ذلك كذلك دخل القرى التي على الأنهار والبحار». ورجّح ابنُ عطية (٧‏/‏٣٠-٣١) القول الثالث مستندًا إلى الأشهر لغة، فقال: «وقال الحسن: البر والبحر هما المعروفان المشهوران في اللغة. وهذا القول صحيح». ورجّح ابنُ كثير (١١‏/‏٣٤) مستندًا إلى السنة القول الأول بقوله: «والقول الأول أظهر، وعليه الأكثر، ويؤيده ما ذكره محمد بن إسحاق في السيرة: أن رسول الله ﷺ صالَح ملكَ أيلة، وكتب إليه ببحره، يعني: ببلده»

سورة النساء — الآية ٥٨

عن عبد الله بن عباس -من طريق الكلبي، عن أبي صالح- في قوله: ﴿إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها﴾، قال: لَمّا فتح رسول الله ﷺ مَكَّةَ دعا عثمانَ بن طلحة بن أبي طلحة، فلما أتاه قال: «أرِنِي المفتاحَ». فأتاه به، فلما بسط يده إليه قدم العباس، فقال: يا رسول الله، بأبي أنت وأمي، اجعله لي مع السِّقاية. فكفَّ عثمانُ يدَه، فقال رسول الله ﷺ: «أرني المفتاح، يا عثمان». فبسط يده يعطيه، فقال العباسُ مثلَ كلمته الأولى، فكفَّ عثمانُ يدَه، ثم قال رسول الله ﷺ: «يا عثمان، إن كنت تؤمن بالله واليوم الآخر فهاتني المفتاح». فقال: هاكَ بأمانة الله. فقام، ففتح باب الكعبة، فوجد في الكعبة تمثالَ إبراهيم معه قِداحٌ يَسْتَقْسِمُ بها، فقال رسول الله ﷺ: «ما للمشركين، قاتلهم الله، وما شأن إبراهيم وشأن القِداح؟!». ثم دعا بجَفْنَةٍ فيها ماء، فأخذ ماءً، فغمسه، ثم غمس بها تلك التماثيل، وأخرج مقام إبراهيم، وكان في الكعبة، ثم قال: «يا أيها الناس، هذه القبلة». ثم خرج، فطاف بالبيت، ثم نزل عليه جبريل -فيما ذُكِر لنا- بِرَدِّ المفتاح، فدعا عثمانَ بن طلحة، فأعطاه المفتاح، ثم قال: ﴿إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها﴾ حتى فرغ من الآية

سورة النساء — الآية ١٦٤

عن يحيى بن زكريا، قال: كنتُ عند سفيان بن عيينة، فقال له رجلٌ: إنّا وجدنا خمسة أصناف من الناس قد كفروا، ليسوا منا. قال: مَن هم؟ قال: الجَهْمِيَّة، والقَدَرِيَّة، والمُرْجِئَة، والرّافِضَة، والنصارى. قال: كيف؟ قال: قال الله -تبارك وتعالى-: ﴿وكلم الله موسى تكليما﴾. قالت الجهمية: لا، ليس كما قلتَ، بل خلقتَ كلامًا. قال: فكفروا، وأوردوا على الله عز وجل. وقال الله: ﴿ذوقوا مس سقر إنا كل شيء خلقناه بقدر﴾ [القمر:٤٨-٤٩]. قالت القدرية: لا، ليس كما قلتَ، الشرُّ من الشيطان، وليس مِمّا خلقه. فكفروا، وأوردوا على الله. وقال الله: ﴿أم حسب الذين اجترحوا السيئات أن نجعلهم كالذين آمنوا وعملوا الصالحات سواء محياهم ومماتهم ساء ما يحكمون﴾ [الجاثية:٢١]. قالت المُرجِئة: ليس كما قلت، بل هم سواء. فكفروا، وأوردوا على الله. وقال عليُّ بن أبي طالب: إن خير هذه الأمة بعد نبيها أبو بكر وعمر. قالت الرافضة: لا، ليس كما قلت، بل أنت خيرٌ منهما. قال: فكفروا، وأوردوا عليه. وقال عيسى ابن مريم عليه السلام: أنا عبد الله ورسوله. قالت النصارى: ليس كما قلتَ، بل أنت هو. قال: فكفروا، وأوردوا عليه. قال: سفيان: اكتبوه، اكتبوه