عن محمد بن إسحاق مولى أبي قيس بن مَخرمة، قال: جاء مالك الأَشْجعيّ إلى النبيِّ ﷺ، فقال له: أُسِر ابني عَوْف، فقال له: «أرْسِل إليه: إنّ رسول الله ﷺ يأمرك أن تُكثر مِن: لا حول ولا قوة إلا بالله». وكانوا قد شَدُّوه بالقِدِّ، فسقط القِدُّ عنه، فخرج، فإذا هو بناقة لهم، فرَكبها، فأقبل فإذا بسَرْحٍ للقوم الذين كانوا شَدُّوه، فصاح بها، فأَتْبَع آخرها أوّلها، فلم يَفْجَأ أبويه إلا وهو ينادي بالباب، فأتى أبوه رسول الله ﷺ فأخبَره، فَنَزلت: ﴿ومَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا﴾ الآية
عن عبد الله بن عبيد بن عمير: أنّ أبا بكر أو عمر أصاب وليدة له سوداء، فعزَلها، ثم باعها، فانطلَق بها سيّدُها، حتى إذا كان في بعض الطريق أرادَها، فامتنعتْ منه، فإذا هو براعي غنم، فدعاه، فَراطَنَها، فأخبرها أنه سيّدها، قالت: إنِّي قد حملْتُ مِن سيدي الذي كان قبل هذا، وأنا في ديني أن لا يصيبني رجلٌ في حمْل مِن آخر. فكتب سيّدُها إلى أبي بكر أو عمر، فأخبره الخبر، فذُكر ذلك للنبي ﷺ بمكة، فمكث النبيُّ ﷺ حتى إذا كان مِن الغَد، وكان مجلسهم الحِجْر، قال النبيُّ ﷺ: «جاءني جبريلُ في مجلسي هذا، عن الله: أنّ أحدكم ليس بالخيار على الله إذا تَنجّع ذلك المُنتَجع، ولكنه ﴿يَهَبُ لِمَن يَشاءُ إناثًا ويَهَبُ لِمَن يَشاءُ الذُّكُورَ﴾. فاعترِفْ بولدك». فكتب بذلك فيها
عن أم هانئ -من طريق يحيى بن أبي عمرو السيباني، عن أبي صالح- قالت: دخل عَلَيَّ النَّبي ﷺ بغَلَسِ وأنا على فراشي، فقال: «شعرتِ أنِّي نمت الليلة في المسجد الحرام، فأتاني جبريل، فذهب بي إلى باب المسجد، فإذا دابَّةٌ أبيض فوق الحمار ودون البغل، مُضطَرِبُ الأُذُنَين، فركِبْته، فكان يضع حافره في مَدِّ بصره، إذا أخذ بي في هُبُوطٍ طالَت يَداه وقصُرَت رجلاه، وإذا أخذ بي في صُعُود طالت رجلاه وقصُرت يَداه، وجبريل لا يفوتُني، حتى انتهينا إلى بيت المقدس، فأوثقتُه بالحلقة التي كانت الأنبياء تُوثِقُ بها، فنُشِر لي رَهطٌ من الأنبياء؛ منهم إبراهيم وموسى وعيسى، فصَلَّيت بهم، وكلَّمتهم، وأُتِيتُ بإناءين أحمر وأبيض، فشربت الأبيض، فقال لي جبريل: شرِبتَ اللبن، وتركت الخمر، لو شربت الخمر لارتَدَّت أُمَّتُك، ثم ركبتُه، فأتيت المسجد الحرام، فصليت به الغداة؟» فتعلَّقت برِدائِه، وقلت: أُنشِدُك اللهَ، يا ابن عمِّ، أن تحدِّثَ بهذا قريشًا، فيُكَذِّبَك مَن صَدَّقك، فصَرب بيده على ردائه، فانتزعه مِن يدي، فارتفع عن بطنه، فنظرت إلى عُكَنِه فوق إزاره كأنها طَيُّ القراطيس، وإذا نور ساطع عند فؤاده كاد أن يَختَطِفَ بصري، فخررتُ ساجدةً، فلما رفعت رأسي إذا هو قد خرج، فقلت لجاريتي: ويحكِ، اتبَعِيه، وانظري ماذا يقول، وماذا يُقال له. فلما رجعتْ أخبرتني أنه انتهى إلى نفر من قريش، فيهم المُطعِمُ بن عَدِيٍّ، وعمرو بن هشام، والوليد بن المغيرة، فقال: «إني صَلَّيتُ الليلة العشاء في هذا المسجد، وصلَّيت به الغداة، وأتيت فيما بين ذلك ببيت المقدس، فنُشِر لي رهطٌ من الأنبياء، فيهم إبراهيم وموسى وعيسى، فصَلَّيتُ بهم، وكلَّمتُهم». فقال عمرو بن هشام كالمستهزئ: صِفهم لي. فقال: «أما عيسى ففوق الرَّبعَةِ ودون الطويل، عريض الصدر، ظاهر الدم، جَعدُ الشَّعر، تَعلُوه صُهبَةٌ، كأنّه عروة بن مسعود الثقفي، وأمّا موسى فضخم آدَمُ طُوالٌ كأنّه مِن رجال شنوءة، كثير الشعر، غائر العينين، مُتَراكِبَ الأسنان، مُقَلَّصُ الشَّفَةِ، خارج اللثة، عابس، وأما إبراهيم -فواللهِ- لأشبهُ الناس به خَلقًا وخُلُقًا». فضَجُّوا، وأعظَموا ذلك، فقال المُطعِم: كلُّ أمِرك قبل اليوم كان أمَمًا غير قولك اليوم، أنا أشهد أنك كذاب؛ نحن نضرب أكباد الإبل إلى بيت المقدس مصعدًا شهرًا ومنحدرًا شهرًا، تزعُمُ أنك أتيته في ليلة! واللاتِ والعُزّى، لا أُصَدِّقُك. فقال أبو بكر: يا مُطعِمُ، لَبِئْسَ ما قلت لابن أخيك، جَبَهْتَه وكذَّبتَه، أنا أشهد أنه صادق. فقالوا: يا محمد، صِف لنا بيت المقدس. قال: «دخلته ليلًا، وخرجت منه ليلًا». فأتاه جبريل، فصَوَّره في جناحه، فجعل يقول: «باب منه كذا في موضع كذا، وباب منه كذا في موضع كذا». وأبو بكر يقول: صَدَقتَ، صَدَقتَ. فقال رسول الله ﷺ يومئذ: «يا أبا بكر، إنّ الله قد سَمّاك: الصِّدِّيق». قالوا: يا محمد، أخبرنا عن عِيرنا. فقال: «أتيت على عير بني فلان بالرَّوحاءِ قد أضَلُّوا ناقة لهم، فانطلقوا في طلبها، فانتهيت إلى رِحالِهم ليس بها منهم أحد، وإذا قدح ماء فشربتُ منه، ثم انتهيت إلى عير بني فلان، فنَفَرَتْ منِّي الإبلُ، وبَرَك منها جمل أحمر عليه جَوالِقُ مخططة ببياض، لا أدري أكُسِر البعير أم لا، ثم انتهيت إلى عير بني فلان في التَّنعيم يقدُمُها جملٌ أورَقُ، وها هي ذه تطلُعُ عليكم من الثَّنيَّة». فقال الوليد بن المغيرة: ساحر. فانطلقوا، فنظروا، فوجدوا كما قال، فرموه بالسحر، وقالوا: صدق الوليد. فأنزل الله: ﴿وما جعلنا الرُّءيا التي أريناك إلا فتنة للناس﴾ [الإسراء:٦٠]
عن إسماعيل السدي -من طريق أسباط- قال: لَمّا ارتحل أبو سفيان والمشركون يوم أحد متوجهين نحو مكة؛ انطلق أبو سفيان حتى بلغ بعضَ الطريق، ثم إنّهم ندِموا، فقالوا: بئسما صنعتم أنّكم قتلتموهم حتى إذا لم يبق إلا الشَّرِيد تركتموهم! ارجِعوا فاستأصِلوهم. فقذف الله في قلوبهم الرعب؛ فانهزموا، فلقوا أعرابِيًّا، فجعلوا له جُعْلًا، فقالوا له: إن لقيت محمدًا فأخبرهم بما قد جمعنا لهم. فأخبر اللهُ رسولَه ﷺ، فطلبهم حتى بلغ حمراءَ الأسد، فأنزل اللهُ في ذلك؛ فذكر أبا سفيان حين أراد أن يرجع إلى النبي ﷺ، وما قذف في قلبه من الرعب، فقال: ﴿سنلقي في قلوب الذين كفروا الرعب﴾ الآية
قال مقاتل بن سليمان: ﴿وجَعَلْنا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً أتَصْبِرُونَ﴾ [الفرقان:٢٠]، ابتلينا بعضًا ببعض، وذلك حين أسلم أبو ذرٍّ الغِفاري، وعبد الله بن مسعود، وعمار بن ياسر، وصهيب، وبلال، وخَبّاب بن الأرَتِّ، ونحوهم من الفقراء، فقال أبو جهل، وأُمَيَّة، والوليد، وعُقْبة، وسُهَيل، والمستهزِءُون مِن قريش: انظروا إلى هؤلاء الذين اتبعوا محمدًا ﷺ مِن موالينا وأعواننا رذالة كل قبيلة. فازْدَرَوْهم، فقال الله -تبارك وتعالى- لهؤلاء الفقراء مِن العرب والموالي: ﴿أتَصْبِرُونَ﴾ على الأذى والاستهزاء ﴿وكان ربك بصيرا﴾ أن تصبروا. فصبروا، ولم يجزعوا؛ فأنزل الله عز وجل فيهم: ﴿إني جزيتهم اليوم بما صبروا﴾ على الأذى والاستهزاء مِن كفار قريش ﴿أنَّهُمْ هُمُ الفائِزُونَ﴾ يعني: الناجين من العذاب
قال يحيى بن سلّام: ﴿مِن فَوْقِكُمْ﴾ يعني: مِن فوق الوادي، يعني: مِن أعلاه مِن قبل المشرق، ومِن حيث يجيء الصبح، يعني: مالك بن عوف مِن بني نَصْر، وعيينة بن حصن الفزاري، ومعهما ألفٌ مِن غطفان، ومعه طليحة بن خويلد مِن بني أسد، وحُيَي بن أخطب اليهودي في يهود مِن بني قريظة، ﴿ومِن أسْفَلَ مِنكُمْ﴾ يعني: مِن أسفل مِن النبي ﷺ، مِن بطن الوادي، ومِن قِبَل المغرب، وجاء أبو سفيان على أهل مكة ومعه يزيد بن جحش على فرقتين، جاءوا من أسفل الوادي مِن قبل المغرب، وجاء أبو الأعور السلمي عمرو بن سفيان مِن قبل الخندق والذين معه
عن عبيد الله بن عبد الله، قال: أرسَل مروان عبد الله بن عُتبة إلى سُبَيعة بنت الحارث يسألها عمّا أفتاها رسولُ الله ﷺ، فأخبَرتْه أنها كانت عند سعد بن خَوْلة، فتُوفّي عنها في حجّة الوداع، وكان بدريًّا، فوضَعتْ حمْلها قبل أن تَمضي أربعة أشهر وعشر من وفاته، فتَلقّاها أبو السَّنابل بن بَعْكَك حين تَعلّتْ مِن نفاسها، وقد اكتَحَلتْ وتَزيّنتْ، فقال: لعلّكِ تريدين النكاح! إنها أربعة أشهر وعشر مِن وفاة زوجكِ. قالت: فأَتيتُ النبيَّ ﷺ، فذَكرت ذلك له، وذكرت له ما قال أبو السّنابل. فقال لها رسول الله ﷺ: «ارْبَعِي بنفسك؛ فقد حلّ أجَلك إذا وضَعتِ حمْلك»
عن عطاء [الخراساني] -من طريق إسحاق بن نجيح- قال: كان لرجل من الأنصار نخلة، وكان له جار، فكان يسقط مِن بلحها في دار جاره، فكان صبيانه يتناولون، فشكا ذلك إلى النبي ﷺ، فقال له النبي عليه السلام: «بِعْنِيها بنخلة في الجنة». فأبى، قال: فخرج، فلقيه أبو الدّحداح، فقال: هل لك أن تبيعها بحَش. يعني: حائطًا له، فقال: هي لك. قال: فأتى النبي عليه السلام، فقال: يا رسول الله، اشترها مني بنخلة في الجنة. قال: «نعم». قال: هي لك. فدعا النبي عليه السلام جار الأنصاري، فأخذها؛ فأنزل الله سبحانه وتعالى: ﴿واللَّيْلِ إذا يَغْشى﴾ إلى قوله: ﴿إنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتّى﴾ أبو الدّحداح، والأنصاري صاحب النخلة
نقل ابنُ عطية (٥/٤٦٠) عن الضحاك قوله: «تصحَّف على قوم (وصّى) بـ»قضى«حين اختلطت الواو بالصاد وقت كتْب المصحف». ثم انتقده مستندًا إلى القراءة الصحيحة، ودلالة العقل قائلًا: «وهذا ضعيف، وإنما القراءة مرويَّةٌ بسند، وقد ذكر أبو حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما مثل قول الضحاك، وقال عن ميمون بن مهران: إنه قال: إنّ على قول ابن عباس رضي الله عنهما لَنورًا، قال الله تعالى: ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ ما وصّى بِهِ نُوحًا والَّذِي أوْحَيْنا إلَيْكَ﴾ [الشورى:١٣]». ثم ضعَّف أبو حاتم أن يكون ابن عباس قال ذلك، وقال: «لو قلنا هذا لطعن الزنادقة في مصحفنا»
عن أبي ذر، عن النبي ﷺ، قال: «ثلاثة ﴿لا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ يَوْمَ القِيامَةِ ولا يُزَكِّيهِمْ ولَهُمْ عَذابٌ ألِيمٌ﴾». قال: فقرأها رسول الله ﷺ ثلاث مِرارٍ، قال أبو ذر: خابوا وخسِروا، مَن هُمْ، يا رسول الله؟ قال: «المُسْبِل، والمَنّان، والمُنفِقُ سِلْعَتَه بالحَلِف الكاذِب»