عَلَّقَ ابنُ كثير (١٤/٢٢١) على هذا الأثر بقوله: «وكأنه يجعلها كقوله تعالى: ﴿وأشرقت الأرض بنور ربها ووضع الكتاب وجيء بالنبيين والشهداء وقضي بينهم بالحق وهم لا يظلمون﴾ [الزمر:٦٩]»
عن قتادة بن دعامة -من طريق سعيد- في قوله: ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجادِلُكَ فِي زَوْجِها وتَشْتَكِي إلى اللَّهِ واللَّهُ يَسْمَعُ تَحاوُرَكُما﴾، قال: ذاك أوْس بن الصّامت، ظاهَر مِن امرأته خُوَيلَة ابنة ثَعْلَبة، قالتْ: يا رسول الله، كَبِرتْ سِنِّي، ورَقَّ عظمي، وظاهَر مِنِّي زوجي. قال: فأنزل الله: ﴿والَّذِينَ يُظاهَرونَ مِن نِسائِهِمْ﴾ إلى قوله: ﴿ثُمَّ يَعُودُونَ لِما قالُوا﴾ يريد: أن يَغْشى بعد قوله، ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِن قَبْلِ أنْ يَتَماسّا﴾ فدعاه إليه نبيُّ الله ﷺ، فقال: «هل تستطيع أن تُعْتِق رقبة؟». قال: لا. قال: «أفتستطيع أن تصوم شهرين متتابعين؟». قال: إنّه إذا أخطأه أن يأكل كلَّ يوم ثلاث مرات يَكِلّ بصره. قال: «أتستطيع أن تُطْعِم ستين مسكينًا؟». قال: لا، إلا أن يُعِينني فيه رسولُ الله ﷺ بعَونٍ وصلاة. فأعانه رسول الله ﷺ بخمسة عشر صاعًا، وجَمع الله له أمره، والله غفور رحيم
أفادت الآثارُ الاختلافَ في تأويل قوله تعالى: ﴿وآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصادِهِ﴾ على ثلاثة أقوال: أولها: أنّ هذا أمر من الله بإيتاء الصدقة المفروضة من الثمر والحبِّ. وهو قول ابن عباس، وابن الحنفية، والحسن، وأنس، وطاووس، وجابر بن زيد، وسعيد بن المسيب، وقتادة، والضحاك، وزيد بن أسلم، وابنه، وغيرهم. ثانيها: أنّ هذا حقٌّ أوجبه الله في المال، غيرُ الصدقة المفروضة. وهو قول مجاهد، وعطاء، وحماد، وابن سيرين، ويزيد بن الأصم، والربيع بن أنس، وغيرهم، وقول آخر لابن الحنفية. ثالثها: أنّ هذا كان شيئًا أمر الله به المؤمنين قبل أن تفرض عليهم الصدقة المؤقتة، ثم نسخته الصدقة المعلومة. وهو قول السديّ، وإبراهيم النخعيّ، وعطية العوفي، وقول آخر لابن عباس، وابن الحنفية، والحسن. ورجَّحَ ابنُ جرير (٩/٦١١-٦١٤ بتصرف) القولَ الثالثَ -وهو القول بالنسخ- استنادًا إلى السياق، والدلالة العقلية، والإجماع على أنّ صدقة الحرث لا تؤخذ إلا بعد الدِّياس والتنقية والتذرية، وأنّ صدقة التمر لا تؤخذ إلا بعد الجفاف. وبيَّنَ أنّ نصَّ الآية يفيد أنّ إيتاء الحقِّ يوم الحصاد، فعلى ذلك يكون الحقُّ المذكور في الآية مغايرًا للزكاة المفروضة المجمع على صفتها. ثم انتَقَدَ القولَ بإيجاب حقٍّ في المال سوى الصدقة المفروضة بأنّه لا يخلو أن يكون ذلك فرضًا واجبًا، أو نَفْلًا. فإن يكن فرضًا واجبًا يكن مَن فرَّط في أدائه إلى أهله آثمًا، وفي قيام الحجة بأن لا فرض لله في المال بعد الزكاة ما يُنبِئُ عن أنّ ذلك ليس كذلك. أو يكون ذلك نَفْلًا فيجب على ذلك أن يكون الخيارُ في إعطاء ذلك إلى ربِّ الحرث والثمر، وفي إيجاب القائلين بوجوب ذلك ما يُنبِئ عن أنّ ذلك ليسَ كذلك. وإذا خرجت الآية من أن يكون مرادًا بها الندب، وكان غير جائز أن يكون لها مخرجٌ في وجوب الفرض بها في هذا الوقت؛ عُلِم أنها منسوخة. ثم قال: «ومِمّا يُؤَيِّد ما قلنا في ذلك من القول دليلًا على صحته أنّه -جلَّ ثناؤه- أتبع قوله: ﴿وآتوا حقه يوم حصاده﴾: ﴿ولا تسرفوا إنه لا يحب المسرفين﴾، ومعلومٌ أنّ مِن حُكْم الله في عباده مُذْ فَرَض في أموالهم الصدقة المفروضةَ المؤقتةَ القدرِ أنّ القائم بأخذ ذلك ساستهم ورُعاتهم. وإذا كان ذلك كذلك فما وجه نهي ربِّ المال عن الإسراف في إيتاء ذلك، والآخِذ مُجْبِرٌ، وإنما يأخذ الحق الذي فرض لله فيه؟ فإن ظن ظانٌّ أن ذلك إنما هو نهيٌ من الله القيِّمَ بأخذ ذلك من الرعاة عن التعدِّي في مال رب المال، والتجاوزِ إلى أخْذِ ما لم يُبَحْ له أخذه، فإنّ آخر الآية -وهو قوله: ﴿ولا تسرفوا﴾- معطوف على أوله، وهو قوله: ﴿وآتوا حقه يوم حصاده﴾. فإن كان المنهيَّ عن الإسراف القيِّمُ بقبض ذلك، فقد يجب أن يكون المأمورُ بإيتائه المنهيَّ عن الإسراف فيه، وهو السلطان. وذلك قولٌ إن قاله قائلٌ كان خارجًا من قول جميع أهل التأويل، ومخالفًا المعهود من الخطاب، وكفى بذلك شاهدًا على خطئه. فإن قال قائل: وما تنكر أن يكون معنى قوله: ﴿وآتوا حقه يوم حصاده﴾: وآتوا حقَّه يوم كيله، لا يوم قصله وقطعه، ولا يوم جداده وقطافه، فقد علمتَ مَن قال ذلك من أهل التأويل؟... قيل: لأنّ يوم كيله غير يوم حصاده، ولن يخلو معنى قائلي هذا القول من أحد أمرين: إما أن يكونوا وجّهوا معنى الحصاد إلى معنى الكيل، فذلك ما لا يعقل في كلام العرب؛ لأنّ الحصاد والحصد في كلامهم: الجدّ والقطع، لا الكيل. أو يكونوا وجّهوا تأويل قوله: ﴿وآتوا حقه يوم حصاده﴾ إلى: وآتوا حقه بعد يوم حصاده إذا كِلتموه. فذلك خلاف ظاهر التنزيل، وذلك أنّ الأمر في ظاهر التنزيل بإيتاء الحقِّ منه يوم حصاده، لا بعد يوم حصاده، ولا فرقَ بين قائلٍ: إنما عنى الله بقوله: ﴿وآتوا حقه يوم حصاده﴾: بعد يوم حصاده. وآخرَ قال: عنى بذلك قبل يوم حصاده. لأنهما جميعًا قائلان قولًا دليلُ ظاهر التنزيل بخلافه». واسْتَدْرَكَ ابنُ كثير (٦/١٨٩) على هذا القول بقوله: «وفي تسمية هذا نسخًا نظر؛ لأنه قد كان شيئًا واجبًا في الأصل، ثم إنّه فصّل بيانه، وبين مقدار المخرج وكميته. قالوا: وكان هذا في السنة الثانية من الهجرة». وانتَقَدَ ابنُ عطية (٣/٤٧٦) مستندًا إلى إمكان الجمع بين هذه الآية، وآية الزكاة القولَ بالنسخ، فقال: «والنسخ غير مترتب في هذه الآية؛ لأنّ هذه الآية وآية الزكاة لا تتعارض، بل تنبني هذه على الندب، وتلك على الفرض». وانتَقَدَ ابنُ عطية (٣/٤٧٥) أيضًا -مستندًا إلى أحوال النزول، وأنّ بعض ما ذُكِرَ في الآية لا زكاة فيه- القولَ بأنها في الزكاة المفروضة، بقوله: «هذا قولٌ مُعْتَرَض بأنّ السورة مكية، وهذه الآية على قول الجمهور غير مستثناة، وحكى الزجّاج أنّ هذه الآية قيل فيها: إنها نزلت بالمدينة. ومعترض أيضًا بأنّه لا زكاة فيما ذُكِر من الرمان وجميع ما هو في معناه»
عن محمد بن يزيد بن خنيس، قال: دخلنا على سفيان الثوري نعوده، ومعنا سعيد بن حسان المخزومي، فقال له سفيان: أعِدْ عَلَيَّ الحديث الذي كنت حَدَّثْتَنِيه عن أم صالح. فقال: حدثتني أم صالح بنت صالح، عن صفية بنت شيبة، عن أم حبيبة زوج النبي ﷺ، قالت: قال رسول الله ﷺ: «كلام ابن آدم كله عليه لا له، إلا أمرًا بمعروف، أو نهيًا عن منكر، أو ذكر الله عز وجل». فقال محمد بن يزيد: ما أشدَّ هذا الحديث! فقال سفيان: وما شدة هذا الحديث؟! إنما جاءت به امرأة، عن امرأة، هذا في كتاب الله الذي أُرسل به نبيكم ﷺ، أما سمعت الله يقول: ﴿لا خير في كثير من نجواهم إلا من أمر بصدقة أو معروف أو إصلاح بين الناس﴾؟! فهذا هو بعينه، أوَما سمعت الله يقول: ﴿يوم يقوم الروح والملائكة صفا لا يتكلمون إلا من أذن له الرحمن وقال صوابا﴾؟! [النبأ:٣٨] فهو هذا بعينه، أوَما سمعت الله يقول: ﴿والعصر إن الإنسان لفي خسر إلا الذين ءامنوا وعملوا الصالحات وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر﴾؟! فهو هذا بعينه
عن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم -من طريق ابن وهْب- في قول الله عز وجل: ﴿وإذ آتينا موسى الكتاب والفرقان﴾، قال: أما الفرقان الذي قال الله عز وجل: ﴿يوم الفرقان يوم التقى الجمعان﴾ [الأنفال:٤١] فذلك يوم بدر، يوم فرق الله بين الحق والباطل، والقضاء الذي فرق به بين الحق والباطل. قال: فكذلك أعطى الله موسى الفرقان، فرق الله بينهم، وسلمه الله وأنجاه، فرق بينهم بالنصر، فكما جعل الله ذلك بين محمد والمشركين، فكذلك جعله بين موسى وفرعون
عن قتادة بن دعامة -من طريق مَعْمَر- في قوله: ﴿فسالتْ أوديةٌ بقدرها﴾ قال: الكبيرُ بقَدَرِه، والصغيرُ بقَدَره، ﴿زبدًا رابيًا﴾ قال: رَبا فوق الماء الزَّبَدُ، ﴿وممّا يوقدون عليه في النار﴾ قال: هو الذَّهبُ، إذا أُدْخِل النارَ بَقِيَ صَفْوُه، وذَهَب ما كان فيه مِن كَدَرٍ، وهذا مَثَلٌ ضربه الله للحقِّ والباطل، ﴿فأمّا الزبدُ فيذهبُ جفاءً﴾ يتعلق بالشَّجَرِ، ولا يكونُ شيئًا، هذا مَثَل الباطل، ﴿وأمّا ما ينفعُ النّاسَ فيمكُثُ في الأرض﴾ هذا يُخرج النبات، وهو مَثَلُ الحقِّ، ﴿أو متاعٍ زبدٌ مثلُهُ﴾ قال: المتاعُ: الصُّفْرُ، والحديدُ
عن كعب الأحبار -من طريق أبي الضيف- قال: إنّ أقرب الملائكة إلى الله إسرافيل، وله أربعة أجنحة: جناح بالمشرق، وجناح بالمغرب، وقد تسَرْوَلَ بالثالث، والرابع بينه وبين اللوح المحفوظ، فإذا أراد الله أمرًا أن يوحيه جاء اللوح حتى يصفق جبهة إسرافيل، فيرفع رأسه، فينظر فإذا الأمر مكتوب، فينادي جبريل، فيلبيه، فيقول: أُمِرت بكذا، أُمِرت بكذا. فلا يهبط جبريل من سماء إلى سماء إلا فزع أهلها مخافة الساعة، حتى يقول جبريل: الحق من عند الحق. فيهبط على النبي، فيُوحِي إليه
قال مقاتل بن سليمان: قوله: ﴿فاصْبِرْ إنَّ وعْدَ اللَّهِ حَقٌّ﴾، وذلك أنّ الله -تبارك وتعالى- وعَدَ النبيَّ ﷺ في آيتين مِن القرآن أن يُعَذِّب كفارَ مكة في الدنيا، فقالوا للنبي ﷺ: متى يكون هذا الذي تعِدنا؟ يقولون ذلك استهزاء وتكذيبًا بأنه غير كائن؛ فأنزل الله يُعَزِّي نبيَّه ﷺ ليصبر على تكذيبهم إياه بالعذاب، فقال: ﴿فاصْبِرْ إنَّ وعْدَ اللَّهِ حَقٌّ﴾ في العذاب أنه نازل بهم القتل ببدر، وضرْب الملائكة الوجوه والأدبار، وتعجيل أرواحهم إلى النار، فهذا العذاب
عن حارثة بن مُضَرِّبٍ، قال: كنت عند عبد الله بن مسعود، فجاء رجلان، فسَلَّم أحدُهما، ولم يُسَلِّم الآخر، ثم جلسا، فقال القوم: ما لِصاحبك لَم يُسَلِّم؟ قال: إنّه نذر صومًا لا يُكَلِّم اليومَ إنسيًا. فقال عبد الله: بئس ما قلتَ! إنّما كانت تلك المرأة، فقالت ذلك ليكون عذرًا لها إذا سُئِلت، وكانوا يُنكِرون أن يكون ولدٌ مِن غير زَوج إلا زِنًا، تكلَّمْ، وأْمُر بالمعروف، وانْهَ عن المنكر؛ فإنّه خير لك
عن محمد بن شهاب الزُّهريّ، قال: ﴿وإنْ فاتَكُمْ شَيْءٌ مِن أزْواجِكُمْ إلى الكُفّارِ فَعاقَبْتُمْ فَآتُوا الَّذِينَ ذَهَبَتْ أزْواجُهُمْ مِثْلَ ما أنْفَقُوا واتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي أنْتُمْ بِهِ مُؤْمِنُونَ﴾ فإذا ذهبت -بعد هذه الآية- امرأةٌ مِن أزواج المؤمنين إلى المشركين ردّ المؤمنون إلى زوجها النّفقة التي أنفق عليها من العَقِبِ الذي بأيديهم، الذي أُمروا أن يَردّوه إلى المشركين مِن نفقاتهم التي أنفقوا على أزواجهنّ اللاتي آمَنَّ وهاجرْنَ، ثم ردُّوا إلى المشركين فضلًا إن كان لهم