للسلف في تفسير قوله: ﴿بروجا﴾ قولان: الأول: أنها النجوم الكبار. الثاني: أنها القصور التي في السماء. وقد رجّح ابنُ جرير (١٧‏/‏٤٨٤) مستندًا إلى اللغة القولَ الثاني، فقال: ""لأن ذلك في كلام العرب ﴿ولو كنتم في بروج مشيدة﴾ [النساء:٧٨]، وقول الأخطل:كأنها برجُ رُومِيٍّ يُشَيِّده بانٍ بِحص وآجُرٍّ وأحجاريعني بالبرج: القصر"". وقال ابنُ عطية (٦‏/‏٤٥٢): «والبروج هي التي علمتها العرب بالتجربة، وكل أمة مُصحِرة، وهي الشهور عند اللغويين وأهل تعديل الأوقات، وكل برج منها على منزلتين وثلث مِن منازل القمر التي ذكرها الله تعالى في قوله: ﴿والقَمَرَ قَدَّرْناهُ مَنازِلَ﴾ [يس:٣٩]، والعرب تسمي البناء المرتفع المستغني بنفسه: برجًا، تشبيهًا ببروج السماء». وذكر ابنُ عطية القول الأول، وعلّق عليه قائلًا: «حكاه الثعلبي عن أبي صالح، وهذا غير ما بيناه إلا أنه غير مُخلَّص». وذكر ابن عطية (٦‏/‏٤٥٢) في الآية قولًا ثالثًا لم ينسبه لأحد مِن السلف: أنّ البروج قصور في الجنة. ثم انتقده مستندًا إلى الدلالة العقلية بقوله: «وأما القول بأنها قصور في الجنة فقول يحط غرض الآية في التنبيه على أشياء مُدرَكات تقوم بها الحُجَّة على كل مُنكِر لله أو جاهل به». وذكر ابنُ كثير (١٠‏/‏٣١٨) القولين، ثم رجّح مستندًا إلى النظائر الأول، فقال: «والقول الأول أظهر، اللهم إلا أن يكون الكواكب العظام هي قصور للحرس، فيجتمع القولان، كما قال تعالى: ﴿ولقد زينا السماء الدنيا بمصابيح وجعلناها رجوما للشياطين﴾ [الملك:٥]؛ ولهذا قال: ﴿تبارك الذي جعل في السماء بروجا وجعل فيها سراجا﴾ وهي الشمس المنيرة، التي هي كالسراج في الوجود، كما قال: ﴿وجعلنا سراجا وهاجا﴾ [النبأ:١٣]»

اختُلف في سبب نزول الآية على أقوال: الأول: أنها أُنزِلَت توبيخًا من الله لقوم من المؤمنين تمنّوا معرفة أفضل الأعمال، فعرّفهم الله إياه، فلما عرفوا قصّروا، فعوتبوا بهذه الآية. الثاني: نَزَلَتْ في توبيخ قوم من أصحاب رسول الله ﷺ، كان أحدهم يفتخر بالفعل من أفعال الخير التي لم يفعلها، فيقول: فعلت كذا وكذا، فعذلهم الله على افتخارهم بما لم يفعلوا كذبًا. الثالث: أنها توبيخ من الله لقوم من المنافقين، كانوا يعِدون المؤمنين النصر وهم كاذبون. ورجَّح ابنُ جرير (٢٢‏/‏٦٠٩) -مستندًا إلى ظاهر لفظ الآية- القول الأول الذي قاله ابن عباس، من طريق علي، والعَوفيّ، وقول أبي صالح، ومجاهد، وانتقد البقية، فقال: «لأنّ الله -جلّ ثناؤه- خاطب بها المؤمنين، فقال: ﴿يا أيها الذين آمنوا﴾، ولو كانت نَزَلَتْ في المنافقين لم يُسمّوا ولم يوصفوا بالإيمان، ولو كانوا وصفوا أنفسهم بفعل ما لم يكونوا فعلوه كانوا قد تعمدوا قيل الكذب، ولم يكن ذلك صفة القوم، ولكنهم عندي أمّلوا بقولهم: لو علمنا أحبّ الأعمال إلى الله عمِلناه. أنهم لو علموا بذلك عملوه، فلما علموا ضعفت قُوى قوم منهم عن القيام بما أمّلوا القيام به قبل العلم، وقوي آخرون فقاموا به، وكان لهم الفضل والشرف». وكذا رجَّحه ابنُ عطية (٨‏/‏٢٩٢) مستندًا إلى السياق، فقال: «والقول الأول يترجح بما يأتي بعد مِن أمر الجهاد والقتال». ووجَّه القول الأخير الذي قاله ابن زيد، فقال: «والقول الأخير في المنافقين إنما يتوجه بأن يكونوا غير مجلّحين بالنفاق». وعلَّق (٨‏/‏٢٩١) بعد أن ذكر الأقوال بقوله: «وحكم هذه الآية باقٍ غابر الدهر، وكلّ مَن يقول ما لا يفعل فهو ممقوت مَذِق الكلام»

سورة آل عمران — الآية ٧

عن عبد الله بن عباس، عن جابر بن عبد الله بن رئاب -من طريق ابن إسحاق، عن الكلبي، عن أبي صالح- قال: مَرَّ أبو ياسر بن أخْطَب، فجاء رجلٌ من يهود لرسول الله ﷺ، وهو يتلو فاتحة سورة البقرة: ﴿الم ذلك الكتاب لا ريب فيه﴾. فأتى أخاه حُيَيَّ بن أخْطَبَ في رِجالٍ من اليهود، فقال: أتعلمون، واللهِ، لقد سمعتُ محمدًا يتلو فيما أنزل عليه: ﴿الم ذلك الكتاب﴾. فقال: أنت سمعتَه؟ قال: نعم. فمشى حتى وافى أولئك النفر إلى رسول الله ﷺ، فقالوا: ألم تقل: إنّك تتلو فيما أُنزل عليك: ﴿الم ذلك الكتاب﴾؟ فقال: «بلى». فقالوا: لقد بُعث بذلك أنبياء، ما نعلمُه بُيِّن لنبيٍّ منهم ما مُدَّةُ مُلْكِه وما أجَلُ أُمَّتِهِ غيرَك! الألف واحدة، واللام ثلاثون، والميم أربعون، فهذه إحدى وسبعون سنة. ثم قال: يا محمد، هل مع هذا غيره؟ قال: «نعم، ﴿المص﴾». قال: هذه أثقلُ وأطولُ، الألف واحدة، واللام ثلاثون، والميم أربعون، والصاد تسعون، فهذه إحدى وثلاثون ومائة، هل مع هذا غيره؟ قال: «نعم، ﴿الر﴾». قال: هذه أثقل وأطول، الألف واحدة، واللام ثلاثون، والراء مائتان، هذه إحدى وثلاثون ومائتا سنة، هل مع هذا غيره؟ قال: «نعم، ﴿المر﴾». قال: هذه أثقل وأطول، هذه إحدى وسبعون ومائتان. ثُمَّ قال: لقد لُبِّس علينا أمرُك حتى ما ندري أقليلًا أُعطيتَ أم كثيرًا؟! ثم قال: قوموا عنه. ثم قال أبو ياسر لأخيه ومَن معه: ما يدريكم، لعلَّه قد جُمِع هذا كله لمحمد؟! إحدى وسبعون، وإحدى وثلاثون ومائة، وإحدى وثلاثون ومائتان، وإحدى وسبعون ومائتان، فذلك سبعمائة وأربع سنين. فقالوا: لقد تشابه علينا أمرُه. فيزعمون: أنّ هذه الآيات نزلت فيهم: ﴿هو الذي أنزل عليك الكتاب منه آيات محكمات هن أم الكتاب وأخر متشابهات﴾

سورة المائدة — الآية ٩٠

عن سعيد بن جبير، قال: لَمّا نزَلت في البقرة [٢١٩]: ﴿يسألونك عن الخمر والميسر قل فيهما إثم كبير ومنافع للناس﴾ شَرِبها قومٌ لقوله: ﴿ومنافع للناس﴾، وتركها قوم لقوله: ﴿إثم كبير﴾، منهم عثمان بن مظعون، حتى نزَلتِ الآية التي في النساء [٤٣]: ﴿لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى﴾. فترَكها قومٌ، وشَرِبها قومٌ، يترُكونها بالنهار حين الصلاة، ويَشربونَها بالليل، حتى نزَلتِ الآية التي في المائدة: ﴿إنما الخمر والميسر﴾ الآية. قال عمر: أقُرِنتِ بالميسِر والأنصاب والأزلام؟! بُعدًا لكِ وسُحقًا. فترَكها الناس، ووقَع في صدور أُناسٍ مِن الناس منها، فجعَل قومٌ يُمرُّ بالراوية من الخمر فتُخرَقُ، فيمُرُّ بها أصحابُها فيقولون: قد كنا نُكرِمُك عن هذا المصرع. وقالوا: ما حُرِّم علينا شيءٌ أشدُّ من الخمر. حتى جعَل الرجلُ يَلقى صاحبَه فيقول: إنّ في نفسي شيئًا. فيقولُ له صاحبُه: لعلك تذكُرُ الخمر؟ فيقول: نعم. فيقول: إنّ في نفسي مثلَ ما في نفسِك. حتى ذكَر ذلك قومٌ، واجتَمعوا فيه، فقالوا: كيف نتكلمُ ورسول الله ﷺ شاهدٌ؟ وخافوا أن يَنزِل فيهم، فأتَوْا رسول الله ﷺ وقد أعدُّوا له حُجَّةً، فقالوا: أرأيتَ حمزةَ بن عبد المطلب، ومصعبَ بن عمير، وعبدَ الله بن جحش، أليسوا في الجنة؟ قال: «بلى». قالوا: أليسوا قد مَضَوا وهم يشربون الخمر؟ فحُرِّم علينا شيءٌ دخَلوا الجنة وهم يشربونه؟ فقال: «قد سمِع الله ما قلتُم، فإن شاء أجابَكم». فأنزل الله: ﴿إنما يريد الشيطان أن يوقع بينكم العداوة والبغضاء في الخمر والميسر ويصدكم عن ذكر الله وعن الصلاة فهل أنتم منتهون﴾. قالوا: انتَهينا. ونزَل في الذين ذكَروا حمزة وأصحابَه: ﴿ليس على الذين آمنوا وعملوا الصالحات جناح فيما طعموا﴾ الآية

سورة الأعراف — الآية ١٦٣

عن ماهان الحنفي أبي صالح -من طريق جعفر- في قوله: ﴿تأتيهم حيتانهم يوم سبتهم شرعا ويوم لا يسبتون لا تأتيهم﴾، قال: كانوا في المدينة التي على ساحل البحر، وكانت الأيامُ سِتَّةً، الأحد إلى الجمعة، فوضعت اليهود يومَ السبت، وسبتوه على أنفسهم، فسبته الله عليهم، ولم يكن السبت قبل ذلك، فوَكَّده الله عليهم، وابتلاهم فيه بالحيتان، فجعلت تَشْرَعُ يوم السبت، فيتَّقُون أن يُصيبوا منها، حتى قال رجلٌ منهم: واللهِ، ما السبتُ بيوم وكَّده الله علينا، ونحن وكَّدناه على أنفسنا، فلو تناولتُ مِن هذا السمك. فتناول حوتًا من الحيتان، فسمع بذلك جارُه، فخاف العقوبة، فهرب من منزله، فلمّا مكث ما شاء الله ولم تُصِبْه عقوبةٌ تناول غيرُه أيضًا في يوم السبت، فلمّا لم تُصِبْهم العقوبةُ كَثُر مَن تَناوَلَ في يوم السبت، واتَّخذوا يوم السبت وليلة السبت عيدًا يشربون فيه الخمور، ويلعبون فيه بالمعازف، فقال لهم خيارهم وصلحاؤُهم: ويْحَكم، انتهوا عما تفعلون، إنّ اللهَ مُهْلِكُكم أو مُعَذِّبُكم عذابًا شديدًا، أفلا تعقلون؟! ولا تعدوا في السبت. فأَبَوْا، فقال خيارهم: نضرب بيننا وبينهم حائطًا. ففعلوا، وكان إذا كان ليلة السبت تَأَذَّوْا بما يسمعون من أصواتهم وأصوات المعازف، حتى إذا كانت الليلةُ التي مُسِخُوا فيها سَكَنَتْ أصواتُهم أولَ الليل، فقال خيارُهم: ما شأنُ قومِكم قد سكنت أصواتُهم الليلةَ؟ فقال بعضُهم: لعلَّ الخمرَ غلبتهم، فناموا. فلمّا أصبحوا لم يسمعوا لهم حِسًّا، فقال بعضُهم لبعض: ما لنا لا نسمع مِن قومكم حِسًّا؟ فقالوا لرجل: اصعد الحائط، وانظر ما شأنُهم؟ فصعد الحائط، فرآهم يمُوج بعضهم في بعض، قد مُسِخوا قردة، فقال لقومه: تعالوا، فانظروا إلى قومكم ما لقوا. فصعدوا، فجعلوا ينظرون إلى الرجل، فيتَوَسَّمون فيه، فيقولون: أيْ فلان، أنت فلان؟ فيُومِئُ بيده إلى صدره، أي: نعم، بما كسبت يداي

أفادت الآثارُ الاختلاف في تأويل الآية، والمخاطب بها، على ثلاثة أقوال: أولها: أنّ الخطاب في الآية للأزواج، ونزلت الآيةُ تأمرُهم بإعطاء النساءِ مهورَهن عطيةً واجبةً. وهذا قول ابن عباس من طريق عليّ بن أبي طلحة، وقتادة، وابن جُريج، وابن زيد. وثانيها: أنّ الخطاب في الآية لأولياء النساء، ونزلت الآية تنهاهم عن أكل مُهورِهن. وهذا قول أبي صالح. وثالثها: أنّ الخطاب في الآية لأولياء النساء، ونزلت الآية تنهاهم عن نكاح الشِّغارِ؛ وذلك أنّ الرجل كان يُعْطِي أختَه لرجل، على أن يعطيه الآخرُ أختَه، دُون مهرٍ بينهما، فنهوا عن ذلك، وأُمِرُوا بالمهور. وهذا قول سليمان بن جعفر بن أبي المعتمر. ورَجَّحَ ابنُ جرير (٦‏/‏٣٨٢) القولَ الأولَ استنادًا إلى السياق، وقال: «وذلك أنّ الله -تبارك وتعالى- ابتدأ ذكر هذه الآية بخطاب الناكحين النساءَ، ونهاهم عن ظلمهنَّ والجَوْر عليهنَّ، وعرَّفهم سبيلَ النجاة مِن ظُلْمِهِنَّ. ولا دلالة في الآية على أنّ الخطاب قد صُرِف عنهم إلى غيرهم. فإذْ كان ذلك كذلك فمعلومٌ أنّ الذين قيل لهم: ﴿فانكحوا ما طاب لكم من النساء مثنى وثلاث ورباع﴾ هم الذين قيل لهم: ﴿وآتوا النساء صدقاتهن﴾، وأنّ معناه: وآتوا مَن نكحتم مِن النساء صدقاتهن نحلةً؛ لأنّه قال في أوَّل الآية: ﴿فانكحوا ما طاب لكم من النساء﴾، ولم يقل: فأنكحوا؛ فيكون قوله: ﴿وآتوا النساء صدقاتهن نحلة﴾ مصروفًا إلى أنه معنيٌّ به أولياءَ النساء دون أزواجهن. وهذا أمرٌ من الله أزواجَ النساء المدخول بهن، أوالمسمّى لهن الصداق، بإيتائهن صدُقاتهن، دون المطلقات قبل الدخول بهن، ممن لم يُسمَّ لها في عقد النكاح صداق». وبيّنَ ابنُ عطية (٢‏/‏٤٦٩) أنّ الآية عامَّةٌ، فقال: «والآيةُ تتناول هذه الفِرَقَ الثلاث»

اختُلِف في الذي عنى بهذه الآية على أقوال: الأول: عُني بذلك: الجزية والخراج. الثاني: عني بذلك: الغنيمة التي يصيبها المسلمون من عدوهم من أهل الحرب بالقتال عنوة. الثالث: عني بذلك: الغنيمة التي أوجف عليها المسلمون بالخيل والرّكاب، وأُخذتْ بالغلبة، وقالوا: كانت الغنائم في بدو الإسلام لهؤلاء الذين سمّاهم الله في هذه الآيات دون المُرجفين عليها، ثم نسخ ذلك بالآية التي في سورة الأنفال. الرابع: عني بذلك: ما صالح عليه أهل الحرب المسلمين من أموالهم، وقالوا قوله: ﴿ما أفاء الله على رسوله من أهل القرى فلله وللرسول﴾ الآيات، بيان قَسْم المال الذي ذكره الله في الآية التي قبل هذه الآية، وذلك قوله: ﴿وما أفاء الله على رسوله منهم فما أوجفتم عليه من خيل ولا ركاب﴾. ذكر هذا ابن جرير عن بعض المتفقهة من المتأخرين. وعلّق ابنُ عطية (٨‏/‏٢٦٤) على القول الأول، فقال: «وليس في الآية نسخٌ على هذا التأويل». وقد ذكر ابنُ جرير (٢٢‏/‏٥١٨) هذه الأقوال، ثم قال: «والصواب من القول في ذلك عندي: أنّ هذه الآية حكمها غير حكم الآية التي قبلها، وذلك أنّ الآية التي قبلها مالٌ جعله الله عز وجل لرسوله ﷺ خاصة دون غيره، لم يجعل فيه لأحد نصيبًا، وبذلك جاء الأثر عن عمر بن الخطاب». وذكر أثرًا عن عمر، ثم قال: «فإذا كانت هذه الآية التي قبلها مضت، وذكر المال الذي خصّ الله به رسوله ﷺ، ولم يجعل لأحد معه شيئًا، وكانت هذه الآية خبرًا عن المال الذي جعله الله لأصناف شتى؛ كان معلومًا بذلك أنّ المال الذي جعله لأصناف من خلْقه غير المال الذي جعله للنبي ﷺ خاصة، ولم يجعل له شريكًا». وذكر ابنُ عطية (٨‏/‏٢٦٤) قول قتادة، وانتقده مستندًا لأحوال النزول، فقال: «وهذا القول يضعف؛ لأن آية الأنفال نَزَلَتْ إثر بدر، وقبل بني النَّضِير، وقبل أمر هذه القرى بسنة ونيّف»

سورة البقرة — الآية ٢٩

عن عبد الله بن مسعود، وناس من أصحاب النبي - ﷺ - -من طريق السدي، عن مُرَّة الهمداني-، وعن عبد الله بن عباس -من طريق السدي، عن أبي مالك وأبي صالح- في قوله: ﴿هو الذي خلق لكم ما في الأرض جميعا ثم استوى إلى السماء فسواهن سبع سموات﴾، قال: إنّ الله كان عرشُه على الماء، ولم يخلُق شيئًا قبل الماء، فلَمّا أراد أن يخلق الخلق أخرج من الماء دُخانًا، فارتفع فوق الماء، فسَما عليه، فسَمّاه سماءً، ثم أيْبَسَ الماء، فجعله أرضًا واحدة، ثم فَتَقَها، فجعلها سبع أرضين في يومين؛ في الأحد والاثنين، فخلق الأرض على حوتٍ، وهو الذي ذكره في قوله:﴿ن والقلم﴾ [القلم: ١]، والحوتُ في الماء، والماءُ على ظهر صَفاةٍ، والصَّفاة على ظهر ملك، والملكُ على صخرة، والصخرةُ في الريح، وهي الصخرةُ التي ذكرها لقمان، ليست في السماء ولا في الأرض، فتحرك الحوت، فاضطرَب، فتزلزلت الأرض، فأرسى عليها الجبالَ، فقرّت، فالجبال تفخر على الأرض، فذلك قوله: ﴿وألقى في الأرض رواسي أن تميد بكم﴾ [النحل: ١٥]. وخلق الجبال فيها، وأقوات أهلها، وشجرها، وما ينبغي لها في يومين؛ في الثلاثاء والأربعاء، وذلك قوله: ﴿إنكم لتكفرون بالذي خلق الأرض﴾ إلى قوله: ﴿وبارك فيها﴾ [فصلت: ٩ - ١٠]، يقول: أنبت شجرها، ﴿وقدر فيها أقواتها﴾ يقول: أقواتها لأهلها، ﴿في أربعة أيام سواء للسائلين﴾ يقول: من سأل فهكذا الأمر، ﴿ثم استوى إلى السماء وهي دخان﴾ [فصلت: ١١]، وكان ذلك الدخانُ من تَنَفُّسِ الماء حين تَنَفَّس، فجعلها سماءً واحدة، ثم فتقها، فجعلها سبع سموات في يومين؛ في الخميس والجمعة، وإنما سُمِّي يوم الجمعة لأنه جمع فيه خلق السموات والأرض، ﴿وأوحى في كل سماء أمرها﴾ [فصلت: ١٢] قال: خلق في كل سماء خَلْقَها؛ من الملائكة، والخلق الذي فيها من البحار، وجبال البَرَد، ومما لا يُعلم، ثم زَيَّن السماء الدنيا بالكواكب، فجعلها زينةً وحِفْظًا من الشياطين. فلمّا فرغ من خلق ما أحبَّ استوى على العرش، فذلك حين يقول: ﴿خلق السموات والارض في ستة أيام﴾ [الأعراف: ٥٤]، يقول: ﴿كانتا رتقا ففتقناهما﴾ [الأنبياء: ٣٠]

سورة المائدة — الآية ٢

قال مقاتل بن سليمان: ﴿ولا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ أنْ صَدُّوكُمْ عَنِ المَسْجِدِ الحَرامِ أنْ تَعْتَدُوا﴾، نزَلَت في الخَطِيمِ، واسمه شُرَيْح بن ضُبَيْعَة بن شَرْحَبِيلَ ابن عمر بن جُرْثُومٍ البَكْرِيِّ من بني قيس بن ثعلبة وفي حُجّاج المشركين، وذلك أن شُرَيْحَ بن ضُبَيْعَة جاء إلى النبي ﷺ، فقال: يا محمد، اعْرِض عَلَيَّ دينك. فعَرَض عليه، وأخبره بما له وبما عليه، فقال له شُرَيْح: إنّ في دينك هذا غِلَظًا، فأرجع إلى قومي فأعرض عليهم ما قلتَ؛ فإن قَبِلوه كنت معهم، وإن لم يقبلوه كنتُ معهم. فخرج من عند النبي ﷺ، فقال النبي ﷺ: «لقد دخل بقلب كافر، وخرج بوجه غادر، وما أرى الرجل بمسلم». ثم مَرَّ على سَرْح المدينة، فاستاقها، فطلبوه، فسبقهم إلى المدينة، وأنشأ يقول: قد لفها الليل بسواق حُطَمٍ ليس براعي إبل ولا غنم ولا بجزّار على ظهر وضَمٍ خَدَلَّج الساق ولا رَعِشُ القدم -قال أبو صالح [الهذيل بن حبيب]: قتله رجل من قومه على الكفر، وقَدِم الرجل الذي قتله مُسْلِمًا- فلمّا سار رسول الله ﷺ معتمرًا عام الحديبية في العام الذي صَدَّه المشركون، جاء شُرَيْح إلى مكة مُعْتَمِرًا، معه تجارة عظيمة، في حُجّاج بكر بن وائل، فلَمّا سمع أصحاب رسول الله ﷺ بقدوم شُرَيْح وأصحابه، وعرفوا بنبئهم، فأراد أهل السَّرْح أن يُغِيروا عليه كما أغار عليهم من قبْلُ شُرَيْح وأصحابه، فقالوا: نَسْتَأْمِر النبي ﷺ. فاسْتَأْمَرُوه، فنزلت الآية: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحِلُّوا شَعائِرَ اللَّهِ﴾، يعني: أمر المناسك، ولا تستحلوا في الشهر الحرام أخذ الهدي، ولا القلائد، يقول: ولا تُخِيفوا من قَلَّد بعيره، ولا تستحلوا القتلَ، ﴿آمِّين البيت الحرام﴾ يعني: متوجهين قِبَل البيت الحرام، من حجاج المشركين، يعني: شُرَيْح بن ضبيعة وأصحابه، ﴿يبتغون﴾ بتجاراتهم ﴿فضلًا من الله﴾ يعني: الرزق والتجارة، ورضوانه بحجهم، فنهى الله عز وجل نبيه ﷺ عن قتالهم

سورة الشعراء — الآية ٦٥

عن عبد الله بن عباس -من طريق الكلبي، عن أبي صالح-: أنّ الله أوحى إلى موسى: أنْ أسرِ بعبادي. وكان بنو إسرائيل استعاروا مِن قوم فرعون حليًّا وثيابًا: أنّ لنا عيدًا نخرج إليه. فخرج بهم موسى ليلًا، وهم ستمائة ألف وثلاثة آلاف ونيف، فذلك قول فرعون: ﴿إن هؤلاء لشرذمة قليلون﴾. وخرج فرعون ومقدمته خمسمائة ألف، سوى الجنبين والقَلْب، فلما انتهى موسى إلى البحر أقبل يوشع بن نون على فرسه، فمشى على الماء، واقتحم غيرُه بخيولهم، فوثبوا في الماء، وخرج فرعونُ في طلبهم حين أصبح وبعد ما طلعت الشمس، فذلك قوله: ﴿فأتبعوهم مشرقين فلما تراءى الجمعان قال أصحاب موسى إنا لمدركون﴾. فدعا موسى ربَّه، فغشيتهم ضبابةٌ حالت بينهم وبينه، وقيل له: اضرب بعصاك البحر. ففعل، ﴿فانفلق فكان كل فرق كالطود العظيم﴾ يعني: الجبل، فانفلق منه اثنا عشر طريقًا، فقالوا: إنا نخاف أن تُوحِل فيه الخيل. فدعا موسى ربَّه، فهبت عليهم الصَّبا، فجَفَّ، فقالوا: إنّا نخاف أن يَغْرَقَ مِنّا ولا نشعر. فقال بعصاه، فنقب الماء، فجعل بينهم كُوًى حتى يرى بعضُهم بعضًا، ثم دخلوا حتى جاوزوا البحر، وأقبل فرعون حتى انتهى إلى الموضع الذي عبر منه موسى، وطُرُقُه على حالِها، فقال له أدِلّاؤه: إنّ موسى قد سَحَر البحر حتى صار كما ترى -وهو قوله: ﴿واترك البحر رهوا﴾ [الدخان:٢٤] يعني: كما هو- فخذ ههنا حتى نلحقهم، وهو مسيرة ثلاثة أيام في البر. وكان فرعون يومئذ على حصان، فأقبل جبريل على فرس أنثى في ثلاثة وثلاثين من الملائكة، ففرقوا الناس، وتقدم جبريل، فسار بين يدي فرعون، وتبعه فرعون، وصاحت الملائكة في الناس: الحقوا الملِك. حتى إذا دخل آخرُهم ولم يخرج أولُهم التقى البحرُ عليهم، فغرقوا، فسمع بنو إسرائيل وجْبَة البحر حين التقى، فقالوا: ما هذا؟ قال موسى: غرق فرعون وأصحابه. فرجعوا ينظرون، فألقاهم البحر على الساحل