سورة البقرة — الآية ٣٦

قال محمد بن إسحاق -من طريق سَلَمة- في ذلك: الله أعلم، أكَما قال ابن عباس وأهل التوراة، أم أنه خَلَص إلى آدم وزوجته بسُلْطانه الذي جعل الله له؛ ليبتلي به آدم وذريته؟ وأنه يأتي ابن آدم في نومته، وفي يقظته، وفي كل حال من أحواله، حتى يخلص إلى ما أراد منه، حتى يدعوه إلى المعصية، ويوقع في نفسه الشهوة وهو لا يراه، وقد قال الله -تعالى ذِكْرُه-: ﴿فوسوس لهما الشيطان﴾، ﴿فأخرجهما مما كانا فيه﴾. وقال: ﴿يا بني آدم لا يفتننكم الشيطان كما أخرج أبويكم من الجنة ينزع عنهما لباسهما ليريهما سوآتهما إنه يراكم هو وقبيله من حيث لا ترونهم إنا جعلنا الشياطين أولياء للذين لا يؤمنون﴾ [الأعراف:٢٧]. وقد قال الله لنبيه -عليه الصلاة والسلام-: ﴿قل أعوذ برب الناس ملك الناس﴾ [الناس:١-٢] إلى آخر السورة. ثم ذكر الأخبار التي رُوِيت عن النبي ﷺ أنّه قال: «إنّ الشيطان يجري من ابن آدم مَجْرى الدَّم». ثم قال ابنُ إسحاق: وإنما أمر ابن آدم فيما بينه وبين عدو الله كأمره فيما بينه وبين آدم، فقال الله: ﴿فاهبط منها فما يكون لك أن تتكبر فيها فاخرج إنك من الصاغرين﴾ [الأعراف:١٣]. ثم خلص إلى آدم وزوجته حتى كَلَّمَهما، كما قَصَّ الله علينا من خبرهما، قال: ﴿فوسوس إليه الشيطان قال يا آدم هل أدلك على شجرة الخلد وملك لا يبلى﴾ [طه:١٢٠]. فخلص إليهما بما خلص إلى ذريته من حيث لا يريانه، فالله أعلم أيّ ذلك كان، فتابا إلى ربهما

سورة البقرة — الآية ٩٧

عن الشعبي، قال: نزل عمر رضي الله عنه بالرَّوْحاء، فرأى ناسًا يَبْتَدِرُون أحجارًا، فقال: ما هذا؟ فقالوا: يقولون: إنّ النبي ﷺ صَلّى إلى هذه الأحجار. فقال: سبحان الله، ما كان رسول الله ﷺ إلا راكبًا مَرَّ بوادٍ، فحضرت الصلاة، فصلّى. ثم حدَّث، فقال: إني كنت أغْشى اليهودَ يومَ دراستهم، فقالوا: ما من أصحابك أحد أكرم علينا منك، لأنك تأتينا. قلت: وما ذاك إلا أنِّي أعجب من كتب الله كيف يُصَدِّق بعضها بعضا! كيف تصدق التوراةُ الفرقانَ، والفرقانُ التوراةَ! فمَرَّ النبي ﷺ يومًا وأنا أكلمهم، فقلت: أنشدكم بالله وما تقرؤون من كتابه، أتعلمون أنه رسول الله؟ قالوا: نعم. فقلت: هلكتم، واللهِ، تعلمون أنه رسول الله ثم لا تتبعونه! فقالوا: لم نهلك، ولكن سألناه: من يأتيه بنبوته؟ فقال: عدونا جبريل؛ لأنه ينزل بالغلظة والشدة والحرب والهلاك ونحو هذا. فقلت: فمن سِلْمُكم من الملائكة؟ فقالوا: ميكائيل؛ ينزل بالقطر والرحمة وكذا. قلت: وكيف منزلتهما من ربهما؟ فقالوا: أحدهما عن يمينه، والآخَر من الجانِب الآخَر. قلت: فإنه لا يَحِلُّ لجبريل أن يُعادِي ميكائيل، ولا يَحِلُّ لميكائيل أن يُسالِم عَدُوَّ جبريل، وإني أشْهَد أنهما وربهما سِلْمٌ لِمَن سالَمُوا، وحَرْبٌ لِمَن حارَبوا. ثم أتيتُ النبي ﷺ وأنا أريد أن أخبره، فلما لقيته قال: «ألا أُخبرك بآيات أنزلت عَلَيَّ!». قلت: بلى، يا رسول الله. فقرأ: ﴿من كان عدوا لجبريل﴾ حتى بلغ: ﴿للكافرين﴾. قلت: يا رسول الله، والله ما قمتُ من عند اليهود إلا إليك لأخبرك بما قالوا ِلي وقلتُ لهم، فوجدت الله قد سبقني

سبق ذكرُ الخلاف في معنى القُرْء. ورَجّح ابنُ تيمية (١‏/‏٥٢٢) القولَ بأنّه الحيض مستندًا إلى اللغة، وأقوال السلف، والدّلالات العقلية، فقال: «والقُرْءُ: هو الدم؛ لظهوره وخروجه، وكذلك الوقت؛ فإنّ التوقيت إنما يكون بالأمر الظاهر. ثُمَّ الطهر يدخل في اسم القُرْءِ تَبَعًا كما يدخل الليلُ في اسم اليوم، قال النبي ﷺ للمستحاضة: «دَعِي الصلاة أيام أقْرائِك». والطُّهْرُ الذي يَتَعَقَّبُهُ حيض هو قُرْءٌ، فالقُرْءُ اسمٌ للجميع. وأما الطُّهْرُ المُجَرَّدُ فلا يُسَمّى قُرْءًا؛ ولهذا إذا طلقت في أثناء حيضة لم تعتد بذلك قُرْءًا؛ لأن عليها أن تَعْتَدَّ بثلاثة قُرُوء، وإذا طُلِّقَتْ في أثناء طُهْرٍ كان القُرْءُ الحيضة مع ما تَقَدَّمها من الطُّهْر؛ ولهذا كان أكابرُ الصحابة على أنّ الأقراءَ الحِيَضُ؛ كعمر، وعثمان، وعلي، وأبي موسى، وغيرهم؛ لأنها مأمورة بتَرَبُّصِ ثلاثة قروء، فلو كان القرءُ هو الطُّهْرُ لكانت العدة قُرْأَين وبعضَ الثالث، فإنّ النِّزاع من الطائفتين في الحيضة الثالثة، فإنّ أكابر الصحابة ومَن وافقهم يقولون: هو أحقُّ بها ما لم تغتسل من الحيضة الثالثة. وصغار الصحابة إذا طعنت في الحيضة الثالثة فقد حَلَّتْ. فقد ثبت بالنص والإجماع أنّ السُّنَّة أن يُطَلِّقها طاهرًا من غير جماع، وقد مضى بعض الطُّهْرِ، والله أمر أن يطلق لاستقبال العِدَّة لا في أثناء العدة. وقوله: ﴿ثلاثة قروء﴾ عددٌ ليس هو كقوله: أشهر؛ فإنّ ذاك صيغة جمع لا عدد، فلا بُدَّ مِن ثلاثة قروء كما أمر الله، لا يكفي بعض الثالث». وإلى نحوه ذَهَبَ ابنُ جرير (٤‏/‏١٠٢)

أفادت الآثار اختلاف المفسرين في معنى قوله تعالى: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أنْفُسَكُمْ لا يَضُرُّكُمْ مَن ضَلَّ إذا اهْتَدَيْتُمْ﴾ على أقوال: الأول: يا أيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم إذا أمرتم بالمعروف ونهيتم عن المنكر فلم يُقْبَل منكم. الثاني: أن العبد إذا عمل بطاعة الله لم يضره من ضل بعده وهلك. الثالث: لا يضركم من حاد عن قصد السبيل وكفر بالله من أهل الكتاب. الرابع: عُنِي بذلك كل من ضل عن دين الله الحق. وقد رجَّح ابنُ جرير (٩‏/‏٥٤) مستندًا إلى السنة، والدلالة العقلية القول الثالث، فقال: «لأنّ الله -تعالى ذِكْرُه- أمر المؤمنين أن يقوموا بالقسط، ويتعاونوا على البر والتقوى، ومن القيام بالقسط الأخذ على يَدَيِ الظالم، ومن التعاون على البر والتقوى الأمر بالمعروف، وهذا مع ما تظاهرت به الأخبار عن رسول ﷺ من أمره بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. ولو كان للناس ترك ذلك لم يكن للأمر به معنًى إلا في الحال التي رخص فيه رسول الله ﷺ ترك ذلك، وهي حال العجز عن القيام به بالجوارح الظاهرة، فيكون مرخَّصًا له تركه، إذا قام حينئذٍ بأداء فرض الله عليه في ذلك بقلبه». وذكر ابنُ عطية (٣‏/‏٢٧٩) حديث أبي أمية الشعباني، ثم رجَّحه مستندًا إلى السنة قائلًا: «وهذا هو التأويل الذي لا نظر لأحد معه؛ لأنه مستوفٍ للصلاح، صادر عن النبي عليه الصلاة والسلام». ونقل ابنُ عطية (٣‏/‏٢٨٠) عن المهدوي قوله: «وقد قيل: هي منسوخة بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر». ثم انتقده قائلًا: «وهذا ضعيف، ولا يعلم قائله»

اختُلف في معنى: «الشَّفع والوتر» على أقوال: الأول: الشَّفع: يوم النَّحر، والوتر: يوم عرفة. الثاني: الشَّفع: اليومان بعد يوم النحر، والوتر: اليوم الثالث. الثالث: الشَّفع: الخَلْق كلّه، والوتر: الله. الرابع: الشَّفع والوتر: الخَلْق كلّه. الخامس: الصلاة المكتوبة؛ منها الشَّفع، ومنها الوتر. السادس: العدد؛ منه الشَّفع، ومنه الوتر. السابع: الشَّفع الركعتان من المغرب، والوتر الركعة الثالثة. الثامن: الشَّفع الأيام والليالي، والوتر يوم القيامة لأنه لا ليل بعده. التاسع: الشَّفع آدم وحواء عليهما السلام، والوتر الله عز وجل. ورجَّح ابنُ جرير (٢٤‏/‏٣٥٥) العموم، فقال: «إنّ الله -تعالى ذِكْره- أقسم بالشَّفع والوتر، ولم يَخْصُص نوعًا من الشَّفع ولا من الوتر دون نوعٍ بخبرٍ ولا عقلٍ، فكلّ شفعٍ ووترٍ فهو مما أقسم به مما قال أهل التأويل إنه داخلٌ في قَسَمه هذا؛ لعموم قَسَمه بذلك». وزاد ابنُ عطية (٨‏/‏٦٠٥-٦٠٦) أقوالًا أخرى نقلها عن آخرين، فقال: «وقيل: الشَّفع: الصفا والمروة، والوتر: البيت. وقال الحسين بن الفضل: الشَّفع: أبواب الجنة لأنها ثمانية أبواب، والوتر: أبواب النار لأنها سبعة أبواب. وقال مقاتل: الشفع: الأيام والليالي، والوتر:يوم القيامة؛ لأنه لا ليل بعده. وقال أبو بكر الوَرّاق: الشَّفع: تضاد أوصاف المخلوقين كالعِزِّ والذُّل ونحوه، والوتر: اتحاد صفات الله تعالى، عِزٌّ محض وكرمٌ محض، ونحوه. وقيل: الشَّفع: قِرانُ الحج والعمرة، والوتر: الإفراد بالحج... وقال بعض المفسرين: الشَّفع: حواء، والوتر: آدم عليهما السلام... وقال بعض العلماء: الشَّفع: تنفُّلُ الليل مثنى مثنى، والوتر: الركعة الأخيرة المعروفة»

سورة آل عمران — الآية ١٣٥

عن عبد الله بن عباس -من طريق الكلبي، عن أبي صالح- قال: إنّ رجلين أنصارِيًّا وثقفِيًّا آخى رسولُ الله ﷺ بينهما، فكانا لا يفتَرِقان، فخرج رسولُ الله ﷺ في بعض مغازيه، وخرج معه الثقفيُّ، وخَلَّفَ الأنصاريَّ في أهله وحاجته، وكان يتعاهدُ أهلَ الثقفيِّ، فأقبل ذات يوم، فأبصر امرأةَ صاحبه قد اغتسلَت وهي ناشِرَةٌ شعرَها، فوقعَتْ في نفسه، فدخل ولم يستأذن حتى انتهى إليها، فذهب ليُقَبِّلها، فوضعَتْ كفَّها على وجهها، فقبَّل ظاهِر كفِّها، ثُمَّ نَدَم واسْتَحْيا، فأدبر راجِعًا، فقالتْ: سبحان الله! خُنتَ أمانتَك، وعصيتَ ربَّك، ولَمْ تُصِب حاجتَك. قال: فندِم على صنيعه، فخرج يَسِيحُ في الجبال، ويتوبُ إلى الله تعالى مِن ذنبه، حتى وافى الثقفيُّ، فأخبرته أهلُه بفعله، فخرج يطلبه حتى دُلَّ عليه، فوافقه ساجدًا وهو يقول: ربِّ، ذنبي، قد خُنتُ أخي. فقال له: يا فلان، قُمْ فانطلِق إلى رسول الله ﷺ، فسلْه عن ذنبِك؛ لعلَّ الله أن يجعل له فرجًا وتوبةً. فأقبل معه حتى رجع إلى المدينة، وكان ذات يوم عند صلاة العصر نزل جبريل عليه السلام بتوبته، فتلا على رسول الله ﷺ: ﴿والذين إذا فعلوا فاحشة﴾ إلى قوله: ﴿ونعم أجر العاملين﴾. فقال عمرُ: يا رسول الله، أخاصٌّ هذا لهذا الرجلِ، أم للناسِ عامَّةً؟ قال: «بل للناسِ عامَّةً»

سورة البقرة — الآية ٢٠٧

قال مقاتل بن سليمان: ﴿ومِنَ النّاسِ مَن يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغاءَ مَرْضاتِ اللَّهِ﴾، وذلك أنّ كفارَ مكة أخذوا عمارًا وبلالًا وخَبّابًا وصُهَيْبًا، فعذبوهم لإسلامهم، حتى يشتموا النبي ﷺ، فأمّا صُهَيْب بن سِنان مَوْلى عبد الله بن جَدْعان القُرَشِيّ -وكان شخصًا ضعيفًا- فقال لأهل مكة: لا تُعَذِّبوني، هل لكم إلى خير؟ قالوا: وما هو؟ قال: أنا شيخ كبير، لا يَضُرُّكم إن كنت معكم أو مع غيركم، لَئِن كنتُ معكم لا أنفعكم، ولَئِن كنتُ مع غيركم لا أضُرُّكم، وإنّ لي عليكم لَحَقًّا لِخدمتي وجواري إيّاكم، فقد علمتُ أنّكم إنَّما تريدون مالي، وما تريدون نفسي، فخذوا مالي، واتركوني وديني، غَيْرَ راحلةٍ، فإنْ أردتُ أن ألحق بالمدينة فلا تمنعوني. فقال بعضهم لبعض: صَدَقَ، خذوا ماله؛ فتَعاوَنُوا به على عدوِّكم. ففعلوا ذلك، فاشترى نفسه بماله كله غَيْرَ راحلة، واشترط ألا يُمْنَع عن صلاة ولا هجرة، فأقام بين أظهرهم ما شاء الله، ثُمَّ ركب راحلته نهارًا حَتّى أتى المدينة مهاجرًا، فلقيه أبو بكر الصديق، فقال: رَبِح البيعُ، يا صُهَيْب. فقال: وبيعك لا يخسر. فقال أبو بكر: قد أنزل الله فيك: ﴿ومِنَ النّاسِ مَن يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغاءَ مَرْضاتِ اللَّهِ واللَّهُ رَؤُفٌ بِالعِبادِ﴾. يعني: للفعل؛ فعل الروميِّ صُهَيْب بن سنان، مولى عبد الله بن جدعان...

سورة التوبة — الآية ٧٧

عن قتادة بن دعامة -من طريق سعيد- في قوله: ﴿بما أخلفُوا الله ما وعدوهُ وبما كانوا يكذبون﴾، قال: اجْتَنِبُوا الكَذِبَ؛ فإنّه بابٌ مِن النِّفاق، وعليكم بالصِّدق؛ فإنّه بابٌ مِن الإيمان. وذُكر لنا: أنّ نبيَّ الله ﷺ حدَّث: «أنّ موسى لَمّا جاء بالتوراة بني إسرائيل؛ قالت بنو إسرائيلَ: إنّ التوراة كثيرةٌ، وإنّا لا نفرغ لها، فسلْ لنا جِماعًا مِن الأمر نُحافِظْ عليه، ونتفرَّغ لمعايِشنا. قال: مهلًا مهلًا، أي قومِ، هذا كتابُ الله، وبيانُ الله، ونورُ الله، وعصمةُ الله. فردُّوا عليه مِثْلَ مقالتهم، فعلَ ذلك ثلاث مراتٍ، فقال الربُّ -تبارك وتعالى-: فإنِّي آمُرُهم بثلاثٍ، إن هم حافظوا عليهنَّ دخلوا الجنة بهنَّ؛ أن يتناهوا إلى قسمة مواريثهم ولا يتظالموا فيها، وألّا يُدْخِلوا أبصارهم البيوت حتى يؤذن لهم، وألّا يُطْعِموا طعامًا حتى يتوضئوا كوضوء الصلاةِ. فرجع موسى إلى قومه بِهِنَّ، ففرِحوا، ورأوْا أن سيقومون بهنَّ، فواللهِ، إن لَبِثَ القومُ إلّا قليلًا حتى جَنَحوا، فانقطع بهم». فلمّا حدَّث نبيُّ الله ﷺ هذا عن بني إسرائيل قال: «تكفَّلُوا لي بسِتٍّ أتكفَّل لكم بالجنةِ: إذا حدَّثتم فلا تكْذِبوا، وإذا وعدتم فلا تُخْلِفوا، وإذا ائْتُمِنتُم فلا تخونوا، وغُضُّوا أبصاركم، وكفُّوا أيْديَكم، وفرُوجكم». قال قتادةُ: شِدادٌ -واللهِ- إلا مَن عَصَم اللهُ

سورة الأعراف — الآية ٦٥

عن عبد الله بن عباس -من طريق مقاتل عن الضحاك، ومن طريق ابن إسحاق عن رجال سمّاهم، ومن طريق الكلبي- قالوا جميعًا: إنّ عادًا كانوا أصحاب أوثانٍ يعبُدُونها، اتخذوا أصنامًا على مثال وُدٍّ، وسُواعٍ، ويَغُوثَ، ونَسْرٍ، فاتَّخذوا صَنَمًا يُقال له: صَمُودُ، وصَنمًا يقال له: الهتالُ، فبعث الله إليهم هودًا، وكان هودٌ مِن قبيلة يُقال لها: الخلودُ، وكان مِن أوسطِهم نَسَبًا، وأفضلِهم موضعًا، وأشرفِهم نفسًا، وأصبَحِهم وجهًا، وكان في مثل أجسادهم، أبيضَ، جَعْدًا، باديَ العَنفَقَةِ، طويلَ اللحية، فدعاهم إلى الله، وأمرهم أن يُوَحِّدوه، وأن يَكُفُّوا عن ظلم الناس، ولم يأمرْهم بغير ذلك، ولم يَدْعُهم إلى شريعة ولا إلى صلاةٍ، فأبَوْا ذلك، وكذَّبوه، وقالوا: ﴿من أشدُّ منا قوةً﴾ [فصلت:١٥]. فذلك قولُه تعالى: ﴿وإلى عادٍ أخاهُم هودًا﴾ كان من قومهم، ولم يكنْ أخاهم في الدينِ، ﴿قال يا قومِ اعبُدُوا الله﴾ يعني: وحِّدُوا اللهَ، ولا تُشرِكوا به شيئًا، ﴿مّا لكم﴾ يقول: ليس لكم مِن إله غيرُه، ﴿أفلا تتقُون﴾ يعني: فكيف لا تتَّقون؟ ﴿واذكرُوا إذ جعلكُم خلفآء﴾ يعني: سُكّانًا في الأرض ﴿من بعد قومِ نوحٍ﴾ فكيف لا تعتبِروا فتؤمِنوا، وقد علِمتُم ما نَزَل بقوم نوح مِن النِّقمة حين عصَوه؟! ﴿فاذكروا آلاء اللهِ لعلكم﴾ يعني: هذه النعم، ﴿لعلكُم تُفلحونَ﴾ أي: كي تُفلِحوا. وكانت منازلهُم بالأحقافِ، والأحقافُ: الرَّمْلُ فيما بين عُمان إلى حضرموتَ باليمن، وكانوا مع ذلك قد أفسَدوا في الأرض كلِّها، وقهَروا أهلَها بفضل قوَّتِهم التي آتاهم اللهُ

سورة الأعراف — الآية ١٥٧

عن ثعلبة بن مالك، عن عمر بن الخطاب: أنّه سأل أبا مالك عن صفة النبي ﷺ في التوراة -وكان من علماء اليهود-، فقال: صفته في كتاب بني هارون الذي لم يُغَيَّر ولم يُبَدَّل: أحد من ولد إسماعيل بن إبراهيم، ومن آخر الأنبياء، وهو النبيُّ العربيُّ الذي يأتي بدين إبراهيم الحنيف، يأْتَزِر على وسطه، ويغسل أطرافه، في عينيه حُمْرَة، وبين كتفيه خاتم النبوة مِثْلُ زِرِّ الحَجَلَة، ليس بالقصير ولا بالطويل، يلبس الشَّملة، ويجري بالبغلة، ويركب الحمار، ويمشي في الأسواق، مَعَه حربٌ وقتلٌ وسَبْيٌ، سيفه على عاتقه، لا يُبالي مَن لَقِيَ مِن الناس، معه صلاةٌ لو كانت في قوم نوح ما أُهلِكوا بالطوفان، ولو كانت في عاد ما أُهلِكوا بالريح، ولو كانت في ثمود ما أُهلِكوا بالصيحة. مولده بمكة، ومنشأه بها، وبدء نبوته بها، ودار هجرته يثرب بين حَرَّةٍ ونَخْلٍ وسَبَخَة، وهو أُمِّيٌّ لا يكتب بيده، هو بجهاد، يحمد الله على كُلِّ شِدَّة ورخاء، سلطانه الشام، صاحبه من الملائكة جبرئيل، يلقى من قومه أذًى شديدًا، ويجبهونه جبهًا شديدًا، ثم يُدال على قومه، يحصرهم حصر الجَرِين، يكون له وقَعات في يثرب، منها له، ومنها عليه، ثم يكون له العاقبة بَعْدُ، ومعه أقوامٌ هُمْ إلى الموت أسرعُ من الماء من رأس الجبل إلى أسفله، صدورهم أناجيلُهم، قُربانُهم دِماؤُهم، ليوث النهار ورهبان بالليل، يُرْعَبُ منه عدوُّه بمسيرة شهر، يُباشِر القتال بنفسه حتى يُجرَح ويُكلَم، لا شُرْطَةَ معه، ولا حرس يحرُسه