عن عبد الله بن عباس -من طريق سعيد بن جبير- قال: إنّ أوَّلَ مَن سعى بين الصفا والمروة لَأُمُّ إسماعيل، وإنّ أول ما أحدث نساءُ العرب جَرَّ الذيول لَمِن أُمِّ إسماعيل. قال: لَمّا فَرَّت مِن سارة أرْخَتْ مِن ذيلها لِتُعْفِي أثرَها، فجاء بها إبراهيم ومعها إسماعيل حتى انتهى بهما إلى موضع البيت، فوضعهما، ثم رجع، فاتبعته، فقالت: إلى أيِّ شيء تَكِلُنا؟ إلى طعام تَكِلُنا؟ إلى شراب تَكِلُنا؟ فجعل لا يَرُدُّ عليها شيئًا، فقالت: اللهُ أمرك بهذا؟ قال: نعم. قالت: إذن لا يُضَيِّعَنا. قال: فرَجَعَتْ، ومضى حتى إذا استوى على ثنية كَداء أقبل على الوادي، فدعا، فقال: ﴿ربنا إني أسكنت من ذريتي بواد غير ذي زرع عند بيتك المحرم، ربنا ليقيموا الصلاة، فاجعل أفئدة من الناس تهوي إليهم، وارزقهم من الثمرات لعلهم يشكرون﴾. قال: ومع الإنسانة شَنَّةٌ فيها ماء، فنَفِد الماء، فعَطِشَتْ، وانقطع لبنها، فعَطِش الصبيُّ، فنظرت أيّ الجبال أدنى مِن الأرض، فصعِدت بالصَّفا، فتَسَمَّعَتْ هل تسمع صوتًا أو ترى أنِيسًا، فلم تسمع، فانحدرت، فلمّا أتت على الوادي سَعَتْ وما تريد السعي، كالإنسان المجهود الذي يسعى وما يريد السعي، فنَظَرَتْ أيَّ الجبال أدنى مِن الأرض، فصعدت المروةُ، فتَسَمَّعَتْ هل تسمع صوتًا، أو ترى أنيسًا، فسمعت صوتًا، فقالت كالإنسان الذي يُكَذِّب سمعَه: صَه. حتى استيقنت، فقالت: قد أسمعتني صوتَك، فأغِثْنِي، فقد هلكتُ وهلك مَن معي. فجاء الملَك، فجاء بها حتى انتهى بها إلى موضع زمزم، فضرب بقدمه، ففارَتْ عينًا، فعَجِلَت الإنسانةُ، فجعلت في شَنّتها، فقال رسول الله ﷺ: «رَحِم اللهُ أمَّ إسماعيل، لولا أنّها عجِلت لكانت زمزمُ عينًا مَعِينًا». وقال لها الملَك: لا تخافي الظَّمَأَ على أهل هذا البلد، فإنّما هي عين لِشُرب ضيفان الله. وقال: إنّ أبا هذا الغلام سيجيء، فيبنيان لله بيتًا هذا موضعه. قال: ومرَّتْ رِفقةٌ مِن جُرْهُم تريد الشام، فرأوا الطيرَ على الجبل، فقالوا: إنّ هذا الطيرَ لَعائِفٌ على ماء، فهل علمتم بهذا الوادي مِن ماء؟ فقالوا: لا. فأَشْرَفُوا، فإذا هم بالإنسانة، فأَتَوْها، فطلبوا إليها أن ينزلوا معها، فأَذِنَت لهم. قال: وأتى عليها ما يأتي على هؤلاء الناس مِن الموت، فماتت، وتزوَّج إسماعيلُ امرأةَ منهم، فجاء إبراهيمُ، فسأل عن منزل إسماعيل حتى دَلَّ عليه، فلم يجِدْه، ووجد امرأةً له فظَّةً غليظة، فقال لها: إذا جاء زوجُكِ فقولي له: جاء ههنا شيخٌ مِن صفته كذا وكذا، وإنّه يقول لك: إنِّي لا أرضى لك عَتَبَةَ بابك، فحوِّلها. وانطَلَق، فلمّا جاء إسماعيل أخبرته، فقال: ذاك أبي، وأنتِ عَتَبَة بابي. فطلَّقها، وتزَوَّج امرأة أخرى منهم، وجاء إبراهيم حتى انتهى إلى منزل إسماعيل، فلم يجده، ووجد امرأةً له سهلة طَلِيقَةً، فقال لها: أين انطلَق زوجُك؟ فقالت: انطَلَق إلى الصيد. قال: فما طعامكم؟ قالت: اللحم، والماء. قال: اللَّهُمَّ، بارِك لهم في لحمهم ومائهم، اللَّهُمَّ، بارك لهم في لحمهم ومائهم. ثلاثًا، وقال لها: إذا جاء زوجُكِ فأخبريه، قولي: جاء ههنا شيخ مِن صفته كذا وكذا، وإنّه يقول لك: قد رضيتُ لكَ عَتَبَةَ بابك، فأَثْبِتْها، فلمّا جاء إسماعيلُ أخبرته، قال: ثم جاء الثالثة، فرفعا القواعد مِن البيت
قال ابنُ جرير (٢/١٥٣): «يعني بالأميين: الذين لا يكتبون ولا يقرءون، ومنه قول النبي ﷺ: «إنا أُمَّة أُمِّيَّة، لا نكتب، ولا نحسب»، يقال منه: رجل أمي بيِّنُ الأمية». ثُمَّ رجَّح (٢/١٥٤) هذا المعنى مستندًا إلى موافقته للغة العرب، فقال: «فإذا كان معنى الأمي في كلام العرب ما وصفنا؛ فالذي هو أولى بتأويل الآية ما قاله النخعي من أنّ معنى قوله: ﴿ومنهم أميون﴾: ومنهم من لا يحسن أن يكتب». وكذا رجَّحه ابنُ كثير (١/٤٦٤)، وقال: «وهو ظاهر في قوله تعالى: ﴿لا يعلمون الكتاب إلا أماني﴾، أي: لا يدرون ما فيه، ولهذا في صفات النبي ﷺ أنه أمي؛ لأنه لم يكن يُحْسِن الكتابة، كما قال تعالى: ﴿وما كنت تتلو من قبله من كتاب ولا تخطه بيمينك إذا لارتاب المبطلون﴾ [العنكبوت:٤٨]، وقال -عليه الصلاة والسلام-: «إنا أُمَّة أُمِّيَّة، لا نكتب، ولا نحسب، الشهر هكذا وهكذا وهكذا» الحديث. أي: لا نفتقر في عباداتنا ومواقيتها إلى كتاب ولا حساب، وقال تعالى: ﴿هو الذي بعث في الأميين رسولا منهم﴾ [الجمعة:٢]». وأما ابن تيمية (١/٢٤٩-٢٥٠) فقد ذكر معنيين لكلمة أُمِّيٍّ، فقال: «ويقال: الأُمِّيّ لمن لا يقرأ ولا يكتب كتابًا، ثم يقال لمن ليس لهم كتاب منزل من الله يقرءونه وإن كان قد يكتب ويقرأ ما لم ينزل، وبهذا المعنى كان العرب كلهم أميين؛ فإنه لم يكن عندهم كتاب منزل من الله، قال الله تعالى: ﴿وقل للذين أوتوا الكتاب والأميين أأسلمتم﴾، وقال: ﴿هو الذي بعث في الأميين رسولا منهم﴾، وقد كان في العرب كثير ممن يكتب ويقرأ المكتوب، وكلهم أميون، فلما نزل القرآن عليهم لم يبقوا أميين باعتبار أنهم لا يقرءون كتابًا من حفظهم، بل هم يقرءون القرآن من حفظهم وأناجيلهم في صدورهم، لكن بقوا أميين باعتبار أنهم لا يحتاجون إلى كتابة دينهم، بل قرآنهم محفوظ في قلوبهم، كما في الحديث: «وأنزلتُ عليك كتابًا لا يغسله الماء، تقرؤه نائمًا ويقظانَ»... وقوله: ﴿فَآمِنُوا بِاللَّهِ ورَسُولِهِ النَّبِيِّ الأُمِّيِّ﴾ هو أُمِّيٌّ بهذا الاعتبار؛ لأنه لا يكتب، ولا يقرأ ما في الكتب، لا باعتبار أنه لا يقرأ من حفظه، بل كان يحفظ القرآن أحسن حفظ». وبيَّن ابنُ جرير (٢/١٥٤) وجه التسمية بالأمي، فقال: «وأرى أنه قيل للأمي: أمي -نسبةً له بأنه لا يكتب- إلى أُمِّه؛ لأنّ الكتابَ كان في الرجال دون النساء، فنسب من لا يكتب ولا يخط من الرجال إلى أمه في جهله بالكتابة، دون أبيه». وزاد ابنُ عطية (١/٢٦٢) فقال: «وإما لأنّه بحالٍ ولدته أمه فيها لم ينتقل عنها. وقيل: نسب إلى الأُمَّة، وهي القامة والخلقة، كأنه ليس له من الآدميين إلا ذلك. وقيل: نسب إلى الأَمَة على سذاجتها قبل أن تعرف المعارف، فإنها لا تقرأ ولا تكتب». وأما ابنُ تيمية (١/٢٤٩) فرجَّح أنه نسبة إلى الأُمَّة، كما يقال عامي نسبة إلى العامة التي لم تتميز عن العامة بما تمتاز به الخاصة، وكذلك هذا، لم يتميز عن الأمة بما يمتاز به الخاصة من الكتابة والقراءة
اختلف السلف في المعني بالحفدة على أقوال: الأول: الأختان. الثاني: أعوان الرجل وخدمه. الثالث: ولد الرجل، وولد ولده. الرابع: بنو امرأة الرجل من غيره. ووجّه ابن عطية (٥/٣٨٣) القول الثالث، فقال: «وقالت فرقة: الحفدة: هم البنون. وهذا يستقيم على أن تكون الواو عاطفة صفة لهم، كما لو قال: جعلنا لهم بنين وأعوانًا، أي: وهم لهم أعوان، فكأنه قال: وهم حفدة». وقد رجّح ابنُ جرير (١٤/٣٠٣-٣٠٤ بتصرف) مستندًا إلى اللغة أن الحفدة: هم المسرعون في خدمة الرجل، وأن ذلك يعم جميع هذه الأقوال، فقال: «والحفدة في كلام العرب: جمع حافد، والحافد في كلامهم: هو المتخفف في الخدمة والعمل، والحفد: خفة العمل، يقال: مر البعير يحفد حفدانًا: إذا مر يسرع في سيره، ومنه قولهم: إليك نسعى ونحفد، أي: نسرع إلى العمل بطاعتك... وإذ كان معنى الحفدة ما ذكرنا من أنهم المسرعون في خدمة الرجل المتخففون فيها، وكان أولادنا وأزواجنا الذين يصلحون للخدمة منا ومن غيرنا، وأختاننا الذين هم أزواج بناتنا من أزواجنا، وخدمنا من مماليكنا، إذا كانوا يحفدوننا فيستحقون اسم حفدة، ولم يكن الله تعالى دل بظاهر تنزيله ولا على لسان رسوله ﷺ ولا بحجة عقل على أنه عنى بذلك نوعًا من الحفدة دون نوع منهم، وكان قد أنعم بكل ذلك علينا؛ لم يكن لنا أن نوجه ذلك إلى خاص من الحفدة دون عام، إلا ما اجتمعت الأمة عليه أنه غير داخل فيهم، وإذا كان ذلك كذلك فلكل الأقوال التي ذكرنا عمن ذكرنا وجه في الصحة، ومخرج في التأويل، وإن كان أولى بالصواب من القول ما اخترنا لما بينا من الدليل». وذكر ابنُ عطية (٥/٣٨٣-٣٨٤) هذه الأقوال، ثم علَّق قائلًا: «ولا خلاف أن معنى الحفد: الخدمة، والبر، والمشي مسرعًا في الطاعة، ومنه في القنوت: «وإليك نسعى ونحفد»... وهذه الفرق التي ذكرت أقوالها إنما بَنَتْ على أنّ كل أحد جعل له من زوجه بنون وحفدة، وهذا إنما هو في الغالب وعظم الناس». ثم ذكر احتمالًا آخر، فقال: «ويحتمل عندي أن قوله: ﴿من أزواجكم﴾ إنما هو على العموم والاشتراك، أي: من أزواج البشر جعل الله لهم البنين، ومنهم جعل الخدمة فمن لم تكن له قط زوجة فقد جعل الله له حفدة، وحصل تحت النعمة، وأولئك الحفدة هم من الأزواج، وهكذا تترتب النعمة التي تشمل جميع العالم، وتستقيم لفظة»الحفدة«على مجراها في اللغة، إذ البشر بجملتهم لا يستغني أحد منهم عن حفدة». وعلَّق ابنُ كثير (٨/٣٣٢-٣٣٣) عليها قائلًا: «فمن جعل ﴿وحفدة﴾ متعلقًا بـ﴿أزواجكم﴾ فلا بد أن يكون المراد: الأولاد، وأولاد الأولاد، والأصهار؛ لأنهم أزواج البنات، وأولاد الزوجة. وكما قال الشعبي والضحاك، فإنهم غالبًا يكونون تحت كنف الرجل، وفي حجره، وفي خدمته. وقد يكون هذا هو المراد من قوله عليه الصلاة والسلام في حديث بصرة بن أكثم: «والولد عبد لك». رواه أبو داود. وأما من جعل الحفدة: هم الخدم؛ فعنده أنه معطوف على قوله: ﴿والله جعل لكم من أنفسكم أزواجا﴾، أي: وجعل لكم الأزواج والأولاد، [وجعل لكم خدامًا]»
عن أنس -من طريق شريك بن عبد الله بن أبي نَمِر- قال: ليلة أُسري برسول الله ﷺ مِن مسجد الكعبة جاءه ثلاثةُ نفرٍ قبل أن يُوحى إليه[[c=٣٧٨٦]] وهو نائمٌ في المسجد الحرام، فقال أوَّلُهم: أيُّهم هو؟ فقال أوسطُهم: هو خيرُهم. فقال أحدُهم: خُذوا خيرَهم. فكانت تلك الليلة[[قال ابن حجر في فتح الباري ١٣/٤٨٠: التقدير: فكانت القصة الواقعة تلك الليلة ما ذكر هنا.]]، فلم يَرَهم حتى أتَوه ليلةً أخرى، فيما يَرى قلبُه، وتنام عيناه ولا ينامُ قلبُه، وكذلك الأنبياء تنامُ أعينُهم ولا تنامُ قلوبُهم، فلم يكلِّمُوه حتى احتمَلوه، فوضَعوه عند بئر زمزم، فتولّاه منهم جبريل، فشقَّ جبريل ما بين نحرِه إلى لَبَّتِه[[اللبة: هي موضع القلادة من الصدر. المصدر السابق.]]. حتى فرَغ مِن صدرِه وجوفِه، فغسَله مِن ماءِ زمزمَ بيده حتى أنقى جوفَه، ثم أتى بطَستٍ مِن ذهب تَورٌ[[التور: إناء يُشرب فيه. لسان العرب (تور).]] مِن ذهب مَحْشُوًّا[[قال ابن حجر في فتح الباري ١٣/٤٨١: كذا وقع بالنصب، وأعرب بأنه حال من الضمير الجار والمجرور، والتقدير: كائن من ذهب. فنقل الضمير من اسم الفاعل إلى الجار والمجرور.]] إيمانًا وحكمة، فحشا به صدرَه ولغاديدَه -يعني: عروقَ حلقِه-، ثم أطبَقه، ثم عرَج به إلى السماء الدنيا، فضرَب بابًا من أبوابها، فقيل: من هذا؟ قال: جبريل. قيل: ومَن معك؟ قال: محمد. قيل: وقد بُعِث إليه؟ قال: نعم. قالوا: مرحبًا به وأهلًا. ووجَد في السماء الدنيا آدم، فقال له جبريل: هذا أبوك آدمُ، فسلِّم عليه. فسلَّم عليه، وردَّ عليه آدم، وقال: مرحبًا وأهلًا بابني، نِعمَ الابن أنت. فإذا هو في السماء الدنيا بنهرين يَطَّرِدان، فقال: «ما هذان النهران، يا جبريل؟». قال: هذا النيل والفرات عُنصَرُهما[[العنصر -بضم العين وفتح الصاد، وقد تضم-: الأصل. النهاية (عنصر).]]. ثم مضى به في السماء، فإذا هو بنهر آخر عليه قصر مِن لؤلؤ وزَبَرجَدٍ، فضرَب بيدِه فإذا هو مِسْكٌ أذفَرُ[[مسك أذفر: طيب الرائحة. النهاية ٢/١٦١.]]، قال: «ما هذا، يا جبريل؟». قال: هذا الكوثر الذي خَبَأ لك ربُّك. ثم عرج به إلى السماء الثانية، فقالت الملائكة له مثلَ ما قالت له الأولى: مَن هذا؟ قال: جبريل. قالوا: ومن معك؟ قال: محمد. قالوا: وقد بُعِث إليه؟ قال: نعم. قالوا: مرحبًا به وأهلًا. ثم عرج به إلى السماء الثالثة، فقالوا له مثل ما قالت الأولى والثانية، ثم عرج به إلى السماء الرابعة، فقالوا له مثل ذلك، ثم عرج به إلى الخامسة، فقالوا له مثل ذلك، ثم عرج به إلى السادسة، فقالوا له مثل ذلك، ثم عرج به إلى السابعة، فقالوا له مثل ذلك، كلُّ سماء فيها أنبياء قد سمّاهم؛ منهم إدريس في الثانية، وهارون في الرابعة، وآخر في الخامسة ولم أحفظِ اسمه، وإبراهيم في السادسة، وموسى في السابعة بتفضيل كلام الله، فقال موسى: ربِّ، لم أظنَّ أن ترفع عَلَيَّ أحدًا. ثم علا به فوق ذلك بما لا يعلمُه إلا الله، حتى جاء سدرة المنتهى، ودنا الجبار ربُّ العزَّةِ فتدلّى حتى كان منه قاب قوسين أو أدنى[[c=٣٧٨٧]]، فأوحى الله فيما يُوحِي إليه خمسين صلاة على أمتِك كلَّ يومٍ وليلة، ثم هبط حتى بلغ موسى، فاحتبسه موسى، فقال: يا محمد، ماذا عَهِد إليك ربُّك؟ قال: «عهِد إليَّ خمسين صلاة كل يوم وليلة». قال: إن أمتك لا تستطيع ذلك، ارجع فليخفف عنك ربُّك وعنهم. فالتفت النَّبي ﷺ إلى جبريل كأنه يستشيره، فأشار إليه جبريل أن نعم إن شِئت. فعلا به إلى الجبار -تبارك وتعالى-، فقال وهو مكانه: «يا ربِّ، خفِّف عنا، فإنّ أُمَّتي لا تستطيع هذا». فوضع عنه عشر صلوات، ثم رجَع إلى موسى، فاحتبَسه، فلم يَزَل يُرَدِّدُه موسى إلى ربِّه حتى صارت إلى خمس صلوات، ثم احتبسه موسى عند الخمس، فقال: يا محمد، واللهِ، لقد راودتُ بني إسرائيل على أدنى من هذا فضَعُفُوا وتركَوه، فأمتُك أضعف أجسادًا وقلوبًا وأبدانًا وأبصارًا وأسماعًا، فارجِع فليخفِّف عنك ربُّك. كلَّ ذلك يلتفت النَّبي ﷺ إلى جبريل ليُشير عليه ولا يَكرَهُ ذلك جبريل، فرفعه عند الخامسة، فقال: «يا رب، إن أمتي ضعفاء أجسادُهم وقلوبهم وأسماعهم وأبدانهم؛ فخفِّف عنا». فقال الجبار: يا محمد. قال: «لبيك وسعديك». قال: إنه لا يُبدَّلُ القول لديَّ؛ كما فرَضت عليك في أمِّ الكتاب، وكلُّ حسنة بعشر أمثالها، فهي خمسون في أمِّ الكتاب، وهي خمسٌ عليك. فرجَع إلى موسى فقال: كيف فعلت؟ فقال: «خفَّف عنا؛ أعطانا بكلِّ حسنة عشر أمثالها». فقال موسى: قد -واللهِ- راودت بني إسرائيل على أدنى من ذلك فتركوه، ارجع إلى ربك فليخفِّف عنك. فقال رسول الله ﷺ: «يا موسى، قد -واللهِ- استحييت من ربي مما اختلفت إليه». قال: فاهبط بسم الله. واستيقظ وهو في المسجد الحرام[[أخرجه البخاري ٤/١٩١ (٣٥٧٠) مختصرًا، ٩/١٤٩-١٥١ (٧٥١٧)، ومسلم ١/١٤٨ (١٦٢)، وابن جرير ١٤/٤١٦-٤٢٠. قال مسلم: «قدم فيه شيئًا وأخر، وزاد ونقص». وقال النووي في شرح مسلم ٢/٢٠٩: «وقد جاء في رواية شريك في هذا الحديث في الكتاب أوهام أنكرها عليه العلماء، وقد نبه مسلم على ذلك بقوله: فقدم وأخر وزاد ونقص منها... قال الحافظ عبد الحق رحمه الله في كتابه الجمع بين الصحيحين بعد ذكر هذه الرواية هذا الحديث بهذا اللفظ من رواية شريك بن أبي نمر عن أنس: وقد زاد فيه زيادة مجهولة، وأتى فيه بألفاظ غير معروفة، وقد روى حديث الإسراء جماعة من الحفاظ المتقنين والأئمة المشهورين، كابن شهاب، وثابت البناني، وقتادة -يعني: عن أنس-، فلم يأت أحد منهم بما أتى به شريك، وشريك ليس بالحافظ عند أهل الحديث. قال: والأحاديث التي تقدمت قبل هذا هي المُعَوَّل عليها». وقال ابن كثير في تفسيره ٥/٧: «وهو كما قاله مسلم رحمه الله، فإنّ شريك بن عبد الله بن أبي نمر اضطرب في هذا الحديث، وساء حفظه ولم يضبطه». وقال الذهبي في ميزان الاعتدال ٢/٢٧٠: «هذا من غرائب الصحيح». وقال ابن حجر في الفتح ١٣/٤٨٤-٤٨٥: «قال -ابن حزم- لم نجد للبخاري ومسلم في كتابيهما شيئًا لا يحتمل مخرجًا إلا حديثين، ثم غلبه في تخريجه الوهم مع إتقانهما وصحة معرفتهما. فذكر هذا الحديث، وقال: فيه ألفاظ معجمة، والآفة من شريك». وقال ابن رجب في فتح الباري ٢/٣٢٠: «وهذه اللفظة مما تفرَّد بها شريك».]]
عن أبي سلمة الحضرمي، قال: جلستُ مع أبي سعيد الخدري وجابر بن عبد الله وهما يتحدثان، وقد ذهب بصرُ جابر، فجاء رجل فسلَّم، ثم جلس، فقال: يا أبا عبد الله، أرسلني إليك عروة بن الزبير أسألك فِيمَ هجر رسولُ الله ﷺ نساءه؟ فقال جابر: تركَنا رسول الله ﷺ يومًا وليلة لم يخرج إلى الصلاة، فأخَذَنا ما تقدَّم وما تأخر، فاجتمعنا ببابه، فنتكلم ليسمع كلامنا ويعلم مكاننا، فأطلنا الوقوف، فلم يأذن لنا، ولم يخرج إلينا، فقلنا: قد علم رسول الله ﷺ مكانكم، ولو أراد أن يأذن لكم لأذن، فتفرَّقوا لا تؤذوه. فتفرّق الناس غيرَ عمر بن الخطاب يتنحنح ويتكلم ويستأذن، حتى أذن له رسول الله ﷺ. قال عمر: فدخلتُ عليه، وهو واضعٌ يدَه على خدِّه أعرف به الكآبة، فقلت: أيْ نبيَّ الله، بأبي وأمي، ما الذي رابك؟ وما لقي الناس بعدك مِن فقْدِهم لرؤيتك؟! فقال: «يا عمر، سألنني أولاء ما ليس عندي -يعني: نساءه-، فذاك الذي بلغ بي ما ترى». فقلت: يا نبي الله، قد صككتُ جميلة بنت ثابت صكّة ألصقت خدها منها بالأرض؛ لأنها سألتني ما ليس عندي، وأنت يا رسول الله على موعد من ربك، وهو جاعِلٌ بعد العسر يسرًا. قال: فلم أزل أكلِّمه، حتى رأيتُ رسول الله ﷺ قد تحلّل عنه بعض ذلك، فخرجتُ فلقيتُ أبا بكر الصديق، فحدَّثته الحديث، فدخل أبو بكر على عائشة، فقال: قد علمتِ أنّ رسول الله ﷺ لا يَدَّخِرُ عنكُنَّ شيئًا، فلا تسأليه ما لا يجد، انظري حاجتك فاطلبيها إلَيَّ. وانطلق عمر إلى حفصة فذكر لها مثل ذلك، ثم اتبعا أمهات المؤمنين، فجعلا يذكران لهنَّ مثل ذلك؛ فأنزل الله تعالى في ذلك: ﴿يا أيُّها النبي قُلْ لِأَزْواجِكَ إنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الحَياةَ الدُّنْيا وزِينَتَها فَتَعالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وأُسَرِّحْكُنَّ سَراحًا جَمِيلًا﴾ يعني: متعة الطلاق، ويعني بتسريحهن: تطليقهن طلاقًا جميلًا، ﴿وإنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ اللَّهَ ورَسُولَهُ والدّارَ الآخِرَةَ فَإنَّ اللَّهَ أعَدَّ لِلْمُحْسِناتِ مِنكُنَّ أجْرًا عَظِيمًا﴾ فانطلق رسول الله ﷺ فبدأ بعائشة، فقال: «إنّ الله قد أمرني أن أخيّركن بين أن تخترن الله ورسوله والدار الآخرة، وبين أن تخترن الدنيا وزينتها، وقد بدأتُ بك، وأنا أخيّرك». قالت: وهل بدأتَ بأحدٍ منهن قبلي؟ قال: «لا». قالت: فإني أختار الله ورسوله والدار الآخرة، فاكتم عليَّ، ولا تخبر بذاك نساءك. قال رسول الله ﷺ: «بل أخبرهن به». فأخبرهن رسول الله ﷺ جميعًا، فاخترن الله ورسوله والدار الآخرة، فكان خياره بين الدنيا والآخرة: أتخترن الآخرة أو الدنيا؟ قال: ﴿وإنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ اللَّهَ ورَسُولَهُ والدّارَ الآخِرَةَ فَإنَّ اللَّهَ أعَدَّ لِلْمُحْسِناتِ مِنكُنَّ أجْرًا عَظِيمًا﴾ فاخترن أن لا يتزوجن بعده، ثم قال: ﴿يا نِساءَ النبي مَن يَأْتِ مِنكُنَّ بِفاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ﴾ يعني: الزنا، ﴿يُضاعَفْ لَها العَذابُ ضِعْفَيْنِ﴾ يعني: في الآخرة، ﴿وكانَ ذَلِكَ عَلى اللَّهِ يَسِيرًا * ومَن يَقْنُتْ مِنكُنَّ لِلَّهِ ورَسُولِهِ﴾ يعني: تطع الله ورسوله، ﴿وتَعْمَلْ صالِحًا نُؤْتِها أجْرَها مَرَّتَيْنِ﴾: مضاعفًا لها في الآخرة، ﴿وأَعْتَدْنا لَها رِزْقًا كَرِيمًا * يا نِساءَ النبي لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّساءِ إنِ اتَّقَيْتُنَّ فَلا تَخْضَعْنَ بِالقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ﴾ يقول: فجور، ﴿وقُلْنَ قَوْلًا مَعْرُوفًا * وقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ﴾ يقول: لا تخرجن من بيوتكن، ﴿ولا تَبَرَّجْنَ﴾ يعني: إلقاء القناع، فِعْلَ أهل الجاهلية الأولى. ثم قال جابر لأبي سعيد: ألم يكن الحديثُ هكذا؟ قال: بلى
عن محمد ابن شهاب الزهري، ومحمد بن يحيى بن حبان، وعاصم بن عمر بن قتادة، والحصين بن عبد الرحمن بن عمرو بن سعد بن معاذ، وغيرهم، كُلٌّ قد حَدَّث بعضَ الحديث عن يوم أحد، قالوا: لَمّا أُصِيبَتْ قريشٌ -أو مَن ناله منهم يومَ بدر مِن كفار قريش- ورجع فَلُّهُمْ إلى مكة، ورجع أبو سفيان بعِيرِه، مشى عبد اللهابن أبي ربيعة وعكرمة ابن أبي جهل وصفوان بن أمية في رجال من قريش مِمَّن أُصيب آباؤهم وأبناؤهم وإخوانهم ببدر، فكلَّموا أبا سفيان ابن حرب ومَن كانت له في تلك العِيرِ مِن قريش تجارة، فقالوا: يا معشر قريش، إنّ محمدًا قد وتَرَكُمْ، وقتل خياركم، فأعِينُوننا بهذا المال على حربه، لعلَّنا نُدرِك منه ثأرًا بمَن أصاب. ففعلوا، فاجتمعت قريش لحرب رسول الله - ﷺ -، وخرجت بحَدِّها وحديدها، وخرجوا معهم بالظُّعُنِ التماسَ الحَفِيظَةِ، ولِئَلّا يَفِرُّوا، وخرج أبو سفيان وهو قائد الناس، فأقبلوا حتى نزلوا بِعَيْنَيْنِ: جبل ببطن السَّبْخَةِ من قناةٍ على شفير الوادي مِمّا يلي المدينة. فلمّا سمع بهم رسولُ الله - ﷺ - والمسلمون -بالمشركين- قد نزلوا حيث نزلوا؛ قال رسول الله - ﷺ -: «إنِّي رأيتُ بقرًا تُنحَر، وأريت في ذُبابِ سيفي ثُلْمًا، ورأيت أنِّي أدْخَلْتُ يدي في دِرْعٍ حصينة، فأوَّلتُها المدينة، فإن رأيتُم أن تُقِيموا بالمدينةِ وتَدَعُوهم حيث نزلوا، فإن أقاموا أقاموا بشرِّ مقام، وإن هم دخلوا علينا قاتلناهم فيها». ونزلت قريش منزلها أحدًا يوم الأربعاء، فأقاموا ذلك اليوم ويوم الخميس ويوم الجمعة، وراح رسول الله - ﷺ - حين صلّى الجمعة، فأصبح بالشِّعْبِ مِن أُحُد، فالتَقَوْا يوم السبت للنصف من شوال سنة ثلاث، وكان رأيُ عبد الله بن أُبيٍّ مع رأي رسول الله - ﷺ - يرى رأيه في ذلك؛ أن لا يخرج إليهم، وكان رسول الله - ﷺ - يكره الخروج من المدينة، فقال رجال من المسلمين -مِمَّن أكرمَ اللهُ بالشهادة يوم أحد وغيرهم مِمَّن كان فاته يوم بدر وحضوره-: يا رسول الله، اخرج بنا إلى أعدائنا؛ لا يرون أنا جَبُنّا عنهم وضَعُفْنا. فقال عبد الله بن أُبَيٍّ: يا رسول الله، أقِم بالمدينة، فلا تخرج إليهم، فواللهِ، ما خرجنا منها إلى عدُوٍّ لنا قطُّ إلا أصاب مِنّا، ولا دخلها علينا إلا أصبنا منهم، فدعهم، يا رسول الله، فإن أقاموا أقاموا بِشَرٍّ، وإن دخلوا قاتلهم النساءُ والرجالُ والصبيانُ بالحجارة من فوقهم، وإن رجعوا رجعوا خائبين كما جاؤوا. فلم يَزَلِ الناسُ برسول الله - ﷺ - الذين كان مِن أمرهم حبُّ لقاء القوم؛ حتى دخل رسول الله - ﷺ - فلبس لَأْمَتَه، وذلك يوم الجمعة حين فرغ من الصلاة، ثم خرج عليهم وقد ندِم الناسُ، وقالوا: اسْتَكْرَهْنا رسولَ الله - ﷺ -، ولم يكن لنا ذلك، فإن شئت فاقعُدْ. فقال رسول الله - ﷺ -: «ما ينبغي لنبيٍّ إذا لبس لَأْمَتَهُأن يضعها حتى يُقاتِل». فخرج رسول الله - ﷺ - في ألف رجل مِن أصحابه، حتى إذا كانوا بالشَّوْط بين المدينة وأُحُدٍ تحوَّل عنه عبد الله بن أُبَيٍّ بثُلُثِ الناس، ومضى رسول الله - ﷺ - حتى سلك في حَرَّة بني حارثة، فذبَّ فرسٌ بذَنَبِه، فأصاب ذبابَ سيفٍ فاسْتَلَّه، فقال رسول الله - ﷺ - -وكان يُحِبُّ الفألَ ولا يعتافُ- لصاحب السيف: «شِمْ سيفَك؛ فإنِّي أرى السيوفَ سَتُسْتَلُّ اليومَ». ومضى رسول الله - ﷺ - حتى نزل بالشِّعْبِ مِن أُحُدٍ مِن عدْوَةِ الوادي إلى الجبل، فجعل ظهره وعسكره إلى أحد، وتَعَبَّأ رسولُ الله - ﷺ - للقتال، وهو في سبعمائة رجل، وأمَّر رسول الله - ﷺ - على الرُّماة عبد الله بن جُبَيْر، والرُّماةُ خمسون رجلًا، فقال: «انضَحْ عنّا الخيلَ بالنَّبْلِ، لا يأتونا مِن خلفنا، إن كان علينا أو لنا فأنت مكانَك، لا نُؤْتَيَنَّ مِن قِبَلِك». وظاهَرَ رسول الله - ﷺ - بين دِرْعَيْنِ
عن عبد الله بن عباس -من طريق الضحاك- قال: أعطى الله نوحًا عليه السلام في السفينة خرزتين؛ إحداهما بياضُها كبياض النهار، والأخرى سوادُها كسواد الليل، فإذا أمسَوا غلب سواد هذه بياض هذه، وإذا أصبحوا غلب بياض هذه سواد هذه، على قدر الساعات الاثنى عشر، فأول مَن قدَّر الساعات الاثني عشر لا يزيد بعضُها على بعض نوح عليه السلام في السفينة؛ ليعرف بها مواقيت الصلاة، فسارت السفينة مِن مكة حتى أخَذَت إلى اليمن، فبلغت الحبشة، ثم عدلت حتى رجعت إلى جدة، ثم أخَذَت على الروم، ثم جاوزت الروم، فأقبلت راجعة على جبال الأرض المقدسة، وأوحى الله إلى نوح عليه السلام أنها تستوي على رأس جبل، فعلِمت الجبال لذلك، فتَطَلَّعَت لذلك، وأخرجت أُصُولَها من الأرض، وجعل جُودِيٌّ يتواضع لله عز وجل، فجاءت السفينة حتى جاوزت الجبال كلها، فلما انتهت إلى الجودي استوت ورَسَت، فشَكَتِ الجبالُ إلى الله، فقالت: يا ربِّ، إنّا تَطَلَّعنا وأخرجنا أُصُولَنا مِن الأرض لسفينة نوح، وخَنَس جوديٌّ، فاستوت سفينة نوح عليه! فقال الله: إنِّي كذلك، مَن تواضع لي رفعتُه، ومَن ترفَّع لي وضَعْتُه. ويقال: إنّ الجوديَّ مِن جبال الجنة. فلمّا أن كان يوم عاشوراء اسْتَوَتِ السفينةُ عليه، وقال الله: ﴿يا أرض ابلعي مآءك﴾ بلغة الحبشة، ﴿ويا سماء أقلِعِي﴾ أي: أمسكي، بلغة الحبشة، فابتلعتِ الأرضُ ماءها، وارتفع ماءُ السماء حتى بلغ عنان السماء رجاء أن يعود إلى مكانه، فأوحى الله إليه: أن ارجع؛ فإنّك رِجْسٌ وغضب. فرجع الماء، فمَلُحَ وخَمَّ وتَرَدَّد، فأصاب الناسَ منه الأذى، فأرسل الله الريح، فجمعه في مواضع البحار، فصار زُعاقًا مالحًا لا يُنتَفَع به، وتَطَلَّع نوح فنظر، فإذا الشمس قد طلعت، وبدا له اليد من السماء، وكانت ذلك آية ما بينه وبين ربه عز وجل؛ أمان من الغرق، -واليد: القوس الذي يُسمُّونه: قوس قزح، ونُهي أن يقال: قوس قزح؛ لأنّ قزح شيطان، وهو قوس الله، وزعموا: أنّه كان عليه وترٌ وسهمٌ قبل ذلك في السماء، فلما جعله الله تعالى أمانًا لأهل الأرض مِن الغرق نزع الله الوتر والسهم-، فقال نوح عليه السلام عند ذلك: ربِّ، إنّك وعدتني أن تُنجي معي أهلي، وغرَّقت ابني، و﴿إن ابني من أهلي وإن وعدك الحق وأنت أحكم الحاكمين﴾. قال: ﴿يا نوح إنه ليس من أهلك إنه عمل غير صالح﴾ يقول: إنّه ليس مِن أهل دينك؛ إنّ عملَه كان غير صالح. قال: ﴿اهبط بسلام منا﴾. فبعث نوحٌ عليه السلام مَن يأتيه بخبر الأرض، فجاء الطير الأهليُّ، فقال: أنا. فأخذها، وختم جناحها، فقال: أنت مختومة بخاتمي، لا تطيرين أبدًا، ينتفع بك ذريتي. فبعَث الغراب، فأصاب جيفةً، فوقع عليها، فاحتبس، فلعَنه، فمِن ثَمَّ يُقتل في الحرم، وبعَث الحمامة، وهي القُمْرِيُّ، فذهبت فلم تجد في الأرض قَرارًا، فوقعت على شجرة بأرض سبأ، فحمَلت ورقة زيتون، فرجَعت إلى نوحٍ، فعلِم أنّها لم تَستمكِن مِن الأرض، ثم بعثها بعد أيام، فخرَجت حتى وقعت بوادي الحرم، فإذا الماء قد نَضَبَ، وأول ما نَضَبَ موضع الكعبة، وكانت طينتُها حمراء، فخَضَّبت رجليها، ثم جاءت إلى نوح، فقالت: البشرى، استَمكِنِ الأرض. فمسَح يدَه على عنُقِها، وطوَّقَها، ووهب لها الحمرة في رجليها، ودعا لها، وأسكنها الحرم، وبارك عليها، فمِن ثَمَّ شُغِف بها الناس. ثُمَّ خرج، فنزل بأرض الموصل، وهي قرية الثمانين؛ لأنه نزل في ثمانين، فوقع فيهم الوباء، فماتوا إلا نوح وسام وحام ويافث ونساؤهم، وطُبِّقت الدنيا منهم، وذلك قوله: ﴿وجعلنا ذريته هم الباقين﴾ [الصافات:٧٧]
اختُلف في معنى: «الغاسق إذا وقب» على أقوال: الأول: الليل إذا أظلم. الثاني: النهار إذا دخل في الليل. الثالث: الكوكب، وهو الثُّريّا إذا سقطتْ، وكانت الأسقام والطواعين تكثر عند وقوعها، وترتفع عن طلوعها. الرابع: هو القمر. وعلَّق ابنُ تيمية (٧/٣٩١) على القول الثالث بقوله: «ويشبه -والله أعلم- أن يكون من الحكمة في ذلك: أنّ النور هو جنس الخير، والظُّلمة جنس الشّرّ، وفي الليل يقع من الشرور النفسانية ما لا يقع في النهار، والقمر له تأثير في الأرض لا سيما حال كسوفه؛ فإنّ النبي قال: «إنهما آيتان يخوّف الله بهما عباده». والتخويف إنما يكون بانعقاد سبب الخوف، ولا يكون ذلك إلا عند سبب العذاب أو مظنّته، فعُلم أنّ الكسوف مظنّة حدوث عذاب بأهل الأرض، ولهذا شُرع عند الكسوف الصلاة الطويلة والصدقة والعتاقة والدعاء لدفْع العذاب، وكذلك عند سائر الآيات التي هي إنشاء العذاب كالزلزلة، وظهور الكواكب وغير ذلك، وهو أقرب الكواكب التي لها تأثير في الأرض بالترطيب واليبس وغير ذلك». ووجَّهه ابنُ القيم (٣/٤٠٨) بقوله: «إنْ أراد صاحب هذا القول اختصاص الغاسق بالنجم إذا غرب فباطل، وإنْ أراد: أنّ اسم الغاسق يتناول ذلك بوجه ما؛ فهذا يحتمل أن يدل اللفظ عليه بفحواه ومقصوده وتنبيهه، وأمّا أن يختص اللفظ به فباطل». وعلَّق ابنُ كثير (١٤/٥٢٤) على القول الرابع بقوله: «وعمدة أصحاب هذا القول ما رواه الإمام أحمد...». ثم ذكر حديث عائشة الوارد في أول تفسير الآية. ورجَّح ابنُ جرير (٢٤/٧٤٩) العموم، فقال: «وأولى الأقوال في ذلك عندي بالصواب أن يُقال: إنّ الله أمر نبيَّه أن يستعيذ من شرِّ ﴿غاسِقٍ﴾ وهو الذي يُظْلِم، يقال: قد غَسَقَ الليل يَغْسِق غُسوقًا: إذا أظلم، ﴿إذا وقَبَ﴾ يعني: إذا دخل في ظلامه؛ والليل إذا دَخَل في ظلامه غاسق، والنجم إذا أفَل غاسق، والقمر غاسقٌ إذا وقب، ولم يَخْصُص بعض ذلك بل عمَّ الأمر بذلك، فكلُّ غاسق فإنه كان يُؤْمَرُ بالاستعاذة من شرِّه إذا وقب». ونقل ابنُ عطية (٨/٧١٥) عن القتبي وغيره أنّ «الغاسق إذا وقب»: «هو البدر إذا دخل في ساهوره فخسف». واستدل أصحاب القول الثالث بحديث أبي هريرة الوارد في تفسير الآية وفيه: «النجم: الغاسق». واستدل أصحاب القول الرابع بحديث عائشة الوارد في أول تفسير الآية. وعلَّق عليهما ابنُ تيمية (٧/٣٨٨) بقوله: «وهذا المرفوع قد ظنّ بعض الناس منافاته لمن فسّره بالليل؛ فجعلوه قولًا آخر، ثم فسّروا وقوبه بسكونه. قال ابن قتيبة: ويقال الغاسق: القمر إذا كسف واسوَدّ. ومعنى وقب: دخل في الكسوف، وهذا ضعيف، فإنّ ما قال رسول الله لا يُعارض بقول غيره، وهو لا يقول إلا الحقّ، وهو لم يأمر عائشة بالاستعاذة منه عند كسوفه، بل مع ظهوره، وقد قال الله تعالى: ﴿وجَعَلْنا اللَّيْلَ والنَّهارَ آيَتَيْنِ فَمَحَوْنا آيَةَ اللَّيْلِ وجَعَلْنا آيَةَ النَّهارِ مُبْصِرَةً﴾ [الإسراء:١٢]. فالقمر آية الليل، وكذلك النجوم إنما تطلع فتُرى بالليل، فأمره بالاستعاذة من ذلك أمر بالاستعاذة من آية الليل ودليله وعلامته، والدليل مستلزم للمدلول، فإذا كان شرّ القمر موجودًا فشَرّ الليل موجود، وللقمر من التأثير ما ليس لغيره، فتكون الاستعاذة من الشّرّ الحاصل عنه أقوى، ويكون هذا كقوله عن المسجد المؤسس على التقوى: «هو مسجدي هذا». مع أنّ الآية تتناول مسجد قباء قطعًا. وكذلك قوله عن أهل الكساء: «هؤلاء أهل بيتي». مع أنّ القرآن يتناول نساءه، فالتخصيص لكون المخصوص أولى بالوصف، فالقمر أحقّ ما يكون بالليل بالاستعاذة». ووافقه ابنُ القيم (٣/٤٠٦، ٤٠٧). وذكر ابنُ كثير (١٤/٥٢٥) نحو هذا مختصرًا
عن عبد الله بن عباس، قال: فيما ناجى موسى ربَّه فيما وهَب اللهُ لمحمدٍ وأُمَّتَه حيثُ قرأ التوراة، وأصاب فيها نعتَ النبيِّ وأمته، قال: يا ربِّ، مَن هذا النبيُّ الذي جعلته وأُمَّته أولًا وآخِرًا؟ قال: هذا محمدٌ النبيُّ الأُمِّيُّ العربيُّ الحرميُّ التِّهاميُّ، من ولد قاذَرَ بن إسماعيل، جعلته أولًا في المحشر، وجعلته آخِرًا ختمت به الرُّسل، يا موسى، ختمتُ بشريعته الشرائع، وبكتابه الكتب، وبسننه السُّنن، وبدينه الأديان. قال: يا ربِّ، إنّك اصطفيتني وكلَّمتني! قال: يا موسى، إنّك صَفِيٌّ، وهو حبيبي، أبعثه يوم القيامة على كَوْمٍ، أجعل حوضَه أعرض الحياض، وأكثرهم وارِدًا، وأكثرهم تبعًا. قال: ربِّ، لقد كَرَّمتَه وشَرَّفتَه. قال: يا موسى، حُقَّ لي أن أُكَرِّمه وأُفَضِّله وأُفَضِّل أُمَّته؛ لأنهم يؤمنون بي، وبرسلي كلِّهم، وبكُتبي كلِّها، وبغَيبي كله، ما كان فيهم شاهدًا -يعني: النبيَّ ﷺ-، ومن بعد موته إلى يوم القيامة. قال: يا ربِّ، هذا نعتُهم؟ قال: نعم. قال: يا ربِّ، وهبتَ لهم الجمعة أو لأُمَّتي؟ قال: بل لهم الجمعةُ دونَ أُمَّتك. قال: ربِّ، إنِّي نظرتُ في التوراة إلى نعتِ قومٍ غُرٍّ مُحَجَّلين، فمَن هم؟ أمِن بني إسرائيل هم أم من غيرهم؟ قال: تلك أُمَّةُ أحمد، الغُرُّ المُحَجَّلون من آثار الوضوء. قال: يا ربِّ، إنِّي وجدتُ في التوراة قومًا يمرُّون على الصِّراط كالبرق والريح، فمَن هم؟ قال: تلك أُمَّة أحمد. قال: يا ربِّ، إنِّي وجدتُ في التوراة قومًا يُصَلُّون الصلوات الخمس، فمَن هم؟ قال: تلك أُمَّة أحمد. قال: يا ربِّ، إنِّي وجدتُ في التوراةِ قومًا يتَّزِرُون إلى أنصافهم، فمَن هم؟ قال: تلك أُمَّة أحمد. قال: يا ربِّ، إنِّي وجدتُ قومًا يُراعون الشمس، مناديهم في جوِّ السماءِ، فمَن هم؟ قال: تلك أُمَّة أحمد. قال: ربِّ، إنِّي وجدت في التوراة يذكرونك على كلِّ شَرَفٍ ووادٍ، فمَن هم؟ قال: تلك أُمَّةُ أحمد. قال: ربِّ، إنِّي وجدت في التوراة قومًا الحسنة منهم بعشرةٍ، والسيئة بواحدةٍ، فمَن هم؟ قال: تلك أُمَّة أحمد. قال: يا ربِّ، إنِّي وجدتُ في التوراة نعتَ قوم شاهرين سيوفهم، لا تُردُّ لهم حاجةٌ. قال: تلك أُمَّة أحمد. قال: يا ربِّ، إنِّي وجدتُ في التوراة قومًا إذا أرادوا أمرًا استخاروك ثم ركبوه، فمَن هم؟ قال: تلك أُمَّةُ أحمد. قال: يا ربِّ، إنِّي وجدتُ في التوراة نعت قومٍ يُشَفَّعُ مُحْسِنُهم في مُسيئِهم، فمَن هم؟ قال: تلك أُمَّة أحمد. قال: يا ربِّ، إنِّي وجدت في التوراة نعتَ قومٍ يحجُّون البيت الحرام لا يَنْأَوْنَ عنه أبدًا، فمَن هم؟ قال: تلك أُمَّةُ أحمدَ، لا يقضُون منه وطرًا أبدًا. قال: يا ربِّ، إنِّي وجدتُ في التوراة نعتَ قومٍ قُربانهم دماؤهم، فمَن هم؟ قال: تلك أُمَّة أحمد. قال: يا ربِّ، إنِّي وجدتُ في التوراة نعتَ قوم يقاتلون في سبيلك صفوفًا زحوفًا، يُفْرَغ عليهم الصبرُ إفراغًا، فمَن هم؟ قال: تلك أُمَّة أحمد. قال: يا ربِّ، إنِّي وجدت في التوراة نعتَ قوم يُذْنِبُ أحدُهم الذَّنب فيتوضأُ فيُغْفَر له، ويصلِّي فتجعل الصلاة له نافلةً بلا ذنب، فمَن هم؟ قال: تلك أُمَّة أحمد. قال: يا ربِّ، إنِّي وجدت في التوراة نعتَ قومٍ يشهدون لِرُسُلك بما بلَّغوا، فمَن هم؟ قال: تلك أُمَّة أحمد. قال: يا ربِّ، إنِّي وجدت في التوراة نعتَ قوم يجعلون الصدقة في بطونهم، فمَن هم؟ قال: تلك أُمَّة أحمد. قال: يا ربِّ، إنِّي وجدتُ في التوراة نعتَ قومٍ الغنائمُ لهم حلالٌ، وهي مُحَرَّمةٌ على الأمم، فمَن هم؟ قال: تلك أُمَّة أحمد. قال: يا ربِّ، إنِّي وجدت في التوراة نعتَ قوم جُعِلَت الأرضُ لهم طهورًا ومسجدًا، فمَن هم؟ قال: تلك أُمَّةُ أحمد. قال: يا ربِّ، إنِّي وجدت نعتَ قوم الرجلُ منهم خيرٌ من ثلاثين ممَّن كان قبلهم، فمَن هم؟ قال: تلك أُمَّة أحمد، يا موسى، الرجلُ من الأمم السالفةِ أعبَدُ من الرجل مِن أمة محمدٍ ﷺ بثلاثين ضعفًا، وهم خيرٌ بثلاثين ضعفًا؛ بإيمانه بالكتب كلِّها. قال: يا ربِّ، إنِّي وجدت نعت قوم يأوُون إلى ذِكْرِك، ويَتَحابُّون عليه، كما تأوي النُّسور إلى وكورها، فمَن هم؟ قال: تلك أمة أحمد. قال: يا ربِّ، إنِّي وجدتُ في التوراة نعتَ قومٍ إذا غضبوا هلَّلوك، وإذا تنازعوا سبَّحوك، فمَن هم؟ قال: تلك أُمَّة أحمد. قال: يا ربِّ، إنِّي وجدتُ في التوراة نعت قوم يغضبون لك كما يغضب النَّمِرُ الحَرِبُ لنفسه، فمَن هم؟ قال: تلك أمة أحمد. قال: يا ربِّ، إنِّي وجدت في التوراة نعت قوم تفتح أبواب السماء لأعمالهم وأرواحهم، وتباشرُ بهم الملائكة، فمَن هم؟ قال: تلك أُمَّة أحمد. قال: يا ربِّ، إنِّي وجدت في التوراة نعت قوم تتباشرُ بهم الأشجار والجبال بمَمَرِّهم عليها؛ لتسبيحهم لك، وتقديسهم لك، فمَن هم؟ قال: تلك أمة أحمد. قال: يا ربِّ، إنِّي وجدت في التوراة نعت قوم وهبت لهم الاسترجاع عند المصيبة، ووهبت لهم عند المصيبة الصلاة والرحمة والهدى، فمَن هم؟ قال: تلك أمة أحمد. قال: يا ربِّ، إني وجدت في التوراة نعت قوم تصلي عليهم أنت وملائكتُك، فمَن هم؟ قال: تلك أمة أحمد. قال: يا ربِّ، إني وجدت في التوراة نعت قوم يدخل محسنهم الجنة بغير حساب، ومقتصدهم يُحاسَب حسابًا يسيرًا، وظالمهم يغفر له، فمَن هم؟ قال: تلك أمة أحمد. قال: يا ربِّ، فاجعلني منهم. قال: يا موسى، أنت منهم وهم منك؛ لأنّك على ديني وهم على ديني، ولكن قد فضَّلتك برسالاتي وبكلامي، فكن من الشاكرين. قال: يا ربِّ، إني وجدت في التوراة نعت قوم يبعثون يوم القيامة قد ملأت صفوفهم ما بين المشرق والمغرب صفوفًا، يُهَوَّن عليهم الموقفُ، لا يُدْرِكُ فضلَهم أحدٌ من الأمم، فمَن هم؟ قال: تلك أمة أحمد. قال: يا ربِّ، إني وجدت في التوراة نعت قوم تقبضهم على فرشهم وهم شهداء عندك، فمَن هم؟ قال: تلك أمة أحمد. قال: يا ربِّ، إني وجدت في التوراة نعت قوم لا يخافون فيك لومة لائمٍ، فمَن هم؟ قال: تلك أمة أحمد. قال: يا ربِّ، إنِّي وجدت في التوراة نعت قوم أذِلَّة على المؤمنين أعِزَّة على الكافرين، فمَن هم؟ قال: تلك أمة أحمد. قال: يا ربِّ، إنِّي وجدتُ في التوراة نعت قوم صدِّيقُهم أفضلُ الصديقين، فمن هم؟ قال: تلك أمة أحمد. قال: يا ربِّ، لقد كرَّمته وفضَّلته. قال: يا موسى، هو كذلك نبيِّي وصفِيِّي وحبيبي، وأُمَّته خيرُ أمةٍ. قال: يا ربِّ، إني وجدت في التوراة نعت قوم محرَّمة على الأمم الجنة أن يدخلوها حتى يدخلها نبيُّهم وأمتُه، فمَن هم؟ قال: تلك أمة أحمد. قال: يا ربِّ، لبني إسرائيل ما بالهُم؟ قال: يا موسى، إنّ قومك من بني إسرائيل يبدِّلون دينك من بعدك، ويغيرون كتابك الذي أنزلت عليك، وإن أمة محمدٍ لا يغيِّرون سنته، ولا يُبطِلون الكتاب الذي أنزَلتُ عليه إلى أن تقوم الساعة؛ فلذلك بلَّغتُهم سَنامَ كرامَتي، وفضَّلتهم على الأمم، وجعلت نبيَّهم أفضل الأنبياء؛ أولهم في الحشر، وأوَّلهم في انشقاق الأرض، وأولهم شافعًا، وأولهم مشفَّعًا. قال: يا ربِّ، إني وجدت في التوراة نعت قوم حلماء علماءَ، كادوا أن يبلغوا بفقههم حتى يكونوا أنبياء، فمن هم؟ قال: تلك أمة أحمد، يا موسى، أُعْطُوا العِلمَ الأولَ الآخر. قال: يا ربِّ، إني وجدت في التوراة قومًا توضع المائدة بين أيديهم، فما يرفعونها حتى يغفر لهم، فمن هم؟ قال: أولئك أمة أحمدَ. قال: يا ربِّ، إنِّي وجدت في التوراة نعت قومٍ يَلْبِسُ أحدهم الثوب فما ينفُضُه حتى يغفر له، فمن هم؟ قال: تلك أمة أحمد. قال: يا ربِّ، إني أجد في التوراة نعت قومٍ إذا استووا على ظهور دوابهم حمدوك فيغفر لهم، فمن هم؟ قال: تلك أمة أحمد، أوليائي -يا موسى- الذين أنتقم بهم مِن عَبَدَةِ النيران والأوثان
عن سمرة بن جندب، قال: كان رسول الله ﷺ مِمَّن يُكثِرُ أن يقول لأصحابه: «هل رأى أحدٌ منكم رؤيا؟». وإنّه قال لنا ذات غداة: «إنّه أتانى الليلة آتِيان، فقالا لي: انطلِقْ. فانطَلقتُ معهما، فأخرجاني إلى الأرض المقدسة، فأتينا على رجل مُضطجع، وإذا آخر قائم عليه بصخرة، وإذا هو يهوي بالصخرة لرأسه فَيَثلَغُ رأسَه، فيَتَدَهْدَهُ الحجرُ هاهنا، فيَتْبَع الحجرَ فيأخذه، فلا يرجع إليه حتى يَصِحَّ رأسُه كما كان، ثم يعود عليه فيفعل به مثل ما فعل في المرة الأولى، قلت لهما: سبحان الله، ما هذان؟ قالا لي: انطلِقْ. فانْطَلَقْنا فأتينا على رجل مُسْتَلْقٍ لِقفاه، وإذا آخر قائم عليه بكَلُّوبٍ مِن حديد، وإذا هو يأتي أحد شِقَّي وجهِه فَيُشَرْشِرُ شِدقَه إلى قفاه، ومَنخِرَه إلى قفاه، وعينه إلى قفاه، ثم يتحوَّلُ إلى الجانب الآخر، فيفعل به مثل ما فعَل بالجانب الأول، فما يفرغ من ذلك الجانب حتى يَصِحَّ ذلك الجانب كما كان، ثم يعود عليه فيَفْعَل مثل ما فعَل المرة الأولى، قلت: سبحان الله، ما هذان؟ قالا لى: انطلِقْ. فانْطَلَقْنا فأتينا على مثل التَّنُّور، فإذا فيه لَغَط وأصوات، فاطَّلَعنا فيه، فإذا فيه رجال ونساء عُراة، فإذا هم يأتيهم لَهَب مِن أسفل منهم، فإذا أتاهم ذلك اللَّهَبُ ضَوْضَوْا، قلت: ما هؤلاء؟ فقالا لي: انطلِقْ. فانْطَلَقْنا، فأتينا على نهر أحمر مثل الدم، وإذا في النهر رجل سابح يسبح، وإذا على شاطئ النهر رجل عنده حجارة كثيرة، وإذا ذلك السابِح يسبح ما يسبح، ثم يأتي الذي قد جمع عنده الحجارة فيَفْغَرُ له فاه فيُلقِمُه حجرًا، فينطلق فيسبح، ثم يرجع إليه، كلمّا رجع فَغَر له فاه فألقمه حجرًا، قلت لهما: ما هذان؟ قالا لي: انطلِقْ. فانْطَلَقْنا، فأتينا على رجل كريه المَرْآة كأَكْرَهِ ما أنت راءٍ، وإذا هو عنده نار يَحُشُّها ويسعى حولها، قلت لهما: ما هذا؟ قالا لي: انطلِقْ. فانْطَلَقْنا فأتينا على روضة مُعتِمَةٍ، فيها من كل نَوْر الرَّبيع، وإذا بين ظَهْرَيِ الروضةِ رجلٌ طويل لا أكاد أرى رأسه طولًا في السماء، وإذا حول الرجل مِن أكثر ولدان رأيتهم قط، قالا لي: انطلِقْ. فانْطَلَقْنا، فانتهينا إلى روضة عظيمةٍ لم أرَ روضةَ قطُّ أعظمَ منها ولا أحسن. قالا لي: ارْقَ فيها. فارتقينا فيها، فانتهينا إلى مدينة مَبْنِيَّةٍ بِلَبِنِ ذَهَب ولَبِنِ فضة، فأتينا بابًا، فاسْتَفْتَحْنا ففُتح لنا، فدخلناها، فتَلَقّانا فيها رجال شَطْرٌ مِن خَلْقِهم كأحسن ما أنت راءٍ، وشطرٌ كأقبح ما أنت راءٍ، قالا لهم: اذهبوا فقَعُوا في ذلك النهر. فإذا نهر مُعتَرِضٌ يجري كأنّ ماءه المَحْض في البياض، فذهبوا فوقعوا فيه، ثم رجعوا إلينا قد ذهب السوء عنهم، فصاروا في أحسن صورة، قالا لي: هذه جنة عدن، وهذاك منزلُك. فسما بصرى صُعُدًا، فإذا قصر مثل الرَّبابة البيضاء، قالا لى: هذا منزلك. قلت لهما: بارك الله فيكما، ذَراني فأدخله. قالا: أمّا الآن فلا، وأنت داخله. قلت لهما: فإني رأيت منذ الليلة عجبًا، فما هذا الذي رأيت؟ قالا لي: أمّا الرجل الأول الذي أتيتُ عليه يُثلَغُ رأسُه بالحجر فإنّه الرجل يأخذ القرآنَ فيَرفُضُه، وينام عن الصلاة المكتوبة، يُفعَلُ به إلى يوم القيامة، وأَمّا الرجلُ الذي أتيتُ عليه يُشَرشَرُ شِدقُه إلى قفاه، ومَنخِرُه إلى قفاه، وعينه إلى قفاه، فإنّه الرجل يَغدو من بيته فيَكذِب الكذبة تبلغ الآفاق، فيُصنَعُ به إلى يوم القيامة، وأَمّا الرجال والنساء العُراة الذين في مثل التَّنُّور فإنّهم الزُّناة والزواني، وأَمّا الرجل الذي أتيت عليه يسبح في النهر ويُلقَمُ الحجارة فإنّه آكل الربا، وأَمّا الرجل الكريه المرآة الذي عنده النار يَحُشُّها فإنّه مالِكٌ خازن النار، وأَمّا الرجل الطويل الذي في الرَّوضة فإنّه إبراهيم ﷺ، وأَمّا الوِلدان الذين حوله فكلُّ مولودٍ مات على الفِطْرة، وأَمّا القوم الذين كانوا شَطر منهم حسن وشطر منهم قبيح فإنّهم قوم خلطوا عملًا صالحًا وآخر سيِّئًا تجاوز الله عنهم، وأنا جبريل، وهذا ميكائيل»