عن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم -من طريق ابن وهب- في قوله: ‹وإذَآ أرَدْنا أن نُّهْلِكَ قَرْيَةً آمَرْنا مُتْرَفِيها فَفَسَقُوا فِيها›، قال: ذكر بعض أهل العلم: أنّ ‹آمَرْنا›: أكثرنا. قال: والعرب تقول للشيء الكثير: أمِر؛ لكثرته. فأما إذا وصف القوم بأنهم كثروا فإنه يقال: أمِر بنو فلان، وأمر القوم يأمرون أمرًا، وذلك إذا كثروا وعظم أمرهم، كما قال لبيد: إن يُغْبَطُوا يُهْبَطُوا وإن أمِرُوا يومًا يَصِيرُوا للقُلِّ والنَّفَدِ والأمر المصدر، والاسم: الإمْر، كما قال الله -جل ثناؤه-: ﴿لقد جئت شيئا إمرا﴾ [الكهف:٧١]، قال: عظيمًا، وحكي في مثلٍ: شَرٌّ إمْرٌ، أي: كثير
عن سليمان بن القاسم -من طريق القاسم بن كثير- يقول: كلُّ عَمَل يُعْرَف ثوابُه إلا الصبر، قال الله عز وجل: ﴿إنَّما يُوَفّى الصّابِرُونَ أجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسابٍ﴾، قال: كالماء المنهمر
قال مقاتل بن سليمان: قوله تعالى: ﴿قُلْ﴾ لهم يا محمد: ﴿ما كُنْتُ بِدْعًا مِنَ الرُّسُلِ﴾. فقال لهم النبي ﷺ: «ما أنا بأوَّل رسول بُعِث، قد بُعِث قبلي رُسُل كثير»
عن موسى بن أبي كثير، أنه سمع سعيد بن المسيّب يقول: ﴿إذا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِن يَوْمِ الجُمُعَةِ فاسْعَوْا إلى ذِكْرِ اللَّهِ﴾، قال: فهي موعظة الإمام، فإذا قُضيتُ الصلاة بعدُ
انتَقَدَ ابنُ عطية (٥/٤٢) قول ابن زيد، فقال: «وهذا يَرُدُّه القطعُ بعِصمة الأنبياء عن الحسد الدنياوي، وعن عقوق الآباء، وتعريض مؤمن للهلاك، والتوافر في قتله». وانتقده ابنُ كثير (٨/١٦بتصرف) لعدم الدليل الصريح، فقال: «واعلم أنّه لم يقم دليلٌ على نُبُوَّة إخوة يوسف، وظاهر هذا السياق [يعني: قولهم: ﴿إذ قالوا ليوسف... ﴾] يدل على خلاف ذلك. ومِن الناس مَن يزعم أنّهم أُوحِي إليهم بعد ذلك، وفي هذا نظر، ويحتاج مُدَّعي ذلك إلى دليل، ولم يذكروا سوى قوله تعالى: ﴿قولوا آمنا بالله وما أنزل إلينا وما أنزل إلى إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط﴾ [البقرة:١٣٦]، وهذا فيه احتمال؛ لأنّ بطون بني إسرائيل يقال لهم: الأسباط، كما يقال للعرب: قبائل، وللعجم: شعوب؛ يذكر تعالى أنّه أوحى إلى الأنبياء من أسباط بني إسرائيل، فذكرهم إجمالًا لأنهم كثيرون، ولكن كل سبط مِن نسل رجل مِن إخوة يوسف، ولم يقم دليلٌ على أعيان هؤلاء أنّهم أُوحِي إليهم»
في وصف النفس باللوامة قولان: الأول: أنها صفة مدح، وهو قول مَن جعلها قَسمًا. الثاني: أنها صفة ذم، وهو قول مَن نفى أن يكون قَسمًا. ومَن جعلها مدحًا له في تفسيرها قولان: الأول: أنها التي تلوم على الخير والشر. الثاني: أنها تلوم على ما فاتَ وتَندم. ومَن جعلها صفة ذم له في تفسيرها قولان: الأول: أنها الفاجرة. الثاني: المذمومة. ورأى ابنُ جرير (٢٣/٤٧٠) تقارب هذه الأقوال، فقال: «وهذه الأقوال التي ذكرناها عمن ذكرناها عنه، وإن اختلفتْ بها ألفاظ قائليها، فمتقاربات المعاني». ثم رجَّح (٢٣/٤٧٠-٤٧١) القول بأنها صفة مدح، وهو القول الذي قاله ابن عباس، وسعيد بن جُبَير، وعكرمة، ومجاهد-مستندًا إلى إجماع القُراء على قراءة الفصل التي تفيد القسم-، فقال: «وأشبه القول في ذلك بظاهر التنزيل أنها تلوم صاحبها على الخير والشر، وتَندم على ما فاتَ، والقُراء كلّهم مُجمِعون على قراءة هذه بفصل ﴿لا﴾ من ﴿أقسم﴾». وذكر ابنُ عطية (٨/٤٧١) قولًا بأنّ المراد: نفس آدم؛ لأنها لم تزل اللائمة له على فِعْله الذي أخرجه من الجنة. ثم قال: «وكلّ نفس متوسطة ليستْ بالمطمئنة ولا بالأمارة بالسوء فإنها لوامة في الطرفين؛ مرة تلوم على ترْك الطاعة، ومرة تلوم على فَوْت ما تشتهي، فإذا اطمأنتْ خلصتْ وصَفتْ»
عن جابر بن عبد الله، قال: قال رسول الله ﷺ: «لَمّا كذَّبَتني قريش حين أُسري بي إلى بيت المقدس قمتُ في الحِجرِ، فجَلّى الله لي بيتَ المقدس، فطفِقتُ أُخبرُهم عن آياتِه وأنا أنظر إليه»[[أخرجه البخاري ٥/٥٢ (٣٨٨٦)، ٦/٨٣ (٤٧١٠)، ومسلم ١/١٥٦ (١٧٠)، وعبد الرزاق في تفسيره ٢/٢٨٧ (١٥٣١)، ٢/٣٠٣ (١٥٨٤)، وابن جرير ١٤/٤٢١-٤٢٢.]]
اختلف القُرّاءُ في الوقف في هذه الآية؛ فمنهم من يقف على قوله: ﴿إلا الله﴾. ومنهم مَن يقف عند قوله: ﴿والراسخون في العلم﴾. وصَوَّب ابنُ تيمية (٢/٢٥) كليهما، فقال: «وكلتا القراءتين حقٌّ، ويُراد بالأولى المتشابه في نفسه الذي استأثر الله بعلم تأويله، ويُراد بالثانية المتشابه الإضافي الذي يعرف الراسخون تفسيرَه، وهو تأويله. ومثل هذا يقع في القرآن كقوله: ﴿وإن كان مكرهم لتزول منه الجبال﴾ و›لَتَزُولُ‹، فيه قراءتان مشهورتان بالنفي والإثبات، وكُلُّ قراءةٍ لها معنًى صحيحٌ»
انتَقَدَ ابنُ تيمية (٣/٢٢٢) ما جاء في أثر السدي من أنّهم انقسموا إلى فريقين؛ مطيع، وكافر، ساعة أخذ الميثاق عليهم. لمخالفته الآثار الثابتة في التسوية بين جميع الناس في الإقرار، فقال: «وقيل: هذا الأثر لا يُوثَق به؛ فإن في تفسير السدي أشياء عرف بطلان بعضها، وهو ثقة في نفسه، وأحسن أحوال هذا وأمثاله أن يكون كالمراسيل إن كان مأخوذًا عن النبي ﷺ، فكيف إذا كان مأخوذًا عن أهل الكتاب، ولو لم يكن في هذا إلا معارضة لسائر الآثار التي تتضمن التسوية بين جميع الناس في الإقرار لَكَفى»
للسلف في تفسير قوله: ﴿ولتصنع على عيني﴾ قولان: الأول: لتغذّى وتربّى على إرادتي ومحبتي. الثاني: أنت بعيني في أحوالك كلها. وقد رجّح ابنُ جرير (١٦/٦٠) المعنى الأول الذي قاله قتادة مستندًا إلى القراءات، فقال بعد أن رجّح قراءةَ ﴿ولتُصنَعَ﴾ لإجماع الحجّة من القرأةِ عليها: «فإذ كان ذلك كذلك فأَولى التأويلين به التأويل الذي تأوّله قتادة، وهو: ﴿ألقيت عليك محبة مني﴾: ولتغذى على عيني ألقيت عليك المحبة مني. وعنى بقوله: ﴿على عيني﴾: بمرأى مني ومحبة وإرادة»