سورة النساء — الآية ١٧٦

قال مالك بن أنس: الأمرُ المجتمعُ عليه عندنا، الذي لا اختلاف فيه، والذي أدركتُ عليه أهلَ العلم ببلدنا: أنّ الكلالة على وجهين: فأمّا الآية التي أنزلت في أول سورة النساء التي قال الله -تبارك وتعالى- فيها: ﴿وإن كان رجل يورث كلالة، أو امرأة، وله أخ أو أخت، فلكل واحد منهما السدس. فإن كانوا أكثر من ذلك فهم شركاء في الثلث﴾ [النساء:١٢] فهذه الكلالةُ التي لا يَرِثُ فيها الإخوة للأم حتى لا يكون ولدٌ ولا والِدٌ. وأمّا الآيةُ التي في آخر سورة النساء التي قال الله -تبارك وتعالى- فيها: ﴿يستفتونك، قل الله يفتيكم في الكلالة، إن امرؤ هلك ليس له ولد، وله أخت فلها نصف ما ترك، وهو يرثها إن لم يكن لها ولد، فإن كانتا اثنتين فلهما الثلثان مما ترك، وإن كانوا إخوة رجالا ونساء، فللذكر مثل حظ الأنثيين، يبين الله لكم أن تضلوا، والله بكل شيء عليم﴾؛ قال مالك: فهذه الكلالةُ التي تكون فيها الإخوة عصبةٌ إذا لم يكن ولد، فيرثون مع الجد في الكلالة، فالجدُّ يرِث مع الإخوة، لأنّه أولى بالميراث منهم، وذلك أنّه يرِث مع ذكور ولد المُتَوَفّى السدسَ، والإخوة لا يَرِثُون مع ذكور ولد المُتَوَفّى شيئًا. وكيف لا يكون كأحدهم وهو يأخذ السدس مع ولد المتوفى؟! فكيف لا يأخذ الثلث مع الإخوة وبنو الأم يأخذون معهم الثلث؟! فالجدُّ هو الذي حجب الإخوة للأم، ومنعهم مكانُه الميراثَ، فهو أولى بالذي كان لهم؛ لأنهم سقطوا من أجله، ولو أنّ الجد لم يأخذ ذلك الثلثَ أخذه بنو الأم، فإنّما أخذ ما لم يكن يرجع إلى الإخوة للأب، وكان الإخوة للأم هم أولى بذلك الثلث من الإخوة للأب، وكان الجدُّ هو أولى بذلك من الإخوة للأم

سورة النساء — الآية ١٧٦

قال مالك بن أنس -من طريق عبد الله بن وهب- قال: ﴿يبين الله لكم أن تضلوا﴾، فهذه الضلالة التي يكون فيها الإخوة عصبة، إذا لم يكن ولدٌ فيرثون مع الجد في الكلالة

سورة المائدة — الآية ٥

قال مالك بن أنس: لا يَحِلُّ نكاح أمَة يهودية ولا نصرانية؛ لأنّ الله -تبارك وتعالى- يقول في كتابه: ﴿والمحصنات من المؤمنات، والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم﴾، فهن الحرائر من اليهوديات والنصرانيات، وقال الله تبارك وتعالى: ﴿ومن لم يستطع منكم طولا أن ينكح المحصنات المؤمنات فمن ما ملكت أيمانكم من فتياتكم المؤمنات﴾ [النساء:٢٥]، فهن الإماء المؤمنات

سورة المائدة — الآية ٦

قال مالك بن أنس -من طريق أشْهَب- وسُئِل عن قول الله: ﴿فاغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى المرافق﴾: أترى أن يُخْلِفَ المرفقين في الوضوء؟ قال: الذي أمر به أن يبلغ المرفقين، قال تبارك وتعالى: ﴿فاغسلوا وجوهكم﴾، يذهب هذا يغسل خلفه. فقيل له: فإنما يغسل إلى المرفقين والكعبين لا يجاوزهما؟ فقال: لا أدري ما «لا يجاوزهما»، أما الذي أمر به أن يبلغ به فهذا، إلى المرفقين والكعبين

سورة المائدة — الآية ١٨

عن أنس، قال: مَرَّ النبي ﷺ في نفر من أصحابه وصبيٌّ في الطريق، فلمّا رأت أمُّه القومَ خَشِيَت على ولدها أن يُوطَأ، فأقبلت تسعى، وتقول: ابني، ابني. فسَعَتْ، فأخَذَتْه، فقال القوم: يا رسول الله، ما كانت هذه لتلقي ابنها في النار. فقال النبي ﷺ: «لا، واللهُ لا يُلْقي حبيبَه في النار»

سورة يوسف — الآية ٨٦

عن أنس بن مالك، قال: قال رسول الله ﷺ: «مَن أصبح حزينًا على الدنيا أصبح ساخِطًا على ربِّه، ومَن أصبح يشكو مصيبةً نَزَلَتْ به فإنّما يشكو الله، ومَن تضعضع لغَنِيٍّ لِينال مِن دنُياه أحبط اللهُ ثُلُثَي عمله، ومَن أُعْطِي القرآن فدخل النار فأبعده الله»

سورة يوسف — الآية ٨٦

عن أنس بن مالك، قال: قال رسول الله ﷺ: «كان ليعقوب عليه السلام أخٌ مُؤاخٍ، فقال له ذات يوم: يا يعقوب، ما الذي أذهب بصرَك؟ وما الذي قَوَّس ظهرَك؟ قال: أمّا الذي أذهب بصري فالبكاء على يوسف، وأَمّا الذي قَوَّس ظهري فالحزن على بنيامين. فأتاه جبريل عليه السلام، فقال: يا يعقوب، إنّ الله عز وجل يُقرِئُك السلام، ويقول لك: أما تستحي؛ تشكوني إلى غيري؟! قال يعقوب عليه السلام: ﴿إنما أشكو بثى وحزنى إلى الله﴾. فقال جبريل عليه السلام: اللهُ أعلمُ بما تشكو، يا يعقوب. ثم قال يعقوب: أما ترحم الشيخَ الكبيرَ؟ أذهبتَ بصري، وقوَّست ظهري، فأردُد عَلَيَّ رَيْحانَتِي، أشمه شمَّة قبل الموت، ثم اصنع بي ما أردتَ. فأتاه جبريل عليه السلام، فقال: يا يعقوب، إنّ الله يُقْرِئُك السلامَ، ويقول لك: أبْشِرْ، وليفرح قلبُك، فوَعِزَّتي، لو كانا مَيِّتَيْنِ لَنَشَرْتُهُما لكَ، فاصنع طعامًا للمساكين، فإنّ أحَبَّ عبادي إلَيَّ الأنبياءُ والمساكين، وتدري لِمَ أذهبتُ بصرَك، وقوَّستُ ظهرَك، وصنع إخوةُ يوسف به ما صنعوا؟ إنّكم ذبحتم شاةً، فأتاكم مسكينٌ وهو صائم، فلم تُطْعِمُوه منها شيئًا. فكان يعقوبُ عليه السلام إذا أراد الغداء أمر مُناديًا يُنادِي: ألا مَن أراد الغداء مِن المساكين فلْيَتَغَدَّ مع يعقوب. وإذا كان صائمًا أمَر مناديًا فنادى: ألا مَن كان صائمًا مِن المساكين فلْيُفْطِر مع يعقوب

سورة يوسف — الآية ٩٢

عن مالك بن دينار، قال: أرسل رجل إلى عشرة مِن أهل البصرة أنا فيهم والحسن [البصري]، فسلمنا عليه، ثم إنّ الحسن حمِد الله، وأثنى عليه، وذكر ما شاء الله أن يذكر، حتى أتى على ذِكْر يوسف، وما ارتكب منه إخوتُه، فعرَّفهم نفسه، ثم استقبلهم بالعفو عنهم: ﴿لا تثريب عليكم اليوم يغفر الله لكم﴾. فرضي الله به منه عملًا، وأثبته في كتابه؛ ليُؤْخَذ به مِن بعدِه، فقال الأمير: لو صار أن أُجَلِّلكُم بِبُرْدي هذا ما أصابكم شيء أبدًا

سورة يوسف — الآية ٩٣

عن أنس بن مالك، أنّ رسول الله ﷺ قال في قوله: ﴿اذهبوا بقميصي هذا﴾: «إنّ نُمرودَ لَمّا ألقى إبراهيم في النار نزل إليه جبريل بقميص من الجنة، وطِنفِسَةٍ مِن الجنة، فألبسه القميصَ، وأقعده على الطِّنْفِسَة، وقعد معه يتحدث، فأوحى الله إلى النار: ﴿كونى بردًا وسلامًا﴾ [الأنبياء:٦٩]. ولولا أنه قال: ﴿وسلامًا﴾ لآذاه البرد، ولقتله البرد»

سورة يوسف — الآية ٩٨

عن أنس بن مالك -من طريق يزيد الرقاشي- قال: إنّ الله لَمّا جمع ليعقوب شملَه ببنيه، وأقَرَّ عينه؛ خلا ولدُه نَجِيًّا، فقال بعضهم لبعض: ألستم قد علمتم ما صنعتم، وما لقي منكم الشيخ، وما لقي منكم يوسف؟ قالوا: بلى. قالوا: فيغرُّكم عفوهما عنكم، فكيف لكم بربكم؟ واستقام أمرُهم على أن أتوا الشيخ، فجلسوا بين يديه ويوسفُ إلى جنب أبيه قاعد، قالوا: يا أبانا، أتيناك في أمرٍ لم نأتك في مثله قط، ونزل بنا أمرٌ لم ينزل بنا مثله. حتى حرَّكوه -والأنبياء أرحم البرية-، فقال: ما لكم يا بَنِيَّ؟ قالوا: ألستَ قد علمتَ ما كان مِنّا إليك، وما كان مِنّا إلى أخينا يوسف؟ قالا: بلى. قالوا: أفلستما قد عفوتما؟ قالا: بلى. قالوا: فإنّ عفوكما لا يُغني عنّا شيئًا إن كان الله لم يَعْفُ عنّا. قال: فما تريدون يا بَنِيَّ؟ قالوا: نريد أن تدعو الله، فإذا جاءك الوحيُ مِن عند الله بأنّه قد عفا عمّا صنعنا قرَّت أعينُنا، واطمأنّت قلوبُنا، وإلا فلا قُرَّة عين في الدنيا لنا أبدًا. قال: فقام الشيخ، فاستقبل القبلة، وقام يوسفُ خلف أبيه، وقاموا خلفهما أذِلَّةً خاشعين. فدعا، وأمَّن يوسف، فلم يُجَب فيهم عشرين سنة، حتى إذا كان رأسُ العشرين نزل جبريل على يعقوب عليهما السلام، فقال: إنّ الله بعثني أُبَشِّرك بأنّه قد أجاب دعوتَك في ولدك، وأنّه قد عفا عمّا صنعوا، وأنّه قد اعتقد مواثيقَهم مِن بعدك على النُّبُوَّة