ذكر ابنُ جرير (٢١/١٧١) قولًا بأنّ رسول الله ﷺ جعل هؤلاء النّفر رسلًا إلى قومهم، ونسبه لابن عباس. ثم علَّق عليه بقوله: «وهذا القول خلاف القول الذي روي عنه -المذكور في تفسير الآية من طريق العوفي- أنه قال: لم يكن نبيُّ الله ﷺ علم أنهم استمعوا إليه وهو يقرأ القرآن؛ لأنه محال أن يرسلهم إلى آخرين إلا بعد علمه بمكانهم. إلا أن يُقال: لم يَعلم بمكانهم في حال استماعهم للقرآن، ثم علم بعد قبل انصرافهم إلى قومهم، فأرسلهم رسلًا حينئذ إلى قومهم، وليس ذلك في الخبر الذي روي»
بيّن ابنُ جرير (٢٢/٢٤٢-٢٤٤) أن قوله: ﴿بطائنها من إستبرق﴾ معناه: أنّ بطائن هذه الفُرُش من غليظ الدِّيباج، ودلّل على ذلك بآثار السلف. ثم أورد عن بعض أهل اللغة -وهو موافق لما جاء في قول مقاتل، وقول سعيد بن جُبَير في الأثر في تفسير الآية- أنّ البطائن هاهنا بمعنى: الظواهر. ووجّهه، فقال: «وقد زعم أهل العربية أنّ البطانة قد تكون ظهارة، والظهارة تكون بطانة، وذلك أنّ كل واحد منهما قد يكون وجهًا، قال: وتقول العرب: هذا ظهر السماء، وهذا بطن السماء لظاهرها الذي نراه»
ذكر ابنُ عطية (٨/٦٦٢ بتصرف يسير) الاختلاف في مكّيّة السورة ومدنيتها، وبيّن أنّ القول بمكيتها أشهر. وذكر (٨/٦٦٣-٦٦٤ بتصرف) عند تفسيره لقوله تعالى: ﴿وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين حنفاء ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة.. ﴾ [البينة:٥] -مستندًا إلى النظائر، وأحوال النزول- أنّ القول بمدنيتها يقوّيه «كون الصلاة مع الزكاة في هذه الآية مع ذكر بني إسرائيل فيها؛ لأنّ الزكاة فُرِضتْ بالمدينة، ولأنّ النبي ﷺ إنما دفع لمناقضة أهل الكتاب بالمدينة»
اختلف السلف في تفسير قوله: ﴿كتاب فصلت آياته ثم أحكمت﴾ على أقوال: الأول: أحكمت آياته بالأمر والنهي، ثم فصلت بالثواب والعقاب. الثاني: أحكمت آياته من الباطل، ثم فصلت فبُيِّن منها الحلال والحرام. وقد رجّح ابنُ جرير (١٢/٣١٠) مستندًا إلى دلالة اللغة القول الثاني، فقال: «وأَوْلى القولين في ذلك بالصواب قولُ مَن قال: معناه: أحكم الله آياته من الدخل، والخلل والباطل، ثم فصَّلها بالأمر والنهي. وذلك أنّ إحكام الشيء: إصلاحه وإتقانه، وإحكام آيات القرآن: إحكامها مِن خللٍ يكون فيها، أو باطل يقدر ذو زيغ أن يطعن فيها مِن قِبَله. وأما تفصيل آياته فإنّه تمييز بعضها من بعض بالبيان عمّا فيها من حلال، وحرام، وأمر، ونهي». ثم ذكر ابن جرير تفسير مجاهد قوله: ﴿فصلت﴾ بـ:فُسِّرَت، وعلّق عليه بقوله: «وذلك نحو الذي قلنا فيه من القول». وذكر قول قتادة من طريق سعيد، وعلَّق عليه بقوله: «وهو شبيه المعنى بقول مجاهد». وقال ابنُ عطية (٤/٥٣٧بتصرف): «﴿وأُحْكِمَتْ﴾ معناه: أتقنت وأُجيدت شبه ما تحكم من الأمور المتقنة الكاملة، وبهذه الصفة كان القرآن في الأزل، ثم فصل بتقطيعه وتبيين أحكامه وأوامره على محمد ﷺ في أزمنة مختلفة، فـ﴿ثُمَّ﴾ على بابها، وهذه طريقة الإحكام والتفصيل، إذ الإحكام صفة ذاتية، والتفصيل إنما هو بحسب مَن يُفصَّل له، والكتاب بأجمعه محكم ومفصل، والإحكام الذي هو ضد النسخ والتفصيل الذي هو خلاف الإجمال إنما يقالان مع ما ذكرناه باشتراك». ثم ذكر ابن عطية القولين الواردين عن السلف في معنى الآية، وعلّق عليهما بقوله: «وهذا من التخصيص الذي هو صحيح المعنى، ولكن لا يقتضيه اللفظ»
قال مقاتل بن سليمان: ﴿ألم تر﴾ يعني: ألم تعلم ﴿أن الله يسجد له من في السماوات﴾ مِن الملائكة وغيرهم، ﴿ومن في الأرض والشمس والقمر والنجوم﴾ سجود هؤلاء الثلاثة حين تغرب الشمس قبل المغرب لله تعالى تحت العرش، ﴿و﴾يسجد ﴿الجبال والشجر والدواب﴾ ظلهم حين تطلع الشمس، وحين تزول إذا تحول ظِلُّ كل شيء فهو سجوده. ثم قال سبحانه: ﴿و﴾يسجد ﴿كثير من الناس﴾ يعني: المؤمنين، ﴿و﴾يسجد ﴿كثير﴾ ممن ﴿حق عليه العذاب﴾ مِن كُفّار الإنس والجن سجودهم هو سجود ظلالهم، ﴿ومن يهن الله فما له من مكرم﴾
عن عبد الله بن عباس -من طريق الكلبي، عن أبي صالح- قال: نزلت في عمرو بن الجَمُوح الأنصاري، وكان شيخًا كبيرًا ذا مال كثير، فقال: يا رسول الله، بماذا نتصدق؟ وعلى مَن نُنفِق؟ فنزلت هذه الآية
عن مجاهد بن جبر -من طريق عبد الله بن كثير- قال: سال النيلُ دمًا، فكان الإسرائيليُّ يَسْتَقِي ماءً طيِّبًا، ويَسْتَقِي الفِرعَوْنيُّ دمًا، ويشتركان في إناء واحدٍ، فيكون ما يَلي الإسرائيليَّ ماءً طيبًا، وما يلي الفرعونيَّ دمًا
عن عبد الله بن عباس، في قوله: ﴿فَفَتَحْنا أبْوابَ السَّماءِ بِماءٍ مُنْهَمِرٍ﴾، قال: كثير، لم تمطر السماء قبل ذلك اليوم ولا بعده إلا مِن السحاب، وفُتحت أبواب السماء بالماء مِن غير سحابٍ ذلك اليوم، فالتقى الماءان
عن عائشة -من طريق ظبية- أنّ سائلًا أتاها وعندها سَلّة مِن عنب، فأخذتْ حَبّة مِن عنب، فأعطتْه، فقيل لها في ذلك، فقالت: هذه أثقل مِن ذرٍّ كثير. ثم قرأتْ: ﴿فَمَن يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ﴾ الآية
قال الشافعي: أخبرنا معاذ بن موسى عن بُكَير بن معروف، عن مقاتل بن حيان، قال مقاتل: أخذت هذا التفسيرَ عن نفرٍ-حَفِظَ معاذ منهم- مجاهدًا، والحسنَ، والضحاكَ بن مزاحم، ... ﴿فمن اعتدى بعد ذلك فله عذاب أليم﴾، يقول: مَن قتل بعد أخذه الدية فله عذاب أليم