عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ: «أيُّها الناس، إنّ الله طَيِّب لا يقبل إلا طَيِّبًا، وإنّ الله أمر المؤمنين بما أمر به المرسلين، فقال: ﴿يا أيها الرسل كلوا من الطيبات واعملوا صالحا، إني بما تعملون عليم﴾. وقال: ﴿يا أيها الذين آمنوا كلوا من طيبات ما رزقناكم﴾ [البقرة:١٧٢]، ثم ذكر الرجل يُطيل السَّفَر أشْعَثَ أغبر، يَمُدُّ يديه إلى السماء، يا ربِّ، يا ربِّ، ومطعمه حرام، ومَشْرَبه حرام، ومَلْبَسه حرام، وغُذِّي بالحرام، فأنّى يُستجاب لذلك؟!»
عن أبي مريم الغسّاني، أنّ أعرابيًا قال: يا رسول الله، أيُّ شيء كان أول نبوتك؟ قال: «أخذ الله مني الميثاق كما أخذ مِن النبيين ميثاقهم». ثم تلا: ﴿وإذْ أخَذْنا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثاقَهُمْ ومِنكَ ومِن نُوحٍ وإبْراهِيمَ ومُوسى وعِيسى ابْنِ مَرْيَمَ وأَخَذْنا مِنهُمْ مِيثاقًا غَلِيظًا﴾، «ودعوة أبي إبراهيم، قال: ﴿وابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنهُمْ﴾ [البقرة:١٢٩]، وبُشرى المسيح عيسى ابن مريم، ورأت أمُّ رسول الله ﷺ في منامها: أنّه خرج مِن بين رجليها سِراجٌ أضاءت له قصورُ الشام»
قال مالك بن أنس: وإنما السّعي في كتاب الله: العمل والفعل؛ ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إذا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِن يَوْمِ الجُمُعَةِ فاسْعَوْا إلى ذِكْرِ اللَّهِ﴾، يقول الله -تبارك وتعالى-: ﴿وإذا تَوَلّى سَعى فِي الأَرْضِ﴾ [البقرة:٢٠٥]، وقال تعالى: ﴿وأَمّا مَن جاءَكَ يَسْعى وهُوَ يَخْشى﴾ [عبس:٨-٩]، وقال: ﴿ثُمَّ أدْبَرَ يَسْعى﴾ [النازعات:٢٢]، وقال: ﴿إنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتّى﴾ [الليل: ٤]. قال مالك: فليس السّعي الذي ذكر الله في كتابه بالسّعي على الأقدام، ولا الاشتداد، وإنما عنى العمل والفعل
قال مالك بن أنس: وإنما السعيُ في كتاب الله العمل والفعل، ﴿فَإذا قُضِيَتِ الصَّلاةُ فانْتَشِرُوا فِي الأَرْضِ وابْتَغُوا مِن فَضْلِ اللَّهِ واذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [الجمعة:١٠]، يقول الله -تبارك وتعالى-: ﴿وإذا تَوَلّى سَعى فِي الأَرْضِ﴾ [البقرة:٢٠٥]، وقال تعالى: ﴿وأَمّا مَن جاءَكَ يَسْعى وهُوَ يَخْشى﴾، وقال: ﴿ثُمَّ أدْبَرَ يَسْعى﴾ [النازعات:٢٢]، وقال: ﴿إنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتّى﴾ [الليل:٤]. قال مالك: فليس السعي الذي ذكر الله في كتابه بالسعي على الأقدام، ولا الاشتداد، وإنما عنى: العمل والفعل
عن أبي صالح باذام -من طريق الكلبي- في قول الله -جل وعز-: ﴿اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ﴾ [البقرة:١٥]، قال: يُقال لأهل النار وهم في النار: اخرجوا، ويُفتح لهم أبواب النار. فإذا رأوها قد فُتحت أقبلوا إليها يريدون الخروج، والمؤمنون ينظرون إليهم على... فإذا انتهوا إلى أبوابها غُلِّقتْ دونهم، فذلك قول الله عز وجل: ﴿اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ﴾... منهم المؤمنون حين غُلِّقتْ دونهم، فذلك قوله: ﴿فاليَوْمَ الَّذِينَ آمَنُوا مِنَ الكُفّارِ يَضْحَكُونَ عَلى الأَرائِكِ يَنْظُرُونَ هَلْ ثُوِّبَ الكُفّارُ ما كانُوا يَفْعَلُونَ﴾
ذكر ابنُ عطية (٦/٥١) قولًا بأنّ ﴿نَسِيًّا﴾ هنا معناه: تاركًا، وانتقده مستندًا لظاهر الآية، فقال: «وفي هذا ضَعْف؛ لأنّه إنما نفي النسيان مطلقًا، فيتمَكَّنُ ذلك في النسيان الذي هو نَقْص، وأمّا الترك فلا ينتفي مطلقًا، ألا ترى قوله تعالى: ﴿وتَرَكَهُمْ فِي ظُلُماتٍ﴾ [البقرة:١٧]، وقوله:﴿وتَرَكْنا بَعْضَهُمْ يَوْمَئِذٍ يَمُوجُ فِي بَعْضٍ﴾ [الكهف:٩٩]، فلو قال: نسيك أو نحوه من التقييد لصَحَّ حملُه على الترك، ولا حاجة بنا أن نقول: إنّ التقييد في النية؛ لأنّ المعنى الآخر أظهر»
ذكر ابنُ عطية (٨/٥٢٦) قول عطاء، ووجّهه بقوله: «تقول: نشَطْتُ البعيرَ والإنسانَ: إذا ربطته، وأنشطْتُه: إذا حللته، وحكاه الفراء، وخولف فيه، ومنه الحديث: «كأنما أنشط من عقال»». وذكر ابنُ عطية قولًا آخر عن عطاء، وعلّق عليه، فقال: ""وقال عطاء: النّاشِطاتِ في الآية: البقرة الوحشية وما جرى مجراها مِن الحيوان الذي يَنشط من قطر إلى قطر، ومن هذا المعنى قول الشاعر:أمست همومي تَنشط المناشطا الشام بي طوْرًا وطوْرًا واسطاوكأن هذه اللفظة في هذا التأويل مأخوذة من النشاط""
نقل ابنُ جرير اختلاف السلف في تفسير قوله تعالى: ﴿فما كانوا ليؤمنوا بما كذبوا من قبل﴾ على ثلاثة أقوال: الأول: أنّ ذلك كان يوم أخذ ميثاقهم حين أخرجهم من ظهر أبيهم آدم. الثاني: أنّ معناه: ما كانوا ليؤمنوا عند مجيء الرسل بما سبق في علم الله أنّهم يُكَذِّبون به يوم أخرجهم من صلب آدم عليه السلام. الثالث: أنّ معنى الآية: ما كانوا لو أحييناهم بعد هلاكهم ومعاينتهم ما عاينوا من عذاب الله لِيؤمنوا بما كذبوا من قبل هلاكهم. وقد رجّح ابنُ جرير (١٠/٣٣٨) مستندًا إلى الدلالة العقلية القول الثاني الذي هو قول أبي بن كعب، والربيع، مُعَلِّلًا ذلك بقوله: «وذلك أنّ مَن سبق في علم الله -تبارك وتعالى- أنّه لا يؤمن به فلن يؤمن أبدًا، وقد كان سبق في علم الله تعالى لمن هلك من الأمم التي قصَّ نبأَهم في هذه السورة أنّه لا يؤمن أبدًا، فأخبر -جلَّ ثناؤه- عنهم أنّهم لم يكونوا ليؤمنوا بما هم به مكذبون في سابق علمه قبل مجيء الرسل وعند مجيئهم إليهم. ولو قيل: تأويله: فما كان هؤلاء الذين ورثوا الأرض -يا محمد- من مشركي قومك من بعد أهلها الذين كانوا بها من عاد وثمود ليؤمنوا بما كذب به الذين ورثوها عنهم من توحيد الله ووعده ووعيده. كان وجهًا ومذهبًا، غير أني لا أعلم قائلًا قاله مِمَّن يُعْتَمد على علمه بتأويل القرآن». وهذا القول الذي جوّز صوابَه ابنُ جرير غيرَ ألاّ قائل له من أهل التأويل الذين يُعتمدُ على قولِهم قال به مقاتل بن سليمان، كما سيأتي في آثار تفسير الآية. وقد أشار ابنُ عطية (٤/١١) إلى قول أبي كعب، ثم علَّق عليه قائلًا: «فجعل سابق القدر عليهم بمثابة تكذيبهم بأنفسهم، لا سيما وقد خرج تكذيبهم إلى الوجود في وقت مجيء الرسل»
عن قتادة بن دعامة -من طريق سعيد- قوله: ﴿ومن كان في هذه أعمى فهو في الآخرة أعمى﴾، يقول: مَن كان في هذه الدنيا أعمى عن ما عاين فيها مِن نِعَم الله وخلقه وعجائبه -قال يحيى بن سلّام: أي: فيعلم أنّ له معادًا. وهذا تفسير الحسن في أشباه هذا مما جعله الله تبصرة للعباد فيعلمون أن البعث حق-، ﴿فهو في الآخرة أعمى وأضل سبيلا﴾ فيما يغيب عنه مِن أمر الآخرة أعمى
عن محارب بن دثار، قال: قال لي عبد الله بن عمر: كيف كان تفسيرُ ابن عباس في هذه الآية: ﴿ولذكر الله أكبر﴾؟ فقلتُ: كان يقول: إن ذكر اللهَ العبدُ عند المعصية فيَكَفُّ؛ أكبرُ مِن ذكر الله باللسان. فقال عبد الله بن عمر: إنّ العبد إذا ذكر الله ذكره الله، فذكر الله العبد أكبر من ذكر العبد إياه