اختُلف في المراد بالسُّور في قوله تعالى: ﴿فضرب بينهم بسور له باب﴾ على قولين: الأول: أنه حجاب الأعراف. الثاني: أنه الجدار الشرقي في مسجد بيت المقدس. ورجَّح ابنُ كثير (١٣/٤١٩) القول الأول الذي قاله مجاهد، وابن زيد، وقتادة، فقال: «وهو الصحيح». ولم يذكر مستندًا. وانتقد ابنُ عطية (٨/٢٢٨) القول الثاني الذي قاله ابن عباس، وعبد الله بن عمرو، وعبادة بن الصامت، وكعب الأحبار، فقال: «وهذا القول في السور بعيد». ووجّهه ابنُ كثير (١٣/٤١٩) بقوله: «وهذا محمول منهم على أنهم أرادوا بهذا تقريب المعنى ومثالًا لذلك، لا أنّ هذا هو الذي أُريد من القرآن هذا الجدار المعيّن، ونفس المسجد، وما وراءه من الوادي المعروف بوادي جهنم؛ فإن الجنة في السموات في أعلى عليين، والنار في الدّركات أسفل سافلين»
قال مقاتل بن سليمان: ﴿يَسْأَلُونَكَ ماذا أُحِلَّ لَهُمْ﴾ من الصيد. وذلك أنّ زيد الخير وهو من بني المُهَلْهَل وعديَّ بن حاتم الطائِيّان سألا النبي ﷺ، فقالا: يا رسول الله، كلاب [آل ذَرِيحٍ وآل أبي حذافة] يَصِدْنَ الظِّباء والبقر والحُمُر، فمنها ما تُدرك ذَكاتُه فيموت، وقد حَرَّم الله عز وجل الميتة، فماذا يحل لنا؟ فنزلت: ﴿يَسْأَلُونَكَ ماذا أُحِلَّ لَهُمْ﴾
رجَّح ابن جرير (٥/٦٧٥) مستندًا إلى السنة، وابن عطية (٢/٣١٧) مستندًا إلى القرآن، والسنة، قول الحسن من طريق عباد، ومن طريق قتادة، بأن ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنّاسِ﴾: خطاب للأمة بأنهم خير أمة أخرجت للناس، فذكر ابن جرير بسنده: عن بَهْز بن حكيم، عن أبيه، عن جده، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «ألا إنكم وفَّيتم سبعين أمة، أنتم خيرها وأكرمها على الله». وزاد عليه ابن عطية استدلاله بقوله تعالى: ﴿وكَذَلِكَ جَعَلْناكُمْ أُمَّةً وسَطًا لِتَكُونُوا شُهَداءَ عَلى النّاسِ﴾ [البقرة:١٤٣]، وبقوله ﷺ: «نحن الآخرون السابقون» الحديث. وكذا رجَّح ابن كثير (٣/١٤٢) مستندًا إلى دلالة العموم، والنظائر، بأن الآية عامة في جميع الأمة، فقال: ""والصحيح أن هذه الآية عامة في جميع الأمة، كل قرن بحسبه، وخير قرونهم الذين بعث فيهم رسول الله ﷺ، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم، كما قال في الآية الأخرى: ﴿وكَذَلِكَ جَعَلْناكُمْ أُمَّةً وسَطًا﴾، أي: خيارًا، ﴿لِتَكُونُوا شُهَداءَ عَلى النّاسِ ويَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾ [البقرة:١٤٣]». ووجَّه ابن عطية (٢/٣١٦) قول الحسن من طريق عباد، فقال: «فلفظ ﴿أمة﴾ على هذا التأويل اسم جنس، كأنه قيل لهم: كنتم خير الأمم»
عن عبد الله بن عمر -من طريق سالم- قال: قرأ رجلان من الأنصار سورةً أقرأها رسول الله ﷺ، وكانا يقرآن بها، فقاما يقرآن ذات ليلة يُصَلِّيان، فلم يَقْدِرا منها على حرف، فأصبحا غادِيَيْن على رسول الله ﷺ، فقال: «إنها مما نُسِخ أو نُسِي، فالهُوا عنها». فكان الزهري يقرؤها: ﴿ما ننسخ من آية أو ننسها﴾ بضم النون خفيفة
عن محمد بن إسحاق -من طريق سلمة- قوله: ﴿الم الله لا إله إلا هو الحي القيوم﴾: ففَتَح السورةَ بتبرئته نفسَه مِمّا قالوا، وتوحيدِه إيّاها بالخلق والأمر لا شريك له فيه، ورَدَّ عليهم ما ابتدعوا من الكفر وجعلوا معه من الأنداد، واحتجاجًا عليهم بقولهم في صاحبهم ليعرفوا بذلك ضلالتهم؛ فقال: ﴿الله لا إله إلا هو﴾. أي: ليس معه غيره شريك في أمره
قال مقاتل بن سليمان: ﴿وما كانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ﴾ يعني: لِيُعَذِّب في الدنيا ﴿القُرى بِظُلْمٍ﴾ يعني: على غير ذنب، يعني: القرى التي ذكر الله تعالى فى هذه السورة الذين عذَّبهم اللهُ، وهم قوم نوح، وعاد، وثمود، وقوم إبراهيم، وقوم لوط، وقوم شعيب. ثم قال: ﴿وأَهْلُها مُصْلِحُونَ﴾ يعني: مؤمنون. يقول: لو كانوا مؤمنين ما عُذِّبوا
عن إسماعيل السُّدِّيّ -من طريق أسباط- في قوله: ﴿فإذا هي ثعبان مبين﴾، قال: الذَّكَرُ من الحيّات، فاتحةً فَمَها، واضعةً لَحْيَها الأسفل في الأرض، والأعلى على سُور القصر، ثم توجَّهتْ نحو فرعون لِتأخُذَه، فلمّا رآها ذُعِرَ منها، ووثَب فأحْدَث، ولم يكنْ يُحدِثُ قبل ذلك، وصاح: يا موسى، خُذْها وأنا أومنُ بك وأُرْسلُ معك بني إسرائيل. فأخَذها موسى، فصارت عصًا
عن واهب المَعافِرِي، أن رسول الله ﷺ قال: «مَن أُقْرئه المُصْمَدَةَ؟» فقال رجل: أنا، يا رسول الله. فأقرأه رسولُ الله سورةَ يونس، ثم قال: «مَن أُقرئه المُحَلِّيَةَ». فقال رجل: أنا، يا رسول الله. فأقرأه طه، ثم قال: «مَن أُقْرِئه المُحَبِّرَة». فقال رجل: أنا. فأقرأه: ﴿هل أتى على الإنسان حين من الدهر﴾
قال مقاتل بن سليمان: و﴿قل﴾ يا محمد: ﴿الحمد لله﴾ في هلاك الأُمَم الخالية، يعني: ما ذكر في هذه السورة مِن هلاك فرعون وقومه وثمود وقوم لوط، وقل الحمد لله الذي علمك هذا الأمر الذي ذكر. ثم قال: ﴿وسلام على عباده الذين اصطفى﴾، يعني: الذين اختارهم الله عز وجل لنفسه للرسالة، فسلام الله على الأنبياء عليهم السلام
قال مقاتل بن سليمان: مكية كلها غير قوله تعالى: ﴿وإن عاقبتم﴾ إلى آخر السورة [١٢٦-١٢٨]، وقوله تعالى: ﴿ثم إن ربك للذين هاجروا﴾ [١١٠]، وقوله تعالى: ﴿من كفر بالله من بعد إيمانه﴾ [١٠٦]، وقوله تعالى: ﴿والذين هاجروا﴾ [٤١]، وقوله تعالى: ﴿ضرب الله مثلا قرية﴾ [٧٥]، فإن هذه الآيات مدنيات، وهي مائة وثمان وعشرون آية كوفية