سورة الدخان — الآية ٢٩

قال مقاتل بن سليمان: ثم قال: ﴿فَما بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّماءُ والأَرْضُ﴾ وذلك أنّ المؤمن إذا مات بكى عليه معالِمُ سجوده مِن الأرض، ومَصْعَد عمله مِن السماء أربعين يومًا وليلة، ويبكيان على الأنبياء ثمانين يومًا وليلة، ولا يبكيان على الكافر، فذلك قوله: ﴿فَما بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّماءُ والأَرْضُ﴾ لأنهم لم يُصلّوا لله في الأرض، ولا كانت لهم أعمال صالحة تصعد إلى السماء لكفرهم، ﴿وما كانُوا مُنْظَرِينَ﴾ لم يناظروا بعد الآيات التسع حتى عُذِّبوا بالغرق

سورة البقرة — الآية ١٥٨

عن عبد الله بن عباس -من طريق سعيد بن جبير- أنّه أتاه رجل، فقال: أبْدَأُ بالصفا قبل المروة، أو أبدأ بالمروة قبل الصفا؟ وأصلّي قبل أن أطوف، أو أطوف قبل؟ وأحلق قبل أن أذبح، أو أذبح قبل أن أحلق؟ فقال ابن عباس: خذوا ذلك من كتاب الله، فإنه أجدر أن يُحْفَظ، قال الله: ﴿إن الصفا والمروة من شعائر الله﴾؛ فالصفا قبل المروة. وقال: ﴿لا تحلقوا رؤوسكم حتى يبلغ الهدي محله﴾ [البقرة:١٩٦]؛ فالذبح قبل الحلق. وقال: ﴿وطهر بيتي للطائفين والقائمين والركع السجود﴾ [الحج:٢٦]؛ فالطواف قبل الصلاة

سورة الحج — الآية ٢٦

عن عبد الله بن عباس -من طريق سعيد بن جبير- أنّه أتاه رجلٌ، فقال: أبْدَأُ بالصفا قبل المروة أو بالمروة قبل الصفا؟ وأُصَلِّي قبل أن أطوف أو أطوف قبل؟ وأحلق قبل أن أذبح أو أذبح قبل أن أحلق؟ فقال ابن عباس: خذوا ذلك مِن كتاب الله؛ فإنّه أجدر أن يحفظ، قال الله: ﴿إن الصفا والمروة من شعائر الله﴾ [البقرة:١٥٨] فالصفا قبل المروة، وقال: ﴿لا تحلقوا رؤوسكم حتى يبلغ الهدي محله﴾ [البقرة:١٩٦] فالذبح قبل الحلق، وقال: ﴿وطهر بيتي للطائفين والقائمين والركع السجود﴾ فالطواف قبل الصلاة

نقل ابنُ عطية (٧‏/‏٧٤) عن ابن عباس أنّ السجود في قوله تعالى: ﴿إنَّما يُؤْمِنُ بِآياتِنا الَّذِينَ إذا ذُكِّرُوا بِها خَرُّوا سُجَّدًا﴾ بمعنى: الركوع، ثم علَّق عليه بقوله: «وقد روي عن ابن جريج، ومجاهد: أنّ هذه الآية نزلت بسبب قوم من المنافقين كانوا إذا أُقِيمت الصلاة خرجوا من المسجد. فكأن الركوع يقصد من هذا، ويلزم على هذا أن تكون الآية مدنية، وأيضًا فمن مذهب ابن عباس أن القارئ للسجدة يركع، واستدل بقوله: ﴿وخَرَّ راكِعًا وأَنابَ﴾ [ص:٢٤]»

اختُلف في معنى: «السِّيما» في هذه الآية على أقوال: الأول: أنها علامة يجعلها الله في وجوه المؤمنين يوم القيامة، من أثر سجودهم في الدنيا. الثاني: أنها السَّمْت الحسن. الثالث: أنها أثرٌ يكون في وجوه المصلين؛ مثل أثر السهر الذي يظهر في الوجه. الرابع: أنها آثار تُرى في الوجه من ثَرى الأرض، أو نَدى الطهور. والأقوال الثلاثة الأخيرة على أنها علامة في الدنيا. وجمع ابنُ جرير (٢١‏/‏٣٢٦) -بدلالة عدم التخصيص- بين الأقوال كلّها بقوله: «إن الله -تعالى ذكره- أخبرنا أنّ سيما هؤلاء القوم الذين وصف صفتهم في وجوههم من أثَر السجود، ولم يَخُصَّ ذلك على وقت دون وقت، وإذ كان ذلك كذلك فذلك على كل الأوقات، فكان سيماهم الذي كانوا يُعرفون به في الدنيا آثارَ الإسلام، وذلك خشوعه وهدْيُه وزهده وسَمْتُه، وآثارُ عناء فرائضه وتطوُّعه، وفي الآخرة ما أخبر أنهم يُعرَفون به، وذلك الغُرَّة في الوجْه والتَّحْجيلُ في الأيدي والأرْجُل من أثر الوضوء، وبياض الوجوه من أثَر السجود». وعلَّق ابنُ عطية (٧‏/‏٦٨٩) على القول الأول بقوله: «كما يجعل غُرَّةً من أثر الوضوء... الحديث، ويؤيِّد هذا التأويل اتصال القول بقوله تعالى: ﴿فَضْلا مِنَ اللَّهِ ورِضْوانًا﴾، كأنه تعالى قال: علامتهم في تحصيلهم الرضوان يوم القيامة سيماهم في وجوههم من أثَر السجود». وعلَّق على القول الثاني بقوله: «وهذه حالة مكثري الصلاة؛ لأنها تنهاهم عن الفحشاء والمنكر، وتُقِلُّ الضحك، وتردُّ النَّفس بحالة تخشع معها الأعضاء». ونقل (٧‏/‏٦٩٠) عن عطاء بن أبي رباح، والربيع بن أنس أن «السِّيما»: «حُسْنٌ يعتري وجوه المصلين». ثم وجَّهه بقوله: «وذلك أنّ الله تعالى يجعل لها في عين الرّائي حُسْنًا تابعًا للإجلال الذي في نفسه، ومتى أجلَّ الإنسان أمْرًا حَسُنَ عنده منظره، ومن هذا الحديث الذي في الشِّهاب: «مَن كثُرت صلاته بالليل حَسُن وجْهُه بالنهار»»

أفادت الآثارُ الاختلاف في حدِّ الزاني المحصن على قولين: أحدهما: أنّ حدَّه: جلد مائة، والرجم. وهذا قول السدّي. والآخر: أنّ حدَّه: الرجم. وهذا قول الجمهور. ورَجَّحَ ابنُ جرير (٦‏/‏٤٩٨) القولَ الثاني استنادًا إلى السُّنَّةِ والإجماع قائلًا: «أولى الأقوال بالصحة في تأويل قوله: ﴿أو يجعل الله لهن سبيلا﴾ قولُ مَن قال: السبيلُ التي جعلها الله -جل ثناؤه- للثيبين المحصَنَيْن الرجم بالحجارة، وللبكرين جلد مائة ونفي سنة؛ لصِحَّةِ الخبر عن رسول الله ﷺ أنّه رَجم ولم يجلد، وإجماعِ الحجة التي لا يجوز عليها -فيما نقلته مجمعةً عليه- الخطأ والسهو والكذب، وصحةِ الخبر عنه أنه قضى في البكرين بجلد مائة ونفي سنة. فكان في الذي صحَّ عنه مِن تركه جلدَ من رُجم مِن الزناة في عصره دليلٌ واضح على وهاء الخبر الذي رُوِي عن الحسن، عن حطان، عن عبادة، عن النبي ﷺ أنّه قال: «السبيل للثيب المحصن الجلد والرجم»»

سورة إبراهيم — الآية ٢٧

عن أنس بن مالك، قال: خدَم رسولَ الله ﷺ رجلٌ من الأشْعَرِيِّيِن سبعَ حِجَج، فقال: «إنّ لهذا علينا حقًّا، ادعوه، فلْيَرْفَع إلينا حاجته». فدَعَوْه، فقال له رسول الله ﷺ: «ارفَعْ إلينا حاجتك». فقال: يا رسول الله، دعني حتى أُصبح، فأستخير الله. فلمّا أصبح دعاه، فقال: يا رسول الله، أسألُك الشفاعة يوم القيامة. فقال رسول الله ﷺ: ﴿يثبت الله الذين ءامنوا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة﴾. قال: «فأعِنِّي على نفسك بكثرة السجود»

سورة الفتح — الآية ٢٩

عن عبد الله بن عباس -من طريق سعيد بن جُبير- في قوله: ﴿محمد رسول الله والذين معه أشداء على الكفار رحماء بينهم تراهم ركعا سجدا يبتغون فضلا من الله ورضوانا سيماهم في وجوهم من أثر السجود ذلك مثلهم في التوراة﴾: يعني: هذا الذي قصّ لذلك مَثلهم في التوراة، ﴿ومثلهم﴾ الآخر ﴿في الإنجيل كزرع أخرج شطأه﴾ أول ما يخرج الزرع، ﴿فآزره﴾ فنَبتَ، ﴿فاستغلظ فاستوى على سوقه﴾ نباته، أو نباته كلّه، ﴿يعجب الزراع ليغيظ بهم الكفار وعد الله الذين آمنوا وعملوا الصالحات منهم مغفرة وأجرا عظيما﴾

سورة الحاقة — الآية ٢١

عن أبي الدّرداء، قال: قال رسول الله ﷺ: «أنا أول مَن يُؤذَن له بالسجود يوم القيامة، وأنا أول مَن يُؤذَن له أن يرفع رأسه، فأنظر إلى بين يدي، فأعرف أُمّتي من بين الأمم، ومِن خلفي مثل ذلك، وعن يميني مثل ذلك، وعن شمالي مثل ذلك». فقال رجل: يا رسول الله، كيف تعرف أُمّتك مِن بين الأمم فيما بين نوح إلى أُمّتك؟ قال: «هم غُرٌّ مُحَجَّلون مِن أثر الوضوء، ليس أحد كذلك غيرهم، وأعرفهم أنهم يُؤتون كُتبهم بأيمانهم، وأعرفهم يسعى بين أيديهم ذُرّيتهم»

سورة الفتح — الآية ٢٩

عن عبد الله بن عباس، ومحمد بن علي بن أبي طالب، قالا: دخل أسامةُ بن زيد على النبي ﷺ، فأقبل النبي ﷺ بوجهه، ثم قال: «يا أسامة بن زيد، عليك بطريق الجنّة، وإيّاك أن تحيد عنه فتَختلج دونها». فقال أسامة: يا رسول الله، دُلّني على ما أُسْرِع به قَطْع ذلك الطريق. قال: «عليك بالظمأ في الهواجر، وقَصْر النفس عن لذّتها ولذّة الدنيا، والكفّ عن محارم الله. يا أسامة، إنّ أهل الجنّة يتلذّذون ريح فَم الصائم، وإنّ الصوم جُنّة من النار، فعليك بذلك، وتقرّب إلى الله بكثرة التهجُّد والسجود؛ فإنّ أشرف الشّرف قيام الليل، وأقرب ما يكون العبد من ربه إذا كان ساجدًا، وإنّ الله عز وجل يباهي به ملائكته ويُقبل إليه بوجهه. يا أسامة بن زيد، إيّاك وكلّ كَبد جائعة تخاصمك عند الله يوم القيامة. يا أسامة بن زيد، إيّاك أن تَعْدُ عيناك عن عباد الله الذين أذابوا لحومهم بالرياح والسمائم، وأظمأوا الأكباد حتى غَشِيَتْ أبصارهم من الظُلَمِ، أسهروا ليلهم خُشّعًا رُكّعًا ﴿يبتغون فضلا من الله ورضوانا سيماهم في وجوههم من أثر السجود﴾، تعرفهم بِقاعُ الأرض، تحفّ بهم الملائكة، تحوم حواليهم الطير، تذلّ لهم السّباع كذلِّ الكلب لأهله»