عن حذيفة بن أسيد الغفاري، قال: ذكر رسول الله ﷺ الدابة، فقال: «لها ثلاث خرجات مِن الدهر، فتخرج خرجة في أقصى البادية، ولا يدخل ذكرها القرية -يعني: مكة-، ثم تكمن زمانًا طويلًا، ثم تخرج خرجة أخرى دون تِلك، فيعلو ذكرُها في أهل البادية، ويدخل ذكرها القرية». يعني: مكة. قال رسول الله ﷺ: «ثم بينما الناس في أعظم المساجد على الله حرمة وأكرمها -المسجد الحرام- لم يرعهم إلا وهي تَرْغو بين الركن والمقام، وتنفض عن رأسها التراب، فارفَضَّ الناس عنها شتى، وتثبت عصابةٌ مِن المؤمنين، ثم عرفوا أنهم لن يعجزوا الله، فبدأت بهم، فجلَّت وجوهَهم حتى جعلتها كأنها الكوكب الدري، وولت في الأرض لا يدركها طالب، ولا ينجو منها هارب، حتى إنّ الرجل ليتعوذ منها بالصلاة، فتأتيه من خلفه، فتقول: يا فلان، الآن تصلي؟! فيُقْبِل عليها، فتَسِمُه في وجهه، ثم تنطلق، ويشترك الناس في الأموال، ويصطحبون في الأمصار، يعرف المؤمن مِن الكافر، حتى إن المؤمن ليقول: يا كافر، اقضِني حقِّي. وحتى إن الكافر ليقول: يا مؤمن، اقضني حقِّي»
عن سَهْلِ بن حُنَيْف أنه قال يوم صفين: اتهموا أنفسكم، فلقد رأيتنا يوم الحُدَيبية -يعني: الصُّلح الذي كان بين النبيِّ ﷺ وبين المشركين- ولو نرى قتالًا لقاتلنا، فجاء عمر إلى رسول الله ﷺ، فقال يا رسول الله: ألسنا على الحقّ وهم على الباطل؟ أليس قتْلانا في الجنّة وقتْلاهم في النار؟ قال: «بلى». قال: ففيمَ نُعطي الدَّنِيَّة في ديننا، ونرجع ولَمّا يحكم الله بيننا وبينهم؟! فقال: «يا ابن الخطاب، إنِّي رسول الله، ولن يضيّعني الله أبدًا». فرجع مُتَغَيِّظًا، فلم يصبر حتى جاء أبا بكر، فقال: يا أبا بكر، ألسنا على الحقّ وهم على الباطل؟ قال: بلى. قال: أليس قتْلانا في الجنة وقتْلاهم في النار؟ قال: بلى. قال: ففيم نعطي الدَّنيّة في ديننا؟! قال: يا ابن الخطاب، إنّه رسول الله، ولن يضيّعه الله أبدًا. فنزلت سورة الفتح، فأرسل رسول الله ﷺ إلى عمر، فأقرأه إياها، قال: يا رسول الله، أوَفتح هو؟ قال: «نعم»
عن غَزْوان أبي حاتم، قال: بَينا أبو ذرّ عند باب عثمان لم يُؤذن له إذ مرَّ به رجلٌ مِن قريش، فقال له: يا أبا ذر، ما يَحْبِسُك ههنا؟ قال: يأبى هؤلاء أن يأذنوا لي، فدخل الرجل، فقال: يا أمير المؤمنين، ما بال أبي ذرٍّ على الباب لا يُؤذن له. فأمر، فأُذن له، فجاء حتى جلس ناحية القوم، قال: وميراث عبد الرحمن بن عوف يُقسم، فقال عثمان لكعب: يا أبا إسحاق، أرأيتَ المال إذا أُدِّي زكاته هل يُخشى على صاحبه فيه تَبعة؟ فقال: لا. فقام أبو ذرّ ومعه عصاه، فضرب بها بين أُذني كعب، ثم قال: يا ابن اليهودية، أنت تزعم أنّه ليس عليه حقٌّ في ماله إذا أدّى الزّكاة! واللهُ يقول: ﴿ويُؤْثِرُونَ عَلى أنْفُسِهِمْ﴾ الآية [الحشر:٩]، والله يقول: ﴿ويُطْعِمُونَ الطَّعامَ عَلى حُبِّهِ مِسْكِينًا ويَتِيمًا وأَسِيرًا﴾ الآية [الإنسان:٨]، والله يقول: ﴿وفِي أمْوالِهِمْ حَقٌّ لِلسّائِلِ والمَحْرُومِ﴾ [الذّاريات:١٩]. فجعل يذكر نحو هذا من القرآن، فقال عثمان للقرشي: إنما نكره أن نأذن لأبي ذرٍّ مِن أجل ما ترى
رَجَّح ابنُ جرير (٤/٢٤٥-٢٤٦) مستندًا إلى الدلالات العقلية، والعموم هذا القول، فقال: «لأنّ الله -تعالى ذِكْرُه- فَرَض على أبي المولودِ تسليمَ حقِّ والدتِه إليها مِمّا آتاها مِن الأجرة على رضاعها له بعد بينونتها منه، كما فرض عليه ذلك لِمَن استأجره لذلك مِمَّن ليس مِن مولده بسبيل، وأمره بإيتاء كُلِّ واحدة منهما حقَّها بالمعروف على رَضاع ولده، فلم يكن قوله: ﴿إذا سلمتم﴾ بأن يكون معنِيًّا به: إذا سلَّمْتُم إلى أُمَّهات أولادِكم الذين يُرْضِعُون حقوقَهُنَّ بأولى منه بأن يكون مَعْنِيًّا به إذا سلَّمْتُم ذلك إلى المراضع سِواهُنَّ، ولا الغرائب من المولود بأَوْلى أن يَكُنَّ مَعْنِيّاتٍ بذلك مِن الأمهات، إذ كان الله -تعالى ذِكْرُه- قد أوجب على أبي المولود لكُلِّ مَن استأجره لرضاع ولده مِن تسليم أجرتها إليها مثلَ الذي أوْجَبَ عليه مِن ذلك للأخرى، فلم يكن لنا أن نُحِيل ظاهرَ تنزيلٍ إلى باطنٍ، ولا نقلٍ عامٍّ إلى خاصٍّ إلا بحُجَّة يجب التسليم لها؛ فصَحَّ بذلك ما قلنا». وهذا القول الذي رجَّحه ابنُ جرير منسوب لعطاء، لكن نسبه لابن جريج، وذكر موافقة السدي ومجاهد على بعضه
بَيَّنَ ابنُ جرير (٦/٤٦٩)، وابنُ عطية (٢/٤٨٢)، وابنُ كثير (٣/٣٧٥) أنّ الدَّينَ مُقَدَّمٌ على الوصية بالإجماع. ووجَّه ابنُ عطية (٢/٤٨٤) تقديمَ الوصيّة في الآية بالذِّكرِ استنادًا إلى العقل، واللغة، فقال: «هذه الآية إنما قُصِد بها تقديمُ هذين الفعلين على الميراث، ولم يُقْصَد بها ترتيبهما في أنفسهما، ولذلك تقدَّمت الوصِيَّةُ في اللفظ، والدَّين مُقَدَّم على الوصية بإجماع، والذي أقول في هذا: إنّه قَدَّم الوصيةَ إذ هي أقلُّ لزومًا مِن الدَّين؛ اهتمامًا بها، وندبًا إليها، كما قال تعالى: ﴿لا يغادر صغيرة ولا كبيرة﴾ [الكهف:٤٩]، وأيضًا قَدَّمها مِن جهة أنّها مُضَمَّنُها الوَصِيَّةُ التي هي كاللازم يكون لكل ميت؛ إذ قد حضَّ الشرعُ عليها، وأَخَّرَ الدَّين لشذوذه، وأنه قد يكون ولا يكون، فبدأ بذكر الذي لا بُدَّ منه، ثم عطف بالذي قد يقع أحيانًا، ويُقَوِّي هذا كونُ العطف بـ﴿أو﴾، ولو كان الدَّيْنُ راتِبًا لكان العطف بالواو. وقُدِّمَتِ الوصية أيضًا إذ هي حَظُّ مساكينٍ وضِعاف، وأُخِّر الدَّينُ إذ هو حظ غريمٍ يطلبه بقوة، وهو صاحب حَقٍّ له فيه، كما قال عليه السلام: «إنّ لصاحبِ الحقِّ مقالًا»»
اختُلِف في معنى قوله: ﴿وإن تلووا أو تعرضوا﴾ على قولين، الأول: قول ابن عباس من طريق أبي ظبيان: هي في الخصمين يجلسان بين يدي القاضي، فيكون ليُّ القاضي وإعراضُه لأحدهما على الآخر. والثاني: هي في الشاهد يلوي الشهادة بلسانه ويحرفها، فلا يقول الحقَّ فيها، أو يُعْرِض عن أداء الحق فيها. ورَجَّح ابنُ جرير (٧/٥٩٢) القولَ الثاني مستندًا إلى الأظهر من معنى الشهادة، فقال: «لأنّ الله -جل ثناؤه- قال: ﴿كونوا قوامين بالقسط شهداء لله﴾، فأمرهم بالقيام بالعدل شهداء، وأظهرُ معاني الشهداء ما ذكرنا مِن وصفهم بالشهادة». ورَجَّح ابنُ عطية (٣/٤٤) العمومَ بدلالة العقل، والشرع، فقال: «ولفظ الآية يعمُّ القضاءَ، والشهادة، والتوسط بين الناس، وكلُّ إنسان مأخوذ بأن يعدل، والخصوم مطلوبون بعدل ما في القضاة. فتأمله». وعلَّق ابنُ جرير (٧/٥٨٩) بأنّ الآية على القول الأول نزلت في الحُكّام، كما قال السدي. وعلَّق ابنُ عطية (٣/٤٤) على القول الأول بقوله: «فالليُّ على هذا: مطْلُ الكلامِ، وجرُّه؛ حتى يفوت فصل القضاء وإنفاذه، للذي يميل القاضي عليه»
عن عَطّاف بن خالد، قال: بَلَغَنِي: أنّه لَمّا نزل قولُه: ﴿ومن يغفر الذنوب إلا الله ولم يصروا على ما فعلوا﴾ صاح إبليسُ بجنوده، وحثا على رأسِه الترابَ، ودعا بالويل والثبور، حتى جاءته جنودُه مِن كل برٍّ وبحر، فقالوا: ما لك يا سيِّدنا؟ قال: آيةٌ نزلت في كتاب الله لا يَضُرُّ بعدها أحدًا من بني آدم ذنبٌ. قالوا: وما هي؟ فأخبرهم، قالوا: نفتح لهم بابَ الأهواء فلا يتوبون، ولا يستغفرون، ولا يرون إلا أنّهم على الحق. فرَضِي منهم بذلك
عن محمد بن إسحاق -من طريق سلمة- ﴿ولقد كنتم تمنون الموت من قبل أن تلقوه فقد رأيتموه وأنتم تنظرون﴾، أي: لقد كنتم تَمَنَّوْنَ الشهادةَ على الذي أنتم عليه من الحق قبل أن تَلْقَوْا عدوَّكم، يعني: الذين اسْتَنْهَضُوا رسولَ الله ﷺ إلى خروجه بهم إلى عدُوِّهم لما فاتهم مِن الحضور في اليوم الذي كان قبله ببدر؛ رغبةً في الشهادة التي قد فاتتْهم به. يقول: ﴿فقد رأيتموه وأنتم تنظرون﴾، أي: الموتَ بالسيوف في أيدي الرجال، قد خُلِّي بينكم وبينهم وأنتم تنظرون إليهم، فصَدَدتُم عنهم
عن الزُّهْرِيِّ، قال: لَمّا نزلت هذه الآيةُ: ﴿ليزدادوا إيمانا مع إيمانهم﴾ [الفتح:٤] قالوا: يا رسول الله، قد علِمْنا أنّ الإيمان يزدادُ، فهل ينقُص؟ قال: «إي، والَّذِي بعثني بالحقِّ، إنّه لَيَنقُص». قالوا: يا رسول الله، فهل لذلك دلالةٌ في كتاب الله؟ قال: «نعم». ثُمَّ تلا رسولُ الله ﷺ هذه الآية: ﴿وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل أفإن مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم﴾. فالانقلاب نقصانٌ، ولا كفر. (٤/٥١)
عن ثابت بن قيس بن شَمّاس، قال: كنت عند رسول الله ﷺ، فقرأ هذه الآية: ﴿إن الله لا يحب من كان مختالا فخورا﴾، فذَكَرَ الكِبْرَ، فعَظَّمه، فبكى ثابِتٌ، فقال له رسول الله ﷺ: «ما يُبكيك؟». فقال: يا رسول الله، إني لَأُحِبُّ الجَمال، حتى إنّه لَيُعجبني أن يحسن شِراك نعلي. قال: «فأنت مِن أهل الجنة، إنّه ليس بالكبر أن تُحَسِّنَ راحلتك ورَحْلَك، ولكِنَّ الكِبْرَ مَن سَفِهَ الحَقَّ، وغَمِصَ الناس»